زواج سوداناس

هل فارقت الإنقاذ أذهان الإسلاميين بعد (27) عاماً



شارك الموضوع :

كلما حل ميقات زماني مرتبط بحدث معين، تبدأ الذاكرة حينها في التحرش بعقول أصحابه وصانعيه- أي الحدث- وتتفجر الذكريات بشقيها، المفرح والمؤلم، مصحوبة بجرد حساب، لعام أو ربما أعوام، مثلما هو الحال في ذكرى انقلاب ثورة الإنقاذ الوطني التي يوافق ذكراها يوم 30/ 6/ 1989.
سنوات طويلة مضت على قيام حكومة الإنقاذ الوطني، محفوفة بالآلام والصراعات والانشقاقات وتعدد الكيانات واختلاف المسميات ولم تزل. والقائمون على أمر هذه الثورة، الباقون منهم والمغادرون، شأنهم شأن غيرهم من البشر تتحرش بهم ذاكرتهم عند حلول ذكرى تاريخ صنعوه وصاغوه، ولعل الإسلاميين منهم هم الأكثر استرجاعاً لهذه الذكرى سيما أنهم أرادوه انقلاباً مبطناً، ظاهره عسكري وباطنه إسلامي، يتقلدون مفاتيحه لاحقاً، قبل أن تنقلب عليهم الدائرة في المفاصلة الشهيرة التي تنازعوا بينهم فيمن يذهب ومن يبقى، فبعد مرور هذه السنوات هل ما زالت الإنقاذ في أذهان الإسلاميين أم تلاشت وماذا تمثل لهم؟؟
بالرغم من أن ضربة البداية لثورة الإنقاذ الوطني كانت في الثلاثين من يونيو 89 إلا أن حقيقة الانقلاب وماهيته لم تكن معروفة حتى تلك اللحظة للجميع، وكان ظاهر الأمر يحكي أن انقلاباً قادته مجموعة من ضباط القوات المسلحة لتخليص البلاد من الأوضاع التي كانت تعيشها في ظل الديمقراطية الثالثة، ليتبين لاحقاً أن الإسلاميين هم من أتوا بهذه الحكومة عبر مسرحية بالغة الدقة، عنوانها “اذهب إلى القصر رئيساً وأنا إلى السجن حبيساً”، عقب اتفاق معقود بين القوات المسلحة والحركة الإسلامية بزعامة الراحل المفكر دكتور “حسن الترابي”، الذي تبين بعد أن تم الإفراج عنه عقب حملة الاعتقالات الواسعة التي قام بها منفذو الانقلاب أنه مهندسه وعرابه وأبوه الروحي، وهو الأمر الذي عده القيادي بالمؤتمر الشعبي “أبو بكر عبد الرازق” ضرورياً سيما أن الهدف من دخول “الترابي” سجن كوبر وإبقاءه في زنزانة واحدة مع زعماء الأحزاب السياسية آنذاك، من أجل إدارة حوار مشترك معهم للخروج برؤية موحدة لحكم السودان وفقاً للخطة المطلوبة، التي كانت تقتضي أن يكون مدى (الإنقاذ) هو ثلاث سنوات على الأكثر بحد تعبيره.
{ اجتهاد خاطئ
“عبد الرازق” أكد لـ(المجهر) أن تجربة الإسلاميين مع ثورة الإنقاذ هي تجربة اجتهاد خاطئ، خسرت على إثرها الحركة الكثير من عضويتها التي انحرفت عن المسار، فبعضهم لجأ إلى الرصيف، ومنهم من تصوف وآثر الاهتمام بالذات، مشيراً إلى أن (الإنقاذ) بطبيعة التسمية كانت تعبيراً عن عمل مؤقت لانتشال البلاد مما هي فيه ومما تعانيه من أزمات نحو عمل سوي ومستقر توضع بمقتضاه البلاد على الطريق الصحيح، مصحوبة بتوفير النظام والحرية في آن واحد، وقال: (كان من المفترض في خلال ثلاث سنوات أن يكتمل الاتفاق وتقام انتخابات حرة نزيهة تحترم إرادة الشعب، لكن أول الأشياء التي أخلت بهذا الاتفاق هو تطاول اعتقال الترابي إلى ثمانية أشهر ومن ثم افتعال مشكلة معه واتهامه بسحب صلاحيات الرئيس، بيد أن الأمر وما فيه أن المجموعة الحاكمة لا تريد الحريات).
{ انشقاقات متوالية
وفيما يرى “أبو بكر عبد الرازق” أن تجربة الإسلاميين مع الثورة اجتهاد خاطئ خسرت على إثره الحركة الكثير من عضويتها، إلا أنه وفقاً لمراقبين سياسيين فإن الإسلاميين لم يكونوا بالوحدة التي تستوجب تحدي الصعاب، ومذكرة العشرة التي دفع بها عشرة من القادة الإسلاميين كانت خير دليل على تلك الوحدة المدعاة، حيث إنهم دفعوا بمذكرة تهدف إلى إحداث إصلاحات حزبية وتدعو إلى تقليص سلطات “الترابي” التي فطن إليها الرئيس “عمر البشير” لاحقاً وقام بحل المجلس الوطني وإعلان حالة الطوارئ عندما أحس بسحب سلطاته. ومن هنا بدأت الخلافات تدب في جسد الدولة الإسلامي العسكري، ولم يتوقف الأمر عند حد الانشقاق الأول الذي كان بقيادة شيخ “حسن”، لكن تلته انشقاقات أخرى بدأت بسخط القياديين الراحل “مكي على بلايل” وصديقه الدكتور “أمين بناني” ومن ثم المهندس “الطيب مصطفى”، حيث أنشأ منبر السلام العادل، تبعه بعد فترة ليست بالقصيرة الدكتور “غازي صلاح الدين” وأسس “حركة الإصلاح الآن”، وأخرى غير مرئية في كيان الدولة وكانت هي الأخرى انشقاقات تدعو للإصلاح.
{ “كمال عبيد”: أحدثت تغييراً حقيقياً في البلاد
ظلت الدعوة الإصلاحية من قبل عدد من القيادات داخل جسم الحكومة تتجدد وسط حالة من الرفض الصامت التي كانت تسري بين صفوف الإسلاميين، التي تم الإفصاح عنها لاحقاً عقب انشقاقات متكررة وتكوينات حزبية متجددة، قسمت الإسلاميين أنفسهم إلى أجزاء عدة، ليصبحوا وفقاً للبعض وكأن لعنة الإنقاذ حلت عليهم، وهم الذين خاضوا تجربتها متجمعين ثم لم تلبث أن حزبتهم، ولم تعد حاضرة في ذاكرتهم، إلا أنه وحسب وزير الإعلام الأسبق د. “كمال عبيد” فإن ثورة الإنقاذ ما زالت حاضرة في أذهان الإسلاميين لما أحدثته من تغيير حقيقي في البلاد، مستشهداً بقوة صمودها في وجه الحصار الذي ناءت بحمله دول أخرى رغم وضعها مقارنة بالسودان من حيث الأفضلية، وعزا لـ(المجهر) الخلافات بين الإسلاميين إلى أنه وضع طبيعي بالنسبة للمجتمع البشري، وقال: (لكن رغم هذا الخلاف تظل المسيرة مستمرة والأهداف التي حققتها الإنقاذ موجودة وهذا دليل عافية)، وزاد: (عندما نقارن تجربتنا مع التجارب الأخرى نرى الخلافات والصراعات أطاحت بالنظام الحاكم ولكن في السودان الخلاف مسيطر عليه).
{ الحكم ليس هو أداة التغيير الوحيدة للمجتمع
وفقاً للبروفيسور “حسن مكي” فإن 30 يونيو لم تعد حاضرة في الأذهان كيوم احتفالي، مؤكداً لـ(المجهر) أن كل إسلامي لديه ذكرياته ورؤاه لهذا الحدث الذي يظل كاملاً ومتجذراً في الذاكرة للذين شاركوا فيه، وقال: (الآن وعقب هذه السنوات الطويلة، يجب على الإسلاميين الذين حكموا، أن يعرفوا أن الحكم ليس هو أداة تغيير المجتمع الوحيدة).

تقرير ـ هبة محمو: صحيفة المجهر السياسي

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *