زواج سوداناس

فيصل محمد صالح : من يُحدِّد الثوابت الوطنية؟


مقالات 4

شارك الموضوع :

كثيراً ما نسمع من بعض المسؤولين كلاماً كثيراً عن احترامهم لحرية الصحافة وحقها في النقد والرقابة، لكنهم عَادةً ما يضيفون بالقول.. “ولكن يجب أن تلتزم الصحافة بمصلحة الوطن والثوابت الوطنية وضرورات الأمن القومي”. في أحسن الأحوال يُمكن وصف هذا الموقف بأنّه تقييد لحرية الصحافة وربطها بشُروط تَضعها الحكومة، إن لم نمضِ لآخر الشوط لنقول إن هذا الشرط يلغي الجملة الأولى تماما فتصبح وكأنها لم تقل من الأصل.
إذا أردنا الاختصار والقول المُفيد سنقول إنّ احترام حرية الصحافة جُزءٌ من كل ديمقراطي لا يتوفّر بالتقسيط، وبدون توفر إطار ديمقراطي مُتكامل وشيوع ثقافة ديمقراطية في المجتمع، وتحديداً وسط من بيدهم الأمر، لن يكون مُمكناً احترام حُرية الصحافة ولا ضمان سيادة منظومة الحريات العامة. الديمقراطية والحُرية لا يُمكن أن تسير مع شروط مفروضة من فوق، مهما كانت الشروط ومهما كان من أطلقها. وأول مداخل حرية الصحافة أنّها ستقول ما لا تريده أن يُقال، وستكتب ما لا يعجبك، فإن احتملت ذلك واحترمته، فأنت تحترم حرية الصحافة، وإلاّ.. فلا.
ليس معنى ذلك أنّ الحرية ليست لديها شروط تُقيِّدها، ولا يعني ذلك أنه وفي إطار الحريات العامة ليست هناك ثوابت وطنية أو خُطوط حمراء، وهذا من بديهيات القول التي لا يتجادل حولها العاقلون. لكن الثوابت الوطنية والخُطوط الحمراء في كل بلد وكل مُجتمع لا تصنعها وتحددها الحكومات وحدها وتنفرد بوضع إطارها، وإلاّ لما كانت هناك حُريات عامة وحُريات إعلام في أي بلد في الدنيا.
لو ترك للحكومة الأمريكية، وأي حكومة في بلد في العالم، أن ينفرد بوضع الخُطوط الحمراء والثوابت الوطنية في أمريكا، لانتهى به الأمر لتقييد الحُريات العامة وتكميم الصحافة، ونفس الشئ في بريطانيا أو فرنسا، أو كازاخستان، وذلك ببساطة لأنّ الجهاز التنفيذي والسياسي سيتّجه نحو تأمين مسار عمله وتحصينه من النقد والرقابة والمُتابعة، لو ترك الأمر بيده.. الذي يحدد كل ذلك هو المُجتمع كله، عبر الدستور والقوانين التي يتواضع عليها الجميع، والمنظومة الأخلاقية والقيميّة للمُجتمع، ثُمّ الثقافة والقواعد الأخلاقية والمهنية والتي تخرج أيضاً من وسط المجتمع وحواراته ونقاشاته.
ما يقيد أيِّ حكومة في بلد ديمقراطي عن تكبيل الإعلام لن يكون ورعه الذاتي وثقافته الديمقراطية وحدها، ولا صلته وحبله المُمتد مع السماء، وإن توفر كل ذلك، لكن الأساس المتين للحريات العامة من الدستور، وثقافة وتقاليد حركة الحقوق المدنية، وعشرات المؤسسات والهيئات الفاعلة، والمجالس التشريعية المُنتخبة ديمقراطياً، بجانب الناشطين ومُنظّمات المجتمع المدني وأجهزة الإعلام نفسها. هَذه الجهَات تُساهم في صناعة وتحديد الثوابت الوطنية، وتَحترمها، وتُراقب احترامها والتمسك بها، وتنتقد مَن يخرج عليها، حتى لو كانت الحكومات، التي كثيراً مَا تخرج عن هذه الثوابت بذرائع شتى.
يوم تصبح الصحافة تابعاً يسير في ركاب الحكومة، تنتظر المُؤشِّرات والتّعليمات، وتترقّب إشارات المرور الحمراء والخضراء، وتصبح وتمسي على تصريحات المسؤولين وتوجيهاتهم لوضع برنامجها اليومي، تكون قد خرجت عن رسالتها، وتحوّلت إلى بُوقٍ لا يَستحق أن يدفع الناس مالاً مُقابل الحصول عليه، بل يجب أن تُوزّع مجاناً، وربما يُكافأ القراء على تصفحها.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *