زواج سوداناس

ما بين “جبريل” و”محمد علي الأمِّي”



شارك الموضوع :

بداية، أرجو ألا يغضب أصدقاؤنا من قيادات منظومة (نداء السودان) مما سنكتبه الآن، ويذهب الظن ببعضهم بعيداً.. بعيداً عن مرامي هذا المقال، إذ نتوقع أن يتم تصنيف كاتبه بأنه من خصومهم اللدودين، مع ميل له إلى جانب حركة العدل والمساواة، ورئيسها “جبريل إبراهيم”.. بينما الحقيقة هي غير ذلك، فموقفنا واحد من كل أطراف هذه المنظومة السياسية المسلحة، إذ نتفق معهم تماماً في كل خطوة يستهدفون بها الحل السياسي، دون استخدام السلاح، وجميعنا يعلم النتائج الكارثية لاستخدام السلاح ومحاولات مواجهة الدولة بأفراد وجماعات مسلحة بلا شرعية إلا إذا كان التمرد وإزكاء نار الحرب يمنحان الشرعية (!).
قائد حركة العدل والمساواة الأخ “جبريل إبراهيم”، يعرف مدى علاقتنا بمؤسس الحركة الراحل الدكتور “خليل إبراهيم”، ويعلم أكثر موقفنا الذي لم نخفه لحظة منه ومن حركته عندما نفذ عمليته أو بالأحرى مغامرته الأكبر بمحاولة غزو أم درمان، وكتبنا وقتها أن تلك المحاولة كانت انتحاراً سياسياً وعسكرياً للحركة وقائدها في ذلك الوقت، ولكن فلنستشهد ببعض ما قاله حكيم العرب “قس بن ساعدة”، المتوفى قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة في واحدة من أعظم خطبه: “أيُّها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا سمعتم شيئاً فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آتٍ. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، ليل داج، ونهار ساج وسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج، مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تُركوا هناك فناموا.. تباً لأرباب الغفلة والأمم الغافلة الخالية والقرون الماضية”.
الخطبة طويلة، لكن ما استعرضناه منها وحده يكفي لإظهار حكمة “قس بن ساعدة”، ونرى الآن أنه يطابق الواقع من وجهة نظر الحكيم من قادة (نداء السودان) أو الجبهة الثورية، أو حتى الحكومة التي تمرد عليها المتمردون، وحاول مواجهتها المسلحون، لذلك جاء التوقيع على خارطة الطريق، والطريق واضح ومستقيم يبدأ من نقطة المواجهة والحرب، وينتهي عند نقطة الاتفاق والسلام، أو هكذا نتمنى، وهكذا يجب أن يعمل العقلاء والحكماء، حقناً للدماء، وسعياً وراء الاستقرار وصولاً للتنمية.. فقد سبقنا الجميع كثيراً حتى أن بلادنا كادت تصبح في ذيل الدول النامية.
الحوار الذي نشرته (المجهر السياسي) يوم أمس، الذي أجرته في “أديس أبابا” ابنتنا الصحفية النابهة “إيمان عبد الباقي” لم يظهر فيه تعنت أو تزمت أو شطط في ما يطالب به الأخ “جبريل إبراهيم”، فمن حقه أن يطالب الحكومة بإطلاق سراح المحكومين من أعضاء حركته، إذ انتهت أو انتفت أسباب الخصومة و(الدواس) وتراضى الجميع على سلام عادل ومرضٍ لكل الأطراف، وسوف تكون تجربة (التصالح) مع الحكومة والنظام بالنسبة لأخينا “جبريل” قائد حركة العدل والمساواة تجربة جديدة تشكل إضافة نوعية في رصيده السياسي وتشكل نقلة جديدة في مسار الحركة التي لم تصالح ولم تهادن ولم تتفيأ ظلال الحكم، أو تجلس تحت شجرة السلطة من قبل، وهي – أي الحركة – لا تعرف إن كانت تلك الشجرة في فناء مجدب وقفر، أم أنها شجرة ظليلة ومثمرة.. التجربة بالنسبة له جديدة، بعكس جماعته الآخرين في منظومة (نداء السودان)، إذ أن “عرمان” دخل باسم الحركة الشعبية إلى دهاليز السلطة ومراكز التشريع، وكذلك صديقنا “مالك عقار” الذي تولى الحكم ولاية كاملة لكنه حاول أن يأخذ معه كرسي السلطان ويفر به إلى حيث التمرد والإغراءات بسلطان واسع ممتد وحكم لا يفنى باسم الحركة الشعبية، فخسر كل شيء وجاء هو وصاحبه مضطرين للجلوس مع خصوم الأمس للتحاور والتفاوض، وكذلك الحال بالنسبة لصديقنا العزيز “مني أركو مناوي” الذي بلغ أعلى مراتب السلطة وكان الأقرب لسدة الرئاسة، لكنه قال لي ونحن في الفاشر إنه مقيد لا سلطات له ولا قرار، فعرفت في قرارة نفسي أنه اتخذ قراره بالفعل ليعود إلى ساحات التمرد والقتال بعد أن أخذ نصيبه و(نصيب غيره) من كل شيء.. أما السيد الإمام فقد خاصم وصالح وخاصم وصالح، وسيظل بين مد وجذر إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
توقعات صاحبكم الشخصية تتجه نحو (تكبير) صورة “جبريل إبراهيم” لتلقف صور الزعماء الثلاثة، لأنه من المؤكد سيكون قد درس وفحص وذاكر كل وقائع (التاريخ) وتعامل مع أفعال الماضي والحاضر والمستقبل، ولا يريد من الحكومة وأركانها إلا النظرة له كقائد جديد لحركة قديمة لم يتم التعامل معه من قبل سياسياً، وكأن الذي بينه وبين السلطة هو ما جرى على لسان شخصية متخيلة في قصيدة للشاعر المبدع محمد علي الأمي، يقول في بعض أبياتها:-
أنظرني بعين الرضا سامحني وأترك ما مضى
يا حبيبي ضاق بي الفضا سلطان هواك سلمني لي إيد القضا
الوطن يحتاجنا جميعاً، لذلك نسأل الله العلي العظيم أن يحفظ بلادنا وأن يجمع كلمتنا وأن يقيل عثرتنا، وأن يزيل عن طريق الحق والسلام كل من أراد أن يعطل مسيرة بلادنا.. إنه سميع مجيب.
.. و .. وجمعة مباركة.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *