زواج سوداناس

الإرهاب.. معضلات التعريف والمواجهة (3)



شارك الموضوع :

ما من شك إن نسبة جرائم الإرهاب والترويع للإسلام بإسم الإرهاب الإسلامي هي جزء من خطاب الكراهية الذى هو أصل الغلو العنيف. فالعنف هو المولود البكر لخطاب الكراهية ، ولا سبيل للقضاء على ظاهرة العنف المرتبط بالغلو الفكرى والعقدى والعرقى إلا بالتجانف والتباعد عن خطاب الكراهية. والمسلمون المسالمون يغضبون عندما يُنسب دينهم لما يسمى بألإرهاب . فهم يعلمون أن دينهم مشتق من السلام والمسالمة . وهو الآمر لهم بأن يدخلوا في السلم كافة ، ثم يسمعون من بعد ، في كل لحظة وآونة إتهاماً لدينهم بأنه الأب الشرعي لما يسمى بالإرهاب . وحق للمسلمين أن يغضبوا عندما يعرفون أن موجات الإرهاب ومنظماته التي نشأت أول ما نشأت في أوروبا شرقيها وغربيها لم تسم بالإرهاب الأرثوذكسي أو الكاثوليكي أو الإنجيلي، بل سُميت بأسمائها . فعلى سبيل التمثيل فإن منظمة (إرادة الشعب) في روسيا التي إغتالت القيصر واستهدفت الطبقة السياسية في روسيا في خواتيم القرن التاسع عشر وقد صنفت منظمة إرهابية ولم تسم إرهاباً أرثوذكسياً . وعندما ناوأت منظمة آي آر أيه في أيرلندا حكم الأغلبية البروتستانية وكان الخلاف والنزاع مذهبياً دينياً بين البروتستانت والكاثوليك فصنفت منظمة إرهابية فى المملكة المتحدة ولم يطلق عليها أسم إرهاب كاثوليكي . وعندما برزت منظمة بادر مانهوف الألمانية وصنفت إرهابية لم يقل عنها أنها إرهابا بروتستانتي ، وعندما صنفت مجموعة أيوم شنريكيو اليابانية إرهابية لم يُوصف إرهاباً بوذياٌ، ، وغالب هذه المنظمات تنطلق من تأويل خاص لمنطلقات دينية أو أيدولوجيه، ولكنها لم تنسب للمسيحية ولا البوذية ولا الإشتراكية، ولكنها نسبت إلى ما تسمي به نفسها ، ولكن جماعات والعنف في الحوض العربي الإسلامي هي وحدها ما يُنسب للإسلام فيقال الإرهاب الإسلامى والتطرف العنيف الإسلامى.

ومما لاشك فيه أن مرجع ذلك هو إلى خطاب الكراهية الذي تتناول به كثير من دوائر الإعلام، والسياسة بل وبعض مؤسسات التعليم الغربية الديانة الإسلامية . والتحيز ضد الإسلام أو التخوف منه الذي يعرف بالإسلاموفوبيا أمر ليس بالمحدث في أوروبا والغرب عامة ، فمرجعه يسبق الحروب الصليبية التى إجتاحت فيها أوربا عالم الإسلام بإسم الصليب لادفاعاً عن الصليب بل عن ممالكها الصليبية. ورغم أن العلمانية واللادينية فى أوربا وأمريكا فقد تعاظم أمر الإسلاموفوبيا مؤخراً بالحديث المكرر عن الإرهاب الإسلامي والخطر الإسلامي، فعظمت بلوى الطوائف المسلمه من ذلك ، وبخاصة تلكم التي تعيش في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية . فقد تضاعفت جرائم الكراهية ضد المسلمين في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية . وهي في تصاعد مستمر يؤجج إلتهابها خطاب الكراهية الذي أصبح سياسيون مرموقون في الغرب لا يتوانون عن توظيفه في معتركاتهم الإنتخابية ، حتى بلغ بعضهم مثل دونالد ترامب مبلغاً يكاد يصفه على مصاف دعاة إدارة التوحش والكراهية ، ولا يتوقف خطاب الكراهية العلني أو المستخفي عند دوائر السياسة والإعلام ، بل إنه يتدثر بدثار البحث العلمي الأكاديمي والدراسات الأمنية والإستراتيجية.
فالمراجعه الدقيقة لكثير من النقاشات الأكاديمية والبحوث في مؤسسات البحث الغربية تكشف التحيز الفكري والثقافي مغلفاً بمهارة بغلاف اللغة البحثية الموضوعية . ومما يؤسف له أن كثير من هذه البحوث والنقاشات حول صلة الفكر الإسلامي بالتأويلات المتطرفة العنيفة التي تتبناها المجموعات الماضوية المنسوبة إلى أسمه لا يشارك فيها المنتسبون للفكرة الإسلامية . وإنما يقتصر البحث والتداول على الباحثين الغربيين ، وربما المشاركة المتواضعه لمنتسبين للإسلام ، وتقتصر التمثيل على أولئك الذين لا يرون الإسلام مرجعية فكرية لهم ، بل مرجعيتهم هو الفكر الغربي بمختلف مدارسه . ولذلك فإن حقيقة الصلة بين أصول الإسلام الحقة والتأويلات الخاطئة لمبادئة لن تتبدى أبداً لأولئك الباحثين . فهم محجبون بحجاب الغربة الفكرية سواء أكانوا من غير ملة الإسلام أو بعض أبنائه ممن فقدوا إيمانهم بمرجعيته لهداية الحياة المعاصرة.

تسميات الإرهاب في الإعلام الغربي

وأشهر هذه التسميات هي الإرهاب الإسلامي Islamic terrorism والتسمية قد تكشف موضع الخطأ منها حقيقة واحدة ، وهى أن ضحايا جماعات الإرهاب المسلمة من المسلمين هم أضعاف مضاعفة لضحاياها من غير المسلمين . ولكن عيوناً تغشيها الكراهية ويعميها التعصب هي وحدها التي لا ترى هذه الحقيقة البارزة الساطعة . ولا يثور الإعلام الغربي ولا ينتفض غضباً عندما يُقتل المئات فى الكرادة في بغداد أو العشرات في الضاحية فى بيروت أو العشرات في أنقرة، ولكنه ينتفض غضباً عندما يقتل عدد من الضحايا مهما قل في عواصم أوربا . وربما يجد أهل الإعلام في الغرب ذلك مبرراً لديهم بأن خطابهم موجه لجمهور غربي ، ولكنهم يتناسون أن إعلامهم هو الذي يقود الإعلام التابع في كل العالم ، فالصورة التي يراها سائر الناس والإنطباع الذى ينطبع لديهم أن القيمة الإنسانية للإنسان الغربي أكبر وأعظم من قيمة الإنسان في الشرق الأوسط.
وأسوأ من تسمية الإرهاب الإسلامي هي تسمية جماعات العنف بالإسلاميين هكذا فحسب ، وبذلك يتماهي التطرف العنيف بالإسلام . وكذلكم وتستخدم تسمية السلفية أو السلفية الجهادية، ورغم أن هذه الجماعات جميعاً تنسب نفسها للسلفية وتصف أعمالها المريعة بأنها إحياء لطريقة السلف الصالح ،إلا أن غالب الجماعات السلفية التي نشأت في مصر والسعودية وسوريا لا ترى رأيها ولا تقر عملها، ويكفي مثالاً أن أكبر المنظمات المصنفة إرهابية لدى الغرب (القاعدة) لا ترى سبيل الإفراط في العنف والتوحش وإستهداف الأبرياء إلا إنحرافاً عن الإسلام الصحيح.
ومما لا شك فيه أن للتأويلات الخاطئة للمبادىء الإسلامية والنصوص والتاريخ الإسلامي هي المنطلق الذي تنطلق منه هذه الجماعات الغالية العنيفة . بيد أنه ليس من مصلحة أحد أن يضم إلى هذه الدائرة جماعات سلفية عديدة لا تقر هذه التأويلات ولا تقبل تلكم التصرفات. والإعلام الغربي يستخدم تسمية الجهاديين أو الحركة الجهادية على هذه الجماعات وهي تسمية خاطئة ، فالجهاد ليس هو ما تقوم به هذه الجماعات ، بل أن ما تقوم به هو تأويل خاطيء لفكرة الجهاد، فالجهاد معنى مركزي في العقيدة الإسلامية وهو لا يقتصر على القتال، وإن كان القتال لتحقيق العزة والمنعة للأمة الإسلامية ، هو ذروة سنامه إلا أنه لا يقتصر على ذلك، فالجهاد لا يتنافى فحسب مع ما يسميه الإعلام الغربي إرهاباً بل هو عين التضاد لتلكم الفكرة.

الجهاد والإرهاب تضاد أم تناص :

إن فكرة الجهاد هى الجوهر التنفيذى للعقيدة الإسلامية . فحياة المرء والمرأة كلها جهاد فى سبيل الحق . و الله (سبحانه وتعالى) وصف الجهاد بأنه يكون باليد واللسان والقلب فأنزل فى الكتاب : (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)، أى جاهدهم بالقرآن فكراً وقولاً . فالجهاد ليس مجرد الإصطفاف والقتال ، إنما الجهاد أوسع من ذلك وأعم . فالجهاد أن تكون ربانيا قرآنيا ويكون نسكك وصلاتك ومحياك ومماتك لله سبحانه وتعالى وعلى مراده الإلهى الذى هو سبيل ملاقاته على طريق الحق . فكل حياة الانسان جهاد لا ينقطع وكدح لا يتوقف. وهكذا يجب ان تكون حياة الإنسان (يأيها الإنسان أنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ) وهو كدح عقلى يتدبر فيه الأنسان أيات الأنفس والأفاق والأكوان ويتدبر آيات الوحى ليترقى علمه وفهمه عن نفسه وعالمه والأكوان المحيطة به . وإنما العلم هو مدرج لكل سارب وكل سارى وعارج الى مراقى الحق من كل شىء . وبذل غاية الوسع للتوصل للحق من كل شىء يُسمى لما يبذل فيه من جهد إجتهاداً . ثم أن العلم بالشىء لا يراد إلا لإستقامة التصرف بشأنه ، ولذلك فإن حمل النفس على الإستقامة على الحق يُسمى لما يبذل فيه من جهد مجاهدة . ثم إن إستقامة المرء أو المرأة فردا على الحق ليست كافية ولا قابلة للإكتمال ولا الإستدامة ما لم يتسع صف أهل الإستقامة . ولذلك فإن الدعوة للإستقامة على الحق المبين المستبين تُسمى جهادا . والجهاد درجات ، وكل صعود درجات وكل هبوط وإنحدار دركات ، وفى ٍ كلٍ صعود وسفول. والجهاد فى تعريف السان العربى مصدرٌ من الجهد ، والجهد بفتح الجيم وضمها وهما بذل الطاقة وإحتمال المشقة ، والاجتهاد : بذل الوسع والمجهود الذهنى والمجاهدة بذل الجهد فى إستجماع الإرادة للترقى . والناس يعرفون من مكابدتهم الشخصية أن الصعود فيه كلفة وجهد وربما نصب ، وأما السفول والنزول فيسهل على كل كائن . وكلما زاد الصعود زاد الجهد . ولذلك فإن القتال مدافعة عن الحق وممالأة لإهله هو ذروة هذا الصعود. والجهاد المقصود هو الجهاد الذى هو مدافعة وذب عن الحق وليس هو العدوان بإسم الجهاد فذلك قتال محرم فكل عدوان محرم لأن الله لايحب المعتدين . وحتى إن بارز المسلمين عدو متهجم أو متربص فواجبهم أن يبازروه ويطالعوه على سواء لا أن يغدروا به . (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) فقد جاءت الشريعة بالتحذير من الخيانة والترهيب منها، وبيان سوء عاقبتها في الدنيا والآخرة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ) كما جاء في الحديث الصحيح أن من خصال المنافق أنه: (إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ) ولأنهم مطلوب من المسلمين قبل كل قتال إن يدعو العدو بدعوة الإسلام ، فإن لم يستجب دعوه بدعوة المتاركة والمسالمة فإن لم يستجب لهم فقد نالوا الإذن بقتاله (أُذن للذين يُقاتلون بأنهم قد ظُلموا وأن الله على نصرهم لقدير ). والجهاد الذى هو قتال هو الجهاد الأفضل . لأنه أعلى درجات بذل الجهد والمال بل النفس ولكنه كذلك الجهاد الأصغر ، لأنه لا يكون إلا إستثناء على المعتاد . فالأمر الراتب المعتاد هو حالة السلم ، والحرب لا ترد إلا من قبيل رد الفعل لفعل الآخر الذى يجبرك أن تتفاعل معه كارهاً . والجهاد الأكبر هو جهاد الإستقامة على الحق ، لأنه مطلوب فى وقت ، فهو متواصلٌ فى زمان السلم ، ولا يتوقف بل ربما عظُمت الحاجة إليه فى زمن الحرب ..والحرب هى حالة المكره ، وهى وزركلها وحمل ثقيل على الأنفس وعلى أوضاع الناس . والاسلام لا يُمجد الحرب بل يُمجد الجهاد . والجهاد هو بذل الجهد فيما تفعل إن كان فى حالة السلم أو حالة الحرب . وقد إختلط على بعض من أخلت التأويلات الفاسدة بعقولهم الفرق بين تمجيد الجهاد الذى هو تمجيد لفعل الصدق فى القتال وبين تمجيد الحرب. فالاسلام لا يُمجد الحرب بل أن القرآن يصفها بأنها عئب وحمل ثقيل إذ يقول ( حتى تضع الحرب أوزارها) وأوزار الحرب تكلفة باهظة فى الأنفس والأموال بل حتى على الأخلاق . وتمجيد فعل القتال هو ما أنزلق بكثير من الجماعات إلى التوحش الذى يفضى إلى التنصل من الأدمية والإنحدار إلى البهيمية الضارية . وأسوأ ما تكون الحرب وأبغض وأكره ما تكون عندما تستحل بإسمها الحرمات ، فتنهب الأموال ويهلك الحرث والنسل ، ويقتل النساء والأطفال والصبيان ، وكل ذلك محرمٌ حُرمةٌ مطلقة لا تجُبها حالة الحرب بحال من الأحوال. فحالة الحرب لاتحل قتال غير المقاتلين ولا أذيتهم ، فالنساء والصبيان والشيوخ الكبار وكل مسالم لا يقاتل،فهؤلاء جميعاً لا يجوز قتالهم ، ولا يعد قتالهم من الجهاد فى شىء بل هو أدخل شىء فى الظلم والعدوان . وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته امرأة مقتولة ، فقال صلى الله عليه وسلم: (مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ فِيمَنْ يُقَاتِلُ) . وقد حاول البعض إستحلال قتال غير المقاتلين بالإدعاء أنهم مظاهرين ومعاونين للمجهود الحربى للعدو . وهى حجة باطلة مدفوعة ، فوجود المدنيين فى حماية العدو وشراءهم وبيعهم معه ومعاملتهم السلمية معه لا تُعتبر مُظاهرةٌ له إلا أن أن يكون الفعل دعماً مباشراً للعمل الحربى ، وحتى فى هذه الحالة لا يُقتل الأطفال والصبيان ،لأن من سنة الشرع أن لا يؤاخذ غير المكلف صغيراغير مُميز أو مجنوناً.وكل ميثاقبين الأمم يحمى المدنيين والنساء والأطفال أثناء الحرب لوضع أوزارها عنهم يجدر بالمسلمين أن يلتزموا به و أن يدعوا إليه فهم أحق به وأولى .إن الآفة الكبرى فى زماننا هذا ليس هو غياب الجهاد وإنما غياب الفقه به ، وهى آفة وجهالة عظمت بها البلوى ، حتى إعتاد الناس على أنباء القتل للمسلمين وغيرهم المسالمين فى كل صباح ومساء ، وكثر الهرج والمرج والقتل والإغتيال ، وصار قتل الناس بالجملة بالتهمة ، وإخراجهم من أرضهم بالشبهة ، هو الأمرُ الدراج المعتاد ، وكل ذلك بإسم الجهاد ، والجهاد منه فى الضفة الأخرى منه وهما فى خطان متوازيان فى تضاد لا يلتقيان ، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
نواصل

د. أمين حسن عمر

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        خالد

        احسنت يا دكتور ا اوافقك في معظم ما ذهبت اليه لكن لماذا تهرب من تسمية الاشياء باسمائها الحقيقية لماذا لا تقر وتعترف ان الالاف الذين يسعرون جحيم التطرف والقتل والترويع والارهاب هم الذين نبتوا في تربة التطرف الوهابي التكفيري وان مرجعيات داعش واخواتها هي كتب ادعياء السلفية لماذا تتصالحون مع رموز هذه التيار وتسمحون له بالدعوة حتى غدا اليوم يهدد السلم المجتمعي في السودان تحت ستار دعوة كاذبة باطنها من قبله شعارات خادعة مثل الدعوة الى التوحيد وباطنها من قبله فتنة تزرع نبتتها رويدا رويدا تغذيها وتسقيها اموال عابرة من شرق البحر وتدعمها محاولة جيوسياسية من دولة مجاورة لتدعيم نفوذها في ارضنا بعد ان اغراها تدخلها العسكري في جوارها الى الجراة بالايحاء لعملائها بالداخل ما يسمى بجماعة انصار السنة الى البدء بتغويض اصل الفكر الصوفي الضارب في اعماق وجدان وارض السودان والذي كان له القدح المعلى في حفظ الهوية الاسلامية ونسيج الوحدة الوجدانية الاسلامية بين كافة مكوناته العرقية والثقافية .. الخ واكتفي بهذا القدر

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *