زواج سوداناس

“الإنترنت” قد تزيد معلوماتك لكن لن تجعل منك ذكياً.. لِمَ يتوجب علينا حشو أدمغتنا بالحقائق والمعلومات؟


حاسوب

شارك الموضوع :

في العصر الرقمي لا تحتاج إلا إلى بضع نقرات لتصل إلى ما تريد من المعلومات، لكن المعلومات وحدها لن تجعلك متعلّماً. تحتاج إلى وضعها في “سياق” ملائم، وهو أمر غير متوافر على الإنترنت.

الأميركي ويليام باوندستون، مؤلف 14 كتاباً، آخرها “رأس في السحاب: عندما تظل المعرفة مهمة رغم سهولة الوصول إلى المعلومات متى أردت”. ونشرت مقالاته في العديد من الصحف والمجلات، منها “نيويورك تايمز”، “هاپرز ماگازين”، “ذي إيكونوميست”، “هارفارد بيزينس ريفيو”. ويحلّ ضيفاً على محطات التلفزة والإذاعة، يلخص رؤيته حول الموضوع:

هل عفا الدهر على الحاجة إلى المعرفة؟ الآن يمكنك أن تخرج هاتفك من جيبك وتنقر بضع نقرات لتصل إلى جوابٍ لأي سؤال يخطر بذهنك فيما يتعلّق بالحقائق والمعلومات. الشبكات السحابية تحوي من المعلومات أكثر مما تعرفه أو قد تعرفه مستقبلاً، وإضافةً إلى هذا فإن خزينتها المعلوماتية تنمو في كل ثانية. إذاً لِمَ نزعج أنفسنا بحشو أدمغتنا بالحقائق والمعلومات؟

هذا سؤال لا يزال يؤرّقنا جميعاً بشكل أو بآخر. وهناك العديد من المقاربات الهادفة إلى طرح أجوبة ملائمة له. في التقاليد التعليمية، ساد اعتقاد يرى أن هناك مجموعة محددة من الحقائق والمعلومات التي يجب على أي متعلّم حقيقي أن يعرفها ليحظى بهذه التسمية. لكن الأمر ذاتي عندما يتعلّق الأمر باختيار أيّ من هذه الحقائق الأساسيّة يجري التركيز عليه. لم تعد هذه الطريقة ملائمة كثيراً في مجتمعاتنا رقميّة المعرفة ومتعددة المشارب.

أساليب لتقييم المعرفة

هناك أساليب أكثر موضوعيّةً في تقييم المعرفة. وقد طرحتُ العديد منها في كتابي “رأس في السحاب”. مثلاً هناك ما أسميّه “امتياز المعرفة”. فالأشخاص الذي لديهم مستويات أعلى من المعرفة العامة – ويُقاس هذا بإجابتهم على أسئلة اختبار قصير – يكون لديهم مستويات أعلى من الدخل. وعادةً ما تكون صحّتهم أحسن حالاً وشعورهم بالسعادة أفضل.

للوهلة الأولى لا يبدو في هذا ما يثير الدهشة. فمَن يحصّل تعليماً أعلى يمكنه أن يجني المزيد من المال (الميل المباشر والصريح للحصول على القروض الدراسية). وترتبط الرفاهية عامّةً مع مستويات أعلى من الرعاية الصحية والرضا عن الحياة. لكن ما يثير الدهشة هنا هو ليس العلاقة الطردية بين المعرفة والدخل المادي، وإنما أن هذه العلاقة تبقى جوهرية حتى عندما تستبعد المستوى التعليمي والعمر.

لقد أجريت مسحاً قوميّاً، وسألت المواطنين الأميركيين أن يجيبوا عن بعض الأسئلة الرياضية السهلة نسبيّاً [مثلاً: إلى أيّة رياضة يعود مصطلح “التجمهر في كامل الملعب”؟ أين يتموضع اللاعب المكلف بمهمة شورتستوب (في لعبة بيسبول)؟ كم عدد لاعبي فريق كرة القدم؟]. هؤلاء أحرزوا أعلى النقاط في هذه الدراسة الاستقصائية اتّضح أنهم أيضاً لديهم أكثر من ضِعفَي دخل أولائك الذين أخفقوا (85,245 مقابل 33,969 دولاراً). هذه الأرقام جرى ملاءمتها لتنطبق على مَن يبلغون 35 عاماً من العمر وحصلوا على تعليم جامعيّ. عند استبعاد النوع/الجنس يبقى الفرق كبيراً.

المعارف مرتبطة بمستوى الدخل

هناك أنواع أخرى متعددة من المعارف ترتبط بشدة بمستوى الدخل، منها اختبارات التاريخ، النطق الصحيح، متابعة الأحداث الراهنة، معرفة مواقع الدول على الخريطة. كذلك اختبار انتحلتُه من البرنامج التلفزيوني “جيوباردي”.

هذا الترابط (الذي لا يثبت السببيّة، أي أن المعرفة هي سبب الدخل العالي) يمكنه أن يحدث بسهولة في عصرنا المتخم بالبيانات. لكن من الصعب أن نحدّد ما تشي به هذه العلاقة الترابطية.

تبدو الرسالة التي تحاول توصليها لنا أن هناك قيمة عملية لمعرفة الأمور التي تتجاوز حدود الدرجة الجامعية أو الطبقة الاجتماعية-الاقتصادية المرتبطة بمستوى تعليمي معيّن. لديّ اعتقاد أن أمراً مهمّاً تزوّدنا به المعرفة هو السياق؛ وهو شيء يعيننا على تقييم الأفكار والمعلومات الجديدة.

الجهل يدفع إلى التشدد

قدّم علماءُ السياسة كيل دروپ، جوشوا كيرتزر، وتوماس زيتسوف دليلاً ساطعاً على هذا في عام 2014. فعندما كانت الأخبار تتوالى عن الاجتياح الروسي لأوكرانيا، قام العلماء بسؤال الأميركيين عن موقع أوكرانيا على الخريطة. فشل أغلبهم في تحديد موقعها (ولا مفاجأة هنا). المفاجأة كانت في هذا: كلما ابتعد الشخص عن الموقع الحقيقي لأوكرانيا، كان أكثر ميلاً لتدخل الجيش الأميركي في أوكرانيا. يبدو أن النزوع إلى التشدد يرتبط بالجهل الجغرافي.

غرف صناعة القرارات الحربية تحوي خرائطَ، وهذا لأسباب جيّدة. فإن موقع أية دولة على الخريطة يساعد في تحديد أهميتها الاستراتيجية وإمكانية إنزال قوّات هناك. وإنه من الغرابة بما يكفي أن بعض من شملتهم الدراسة قاموا بتحديد موقع أوكرانيا في المحيطات! فهذا إما يشير إلى أنهم لم يعرفوا أي جزء من الخريطة يمثّل المياه، أو أنهم كانوا يعتمدون على تدخل الأسطول (الأميركي) واستخدام الغوّاصات.

وقد وجدتُ بعض الأثر المشابه فيما يتعلق بتأييد بناء جدار على الحدود الأميركية-المكسيكيّة. فهؤلاء الذين أحرزوا أقل النقاط في اختبار للمعرفة العامة كانوا أكثر ميلاً لتأييد بناء الجدار. [أحد هذه الأسئلة كان يسأل: في أية دولة تقع ولاية نيوميكسيكو (الأميركيّة)، وقد أجاب حوالي 8٪ من الأميركيين أنها في المكسيك].

الهاتف الذكي لا يجعل صاحبه ذكياً

هؤلاء الذين يؤيدون بناء الجدار الحدودي يمتلكون هواتف مثل الآخرين. فيمكنهم إذاً أن يقوموا بالبحث عن أية معلومة يريدون معرفتها، بما في ذلك ما إذا كان الجدار سيمر شمال أو جنوب ألباكركي، نيوميكسيكو. لكن الدراسة كانت تقيس ما تعلّموه وأدركوه فعلاً. ولقد كان مؤيدو الجدار على قدر من معرفة أقل من غيرهم.

لا زال هناك نقاش طويل حول “تحيّز التأكيد” وعلاقته بالرؤى السياسيّة. فمن الطبيعة البشرية أن نسعى إلى الحصول على معلومات تؤكّد ما نعتقده بالفعل أو نميل إلى اعتقاده. ومن الأمثلة البارزة على هذا هي قنوات الكابل من نوعيّة فوكس نيوز وMSNBC.

فهذه القنوات تشكّل محتواها بناءً على رغبات المشاهدين في الحصول على مواد تؤكد رؤاهم ومعتقداتهم. وتشير الدراسات الاستقصائية المتعلقة بأوكرانيا والجدار الحدودي إلى أن هناك تأثيراً موازياً، وإن يكن عكسيّاً، ويتعلق أحدها بهذه الهواتف التي نحملها جميعاً. فنحن لا نقوم بالتأكّد من معلوماتنا، فلا ندري أي الحقائق بحاجة إلى المراجعة والتبيُّن.

لابد للمعلومة من سياق

تبعد أوكرانيا عن الولايات المتحدة ما يقرب من منتصف محيط الكرة الأرضية، والحدود المكسيكيّة-الأميركيّة طويلة. فمن لديهم أدنى معرفة بخريطة العالم يدركون هاتين الحقيقتين؛ وهذه المعرفة قد تدفعهم إلى التساؤل مباشرة حول جدوى الحرب أو الجدار. لكن بالنسبة للكثيرين من الأميركيين فإن أوكرانيا ليست إلا كلمة سمعوها في الأخبار، وليست رقعة من الأرض يمكنهم تحديدها في خارطة ذهنية (وبالطبع أقل من أن تصبح ثقافة أو دولة بالمعنى السياسي). لذا فإن “خرائط جوجل” لا تغني عن معرفة واسعة بالجغرافيا توضع في سياقاتها.

المعرفة الضئيلة للأميركيين بالجغرافيا ربما كان لها صلة بالإغراء الذي يبدو عليه اقتراح فكرة الجدار الحدودي. فبإمكاننا طبعاً أن نتفهّم مدى جاذبية هذا الحل البسيط، ظاهريّاً، لمشكلة المهاجرين غير الشرعيين المعقّدة.

تحتاج السياسات العامة إلى أن تعتمد على حقائق واقعية. فتكلفة بناء وصيانة وحراسة جدار حدودي تتناسب كلها مع طوله. وليس من الصعب الحصول على المعلومات المتعلّقة بهذا عبر الإنترنت؛ وهي ببساطة: طول الحدود الأميركيّة-المكسيكيّة، أو أمثلة تاريخية شبيهة كجدار برلين أو سور الصين العظيم (ومدى كفاءة هذه الأمثلة). لكن البحث والتيقّن من المعلومات هو سمة هؤلاء الذين لديهم الحسّ التاريخي والثقافي؛ وبدون هذا، فإن من الصعوبة القيام بإجراء بحث فعّال أو حتى معرفة ما ينبغي البحث عنه.

لهذا، يمكننا أن نخلُص إلى أن الإنترنت ليس إلا أداةً لزيادة المعرفة. وهي تزيد من عدم المساواة المعلوماتية: فيزداد الذكيّ ذكاءً، في حين يتخلّف من هم ليس على قدرٍ عالٍ من الذكاء. وهذا ما يدعم بشدة أهمية المعرفة. فالمرء بحاجة إلى قاعدة من المعارف إذا أراد أن يزداد معرفة.

هافغنتون بوست

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *