زواج سوداناس

تعرف على الحيوان صاحب أقوى فك مفترس في العالم



شارك الموضوع :

رغم أن لدى الكثير من الحيوانات أفواهاً كبيرة الحجم تعج بأسنان حادة؛ فإن واحداً منها فقط كان قادراً على العض بقوة تفوق باقي أترابه من المخلوقات.

فليتخيل كلٌ منّا مخلوقاً ذا فم أشبه بالكهوف في ضخامته وعمقه، تحفه من على الجانبين مئاتُ الأسنان قاطعة الحواف كالشفرة. ويزيد من هول المشهد، أن لفك هذا المخلوق عضلاتٍ قوية، تمزق اللحم وتسحق العظام، قبل أن ينغلق الفم بسرعة هائلة.

ورغم أن صورة فكٍ مخيف مثل هذا، تبدو مأخوذةً من فيلم سينمائي، يُظهر وحوشاً مخيفة، مثل فيلم “جوس” (الفك المفترس)، أو فيلم “غودزيلا”. لكن إذا نظرنا لعالم الواقع؛ سنجد سؤالاً يطرح نفسه حول أي الحيوانات قادر على العض بصورة أكثر إيلاماً من غيره؟

الأمر هنا لا يتعلق فقط بضخامة حجم فم الحيوان. فالحوت المنتمي لنوع “الحيتان مقوسة الرأس”، يمتلك فماً هو الأضخم على الإطلاق بين الحيوانات، ولكنه لا يستخدمه في العض. فالعضة القوية المؤلمة، تتطلب فماً كبيراً، والكثير من الأسنان الحادة القاطعة، ووجود عضلات فك شديدة البأس.

وللتعرف على الحيوان صاحب العضة الأكثر إيلاماً، يتعين علينا البحث بين الحيوانات، سواء التي تعيش على البر أو في الماء، كما يتوجب علينا العودة إلى الماضي السحيق.

أول ما يتعين علينا فهمه يتمثل في أن وجود الأسنان لدى الحيوان لا يعني بالضرورة أنه قادرٌ على العض. فعلى سبيل المثال؛ لدى حلزون الحدائق من النوع الشائع آلافٌ من الأسنان على لسانه الشبيه بالمبرد. ولكنه يستخدم هذه الأسنان في الكشط لا الصرّ، ولذا فلا يمكن وصف ما يقوم به بالعض.

وبالمثل، فرغم أن الحوت الأزرق، ربما يكون أكبر حيوان حي موجود حالياً على كوكبنا، إلا أن عضته ليست الأقوى، وذلك لسببٍ بسيط وهو أنه عديم الأسنان من الأصل، ولديه بدلاً منها ما يُعرف بالصفائح البالينية، وهي عبارة عن صفائح تعلوها مادة عظمية أشبه بتلك المُكوِنة للأظافر، وتأخذ شكل شعيرات.

وكلما جرع الحوت كميات هائلة من مياه المحيط، تعمل هذه الصفائح ذات الشعيرات المُهدّبة الشبيهة بالشبكة، على احتجاز المواد التي يتغذى عليها، والسماح للمياه بالنفاذ للخارج مرة أخرى.

وقد يبدو حظ حوت العنبر أفضل في هذا المضمار، بوصفه أضخم مخلوق مفترس ذي أسنان على الأرض. لكن ذلك لن يجعله أيضاً صاحب العضة الأقوى، فأسنانه موجودة في فكه السفلي فحسب، ويميل لابتلاع غذائه من الحبابير بالكامل، دون محاولة مضغها.

ويعني وجود هذه الحالات الغريبة من نوعها، أن مهمة العثور على الحيوان صاحب العضة الأقوى ليست باليسيرة. ويرى أوليفييه لومبير الباحث بالمعهد الملكي البلجيكي للعلوم الطبيعية، أن المرشح الأبرز لنيل هذا اللقب ليس حوتاً، وإنما كائنٌ يتغذى على الحيتان، ألا وهو نوعٌ من الدلافين يُطلق عليه اسم “الحوت القاتل” ويُعرف كذلك باسم “الأُركة”.

ويقول لومبير إن “الحوت القاتل”، الذي يمكن أن يصل طوله إلى 31 قدماً (9.5 أمتار)، هو أضخم حيوان حي “يستخدم أسنانه لاصطياد فرائسه وتمزيقها إرباً”.

ولدى كلٍ من هذه الدلافين 50 سِنة مخروطية الشكل، تستخدمها لتمزيق فرائسها، بدءاً من الفقمات وصولاً إلى صغار “الحوت الرمادي”.

رغم ذلك، فغالباً ما تتضافر دلافين “الأُركة” للظفر بفريسة كبيرة واحدة، وهو ما يعلمه أيٌ من محبي مشاهدة الأعمال الوثائقية التي تتناول الطبيعة وكائناتها الحية.

ويعني ذلك، أن الأمر قد لا يعدو هنا وجود أفواهٍ عديدة لا يتحمل كلٌ منها سوى جانبٍ بسيط من العمل، أو العض في حالتنا هذه، أي أن عضة الدولفين الواحد منها، قد لا تكون قوية بشكل استثنائي، إذا ما قيست منفردة.

وهكذا يجدر بنا – إذا كنا بصدد البحث عن حيوانٍ يتولى عملية الافتراس منفرداً – أن نلقي نظرةً على أكبر الأسماك المفترسة في العالم حالياً، ألا وهو القرش الأبيض الكبير، الشهير بأسنانه الثلاثمئة؛ الشبيهة حواف كل منها بالشفرة، والتي يجري إحلالها وتبديلها باستمرار.

وبكل تأكيد لدى الحيوانات المنتمية لهذا النوع، واحدة من أكثر العضات مرهوبة الجانب على وجه الأرض.

ولكن مما يشكك في ذلك، كون فك هذا النوع من أسماك القرش، مكوناً من غضاريف مرنة لا عظام صلبة، وهو ما حدا ببعض الباحثين إلى السعي لقياس قوة عضة “القرش الأبيض الكبير”.

غير أن محاولة تحديد قوة عضة مخلوق مفترس مثل ذاك، ربما تبدو عملاً مميتاً لا محالة، وهو ما يتفق عليه الكثير من العلماء بالتأكيد، ولذا أجروا الكثير من الاختبارات الخاصة بهذا الأمر، وهم آمنون في مكاتبهم.

وفي هذا الإطار، أجرى الباحث ستيفِن رو من جامعة نيو إنغلاند الاسترالية ومجموعة من زملائه، تجربةً في عام 2008 استخدموا فيها تطبيقات محاكاة حاسوبية، لقياس القوة التي يمكن أن تكون عليها عضة إحدى الأسماك المنتمية لنوع “القرش الأبيض الكبير”.

وأظهرت التجربة أن القوة القصوى المتوقعة لعضات الأسماك الأكبر حجماً المنتمية لهذا النوع، قد تصل إلى 18216 نيوتن (وحدة قياس القوة)، وهو ما يفوق بكثير أقوى عضة يمكن أن تصدر عن الإنسان، إذ أن أقصى ما يمكننا الوصول إليه في هذا الصدد باستخدام ما يُعرف بـ”الضرسين الضاحكين” لا يتجاوز 1317 نيوتن.

وبينما كانت تجارب المحاكاة السابقة، تستعين ببرامج حاسوبية تفترض أن الفك عِبارة عن رافعةٍ ذات بعدين، استخدم “رو” تقنية أكثر تطوراً، تُعرف باسم “تقنية تحليل العناصر المنتهية بالبعد الثالث”.

ويقول الباحث إن هذه التقنية أدت إلى حدوث تغير جذري فيما يتعلق بإمكانيات التنبؤ بقوة العضة وتحليل التفاصيل الخاصة بها. ولكن رو يستطرد بالقول إن قدرة حيوانٍ ما – نظرياً – على توليد قوة معينة، لا يعني بالضرورة أنه قادرٌ على ذلك على أرض الواقع.

ويشير إلى أن تقنية التحليل الجديدة، تسمح للباحثين بالتنبؤ بقوة الضغط والجهد البدني في مختلف جوانب الجمجمة والفكين، وكذلك القوة المتولدة عن ذلك في الاتجاه المعاكس، وهو ما يجعل بوسع العلماء التنبؤ بـ”السلوك الميكانيكي العام” المتوقع من المخلوق موضع الدراسة.

ولكن لا شيء يضاهي قياس قوة العضة وهي تضغط على لحم الفريسة بشكل فعلي. ولذا، أجرى بضعة باحثين جسورين تجارب على حيوانات حية.
Image copyright David Fleetham naturepl.com
Image caption يعرف القرش الأبيض الكبير بأسنانه الثلاثمئة؛ الشبيهة حواف كل منها بالشفرة

وتعود العضة الأقوى التي سُجلت من خلال هذه التجارب؛ لـ”تمساح المياه المالحة”، وذلك وفقاً لدراسة جرت عام 2012، على يد الباحث غريغوري إريكسون وزملائه بجامعة ولاية فلوريدا في مدينة تالاهاسي الأمريكية.

وحينها، عكف فريق البحث على مقارنة عضات تماسيح مختلف الأنواع الـ 23 المندرجة في إطار رتبة التمساحيات، وذلك عبر إغراء هذه الزواحف بِعضِ شطيرة معدنية مُثبتة على عصا طويلة.

وسجلت “أداة قياس قوة العضة” هذه، حجم الضغط الذي تعرضت له الصفيحتان المعدنيتان المؤلفتان للشطيرة، من قبل الفك العلوي والسفلي للتماسيح المشمولة بالدراسة.

وقد اصطاد فريق أريكسون هذه الزواحف وقيد حركتها، ثم وضع هذه الأداة بين أسنانها الخلفية، حيث تكون قوة عضتها في ذروتها. ويعني اختيار هذه النقطة تحديداً، قياس القوة المتولدة عن حركة “العضلة المقربة الخاصة بفك” التمساح وحدها، دون أن يختلط معها قياس أي قوى أخرى.

وأظهرت هذه الدراسات أن قوة عضة التماسيح الأضخم حجماً، المنتمية لنوع “تماسيح المياه المالحة”، يمكن أن تبلغ مستوى ساحقاً يناهز 16414 نيوتن، وهو ما يزيد بواقع ثلاث مرات ونصف المرة، عن قوة عضة حامل اللقب السابق في هذا المضمار، وهو الضبع المرقط.

ورغم أن قوة عضة تمساح المياه المالحة أضعف قليلاً من نظيرتها لدى “القرش الأبيض الكبير”، فإن الفارق يتمثل في أن الأولى سُجلت بناءً على قياسٍ حقيقي، بينما تم التنبؤ بقوة الأخرى اعتماداً على تطبيقات حاسوبية.

وبحسب لورا بورو الباحثة بالكلية الملكية للطب البيطري في العاصمة البريطانية لندن؛ فإن قوة عضة هذا التمساح لا تعود لطول فكه أو حدة أسنانه وقوتها، وإنما لعضته الشرسة العاتية.

وتضيف بورو بالقول: “نعتقد أن القوة الكبيرة لهذه العضة، تعود بشكل عام إلى العضلات الهائلة المسؤولة عن إغلاق الفك، خاصة العضلة المعروفة باسم العضلة الجناحية”.

وتمضي قائلةً: “إذا ما نظرت إلى صورة تمساح ضخم، (ستجد) لُغديّن كبيريّن ممتلئين لحماً، معلقيّن قرب الجانبين الخلفيين من الفم”. ويساعد ذلك على تفسير السبب الذي يجعل للتماسيح شديدة الضخامة مثل هذه عضات بالغة القوة.

وتقول بورو إن العضلات المسؤولة عن إغلاق فكي التمساح، تُظهر وجود ما يُعرف بـ”التنامي الإيجابي”، وهو ما يعني أن تلك العضلات تنمو بمعدلات أسرع نسبياً من نمو الجسم ككل.

وفي حالة هذه الزواحف؛ فإن هذا النمو يحدث بوتيرة أسرع من المتوقع، بحسب الباحثة التي تضيف أن “التماسيح التي وصلت لطور البلوغ تتمكن من العض بشكل أقوى من نظيراتها الأصغر سناً، وهو ما يعود (جزئياً) إلى أن حجمها أكبر بالتأكيد، وكذلك لأن عضلاتها أضخم نسبياً”.

ونظراً لأن التماسيح التي شملتها هذه الدراسة ليست الأكبر من نوعها من تلك المندرجة في إطار نوع “تماسيح المياه المالحة”؛ فإن من الممكن العثور فيما بعد على تماسيح أخرى ذات عضات أقوى.

وعلى الجانب الآخر من مقياس العضات القوية، يمكن أن نجد تلك الأسماك شديدة الصغر، التي تعيش في أمريكا الجنوبية، وتُعرف باسم “البيرانا”، إذ أن هذه الكائنات البحرية معروفةٌ بنهش أجزاء كبيرة من أجساد فرائسها.

رغم ذلك، فعندما قيست قوة عضة سمكة البيرانا السوداء في إطار دراسة جرت عام 2012، تبين أنها لا تتجاوز 320 نيوتن، وهو مستوى متدنٍ مقارنة بنظيره لدى سمكة “القرش الأبيض الكبير”، حتى إذا وضعنا في الحسبان عامل فارق الحجم بين السمكتين.

مع ذلك، فلم تكن أسماك “البيرانا” على هذه الشاكلة في الماضي. فقبل نحو تسعة ملايين عام، كانت أمريكا الجنوبية، موطناً لنوع عملاق من هذه الأسماك، كان يُطلق عليه اسم “ميغابيرانا باراننسينس”، وذو طولٍ يناهز ثلاثة أقدام (نحو متر).

ويُقدر الخبراء في أسماك “البيرانا”، قوة عضة تلك المخلوقات التي كانت موجودة قديماً، بما يتراوح بين 1240 و4749 نيوتن. ويقولون إن أسنان تلك الأسماك كانت قادرةً على سحق العظام.

ويؤكد هذا الاكتشاف صحة التصور العام الذي يفيد بأن العضات الأكثر قوة تصدر عن الحيوانات الأكبر حجماً. ولهذا السبب، تشير التقديرات إلى أن العضات الأقوى على مر العصور، تعود للحيوانات العملاقة التي عاشت في عصور ما قبل التاريخ، وتشكل أسلافاً لدلافين الأُركة، وأسماك القرش والحيتان.

ومن بين هذه الحيوانات؛ سمكة قرش هائلة الحجم، عُرفت باسم “كاركَرودون ميغالُدون”. وقد انقرضت هذه السمكة قبل نحو 2.6 مليون عام، وكان طولها يناهز – بحسب تقديرات العلماء – 66 قدماً (20 متراً)، أي أنها كانت أطول بنحو ثلاث مرات ونصف المرة، عن طول أضخم الأسماك المنتمية لنوع “القرش الأبيض الكبير”، الموجودة حالياً.

ويقدر الخبراء في مجال قياس قوة عضة أسماك القرش، أن تكون عضة هذه السمكة قد بلغت مستوى “استثنائياً” يتراوح ما بين 108514 – 182201 نيوتن، وهو كافٍ لسحق سيارة صغيرة.

وفي الوقت الراهن؛ تُصنّف هذه العضة باعتبارها الأقوى التي جرى التنبؤ بها رسمياً. لكن ربما لا تكون أقوى عضة من نوعها على الإطلاق، بشكل مؤكد.

ففي ذات الفترة، التي كانت فيها “كاركَرودون ميغالُدون” تجوب المحيطات، شاركها بعضاً من مناطق معيشتها بل وطارد ذات فرائسها، حوتٌ ينتمي لنوع “حوت العنبر” أُطلق عليه اسم “لفياتان ملفيلي”، وذلك تكريماً للكاتب هرمان ملفيل مؤلف رواية “موبي ديك”، التي تمثل أهم عمل أدبي شكلت الحيتان موضوعاً له.

وقد كان هذا الحوت المنقرض ضخماً على نحو غير عادي، فقد كانت رأسه وحدها، تمتد بطولٍ يقارب الأمتار الثلاثة. كما كان له أسنانٌ قادرةً على أداء مهامها بكفاءة في كلا الفكين، على خلاف حوت العنبر الحالي. وربما كانت هذه الأسنان الأكبر على الإطلاق مُقارنةً بنظيراتها لدى أي حيوان آخر، حيث قُدِّر طول كل منها بـ 14 بوصة (36 سنتيمتراً).

ويرى أوليفييه لومبير، الذي كان عضواً في الفريق العلمي الذي صنّف للمرة الأولى هذا الحوت المنقرض من الوجهة الإحيائية، أن الطول الكبير لجمجمته وحجم أسنانه يجعلان عضته “بلا شك إحدى أقوى العضات عبر العصور، إن لم تكن أقواها”.

وحتى الآن، لم يستخدم العلماء “تقنية تحليل العناصر المنتهية بالبعد الثالث”، للتنبؤ بقوة عضة ذلك الحوت، بالمُقارنة مع نظيرتها التي تم التنبؤ بها بالفعل لسمكة القرش المنقرضة المعروفة باسم “كاركَرودون ميغالُدون”. ولذا ليس بوسعنا المقارنة بينهما.

ولكن لومبير يرى أن الأمر “يستحق المحاولة بالتأكيد”. ويقول إن المنطق يشير إلى إمكانية توقع صدور عضات شديدة القوة عن ذلك الحوت المنقرض، بالنظر إلى ما يتوقعه العلماء بشأن أبعاد جسمه وحجم فكه وأسنانه وجمجمته.

BBC

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *