زواج سوداناس

القتل الممنهج… السرطان ينهش أجساد المعتقلين السياسيين في مصر



شارك الموضوع :

تضطرب مشاعر المحامي المصري أسامة الحلو، كلما تذكر مأساة المتهم في قضية “فض رابعة” والمصاب بالسرطان حسني الماسخ، إذ صدر قرار الإفراج عنه في 8 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بعد تردي حالته الصحية.

لا يدري أسامة “هل يفرح بسبب قرار الإفراج نادر الحدوث، أم يشعر بالحزن لخروج موكله الثلاثيني من أجل الموت على فراشه؟”، إذ يؤكد تقرير طبي، صدر عن مشفى مركز الأورام بمعهد ناصر للبحوث والعلاج (حكومي)، في 16 يونيو/حزيران الماضي، “تزايد ضغط الورم السرطاني، على الشرايين المغذية للمخ بما ينذر بموت سريع، للمتهم الذي أصيب بمرضه في محبسه بعد أن قضى فيه ثلاثة أعوام”.

نادراً ما تقرر الهيئة القضائية، الإفراج الصحي عن المتهمين في حالات مشابهة، كما يؤكد المحامي قبل أن يتابع “لم تطعن النيابة على قرار الإفراج، الذي صدر بعد أن تجاوز حسني مدة الحبس الاحتياطي، المقررة في حالته بعامين فقط”.

790 مريضاً بالسرطان في السجون

تكشف إحصائية حصل عليها معد التحقيق، عبر المرصد المصري للحقوق والحريات، أن عدد مرضى السرطان المسجونين في مصر منذ انقلاب يوليو/تموز عام 2013، يبلغ 790 مريضاً، يتوزعون على أماكن الاحتجاز في كافة محافظات الجمهورية. وتوضح الإحصائية أن 150 من المحتجزين مصابين بمرض سرطان الرئة، و50 بمرض سرطان القولون، و90 بمرض سرطان البروستات، و200 باللوكيميا (سرطان الدم)، فيما يعاني 200 مسجون من سرطان الغدد الليمفاوية، و100 من سرطان البنكرياس.

ووفقاً لتوثيق المرصد المصري (منظمة حقوقية مصرية)، فإن “نصف عدد مرضى السرطان داخل السجون المصرية، اكتشفوا إصابتهم بالمرض خلال فترة احتجازهم، بعد ظهور أعراض المرض عليهم، بينما النصف الآخر جرى حبسه وهو مريض”. وبحسب الإحصائية وتوثيق معد التحقيق بوساطة بيانات معلنة للمنظمات الحقوقية، فإن عدد من توفوا داخل السجون بسبب مرض السرطان خلال الفترة ذاتها، 32 سجيناً، من بين 491 متوفى بسبب الإهمال الطبي داخل السجون المصرية منذ يوليو 2013 حتى يونيو/حزيران الماضي، وفقا لإحصاء صادر عن المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

بعض أهالي السجناء لم يعلموا تفاصيل مرض ذويهم بالسرطان سوى بعد شهور عديدة

وترجع المنظمات الحقوقية وفاة مرضى السرطان إلى عدم تقديم إدارة السجون للعناية الطبية المطلوبة للمرضى، “علاوة على أن لائحة السجون المصرية تعطي الكلمة العليا لمأمور السجن وضباط الداخلية في مسألة علاجهم، بمعنى أن كلمة الطبيب (حتى طبيب السجن) ليست إلزامية (رغم التعديلات الأخيرة التي سمحت للطبيب فقط باتخاذ إجراءات عاجلة في حالة الطوارئ القصوى)، لكن اللائحة ما زالت تخالف الأعراف الدولية، وتعيق إيصال العناية الطبية المطلوبة لمرضى السرطان أو غيرهم”، كما تؤكد منظمة “هيومن رايتس ووتش” في ردها على أسئلة “العربي الجديد” عبر البريد الإلكتروني.

وبحسب المنظمة التي بحثت وضع المعتقلين في سجن العقرب شديد الحراسة (أحد سجون مجمّع طرة)، فإن القواعد النموذجية بحدودها الدنيا لمعاملة السجناء والصادرة عن الأمم المتحدة، تحتم وبشكل قاطع، تقديم أقصى عناية طبية ممكنة لكل السجناء أياً كان مرضهم، وهو ما يُفسر بضرورة تقديم عناية أكبر للمرضى المصابين بأمراض خطيرة كالسرطان.

دفع رشاوى لصرف الدواء

في ديسمبر/كانون الثاني الماضي وثقت منظمة “هيومان رايتس مونيتور” حالة المعتقل المصاب بالسرطان منصور فاروق محمد محمود، ووفقا للمنظمة، فإن إدارة السجن تجاهلت معاناة الخمسيني منصور ورفضت إدخال الأدوية المسكنة له أو عرضه على طبيب، كما تم رفض الإفراج الصحي عنه، بعد أن تقدمت أسرته بعشرة استئنافات تم رفضها على الرغم من إجرائه قبل اعتقاله، جراحة لاستئصال الثدي الأيمن وجزء من

المعدة، واحتياجه إلى جلسات بالأشعة أسبوعياً إلى جانب المسكنات الممنوعة عنه في السجن.

نصف عدد مرضى السرطان داخل السجون المصرية، اكتشفوا إصابتهم بالمرض خلال فترة احتجازهم، بعد ظهور أعراض المرض عليهم، بينما النصف الآخر جرى حبسه وهو مريض

وبحسب مصدر من داخل أسرة المهندس منصور، فإن بعض الأدوية التي نجحوا في تمريرها، تم إدخالها بعد دفع رشاوى نقدية للضباط والعساكر بسجن برج العرب، الأمر الذي وصفته المنظمة الحقوقية بـ”انتهاك جديد لإنسانية وحقوق منصور”.

تطابق معاناة المعتقل السياسي منصور مع ما جرى للسجين الجنائي ياسر إبراهيم (42 عاماً) المحبوس في سجن المستقبل العمومي بالإسماعيلية، على ذمة قضية مشاجرة بالسلاح الأبيض، إذ أصيب إبراهيم بسرطان الدم، خلال فترة احتجازه وبدأت أعراضه مثل تورم جسده، وصعوبة النطق، والنزيف المستمر، تظهر عليه، ولمدة 6 أشهر كاملة، فشل في إقناع إدارة السجن بعرضه على الطبيب، حتى سقط مغشيا عليه، بعد تصاعد آلامه.

في كل مرة كانت إدارة السجن تتذرع بعدم وجود حراسة، أو انتظار أمر الترحيل، أو حتى عدم وجود بنزين أو سيارة لعدم نقل إبراهيم للحصول على جلسة العلاج الكيماوي، وفي سبيل الحصول على الدواء كانت أسرة إبراهيم تدفع رشوة لأمناء شرطة يعملون في السجن، غير أن حالته تظل أفضل من جار له في الزنزانة كان مريضاً بسرطان الرئة، ومُتهماً في إحدى قضايا الإرهاب، وظل عاجزاً عن الحصول علي مسكنات للألم من إدارة السجن، لأكثر من شهر، وفي يوم وفاته ساء وضعه الصحي بشكل كبير، ما اضطر زملاؤه في الزنزانة للطرق على بابها بقوة مدة تزيد على ساعة، حتى استجابة إدارة السجن في النهاية، وتم نقله إلى مشفى السجن حيث توفي في اليوم ذاته، كما يؤكد إبراهيم لـ”العربي الجديد” بعد خروجه من محسبه.

إضراب السجناء المرضى

في مايو/أيار من العام الماضي، أقر المجلس القومي لحقوق الإنسان، (مؤسسة حقوقية حكومية)، بوجود مشاكل في الرعاية الصحية داخل السجون، ووفقاً لما كشف عنه المجلس في تقرير رسمي، فإن بعض السجناء المرضى اضطروا للإضراب عن الطعام بسبب رفض السلطات فحصهم طبيا خارج السجن، ما أدى إلى مضاعفات صحية زادت من وطأة المرض، ويؤكد أطباء ومتخصصون استطلع معد التحقيق آراءهم أن مريض السرطان يندرج تحت بند الحالات الطارئة التي تستوجب تقديم عناية متكاملة للمريض، وبحسب إفادة قدمها لـ”العربي الجديد”، حمدي رؤوف، أستاذ بقسم الأورام بجامعة القاهرة، فإن مريض السرطان بحاجة لمعالجة الأعراض الحسية والجسدية والنفسية أو العضوية لشدة الآلام ومضاعفات المرض، مؤكداً أن أغلب حالات مرضى السرطان في السجون ستنتهي بالوفاة في حال عدم تقديم الرعاية الطبية الشاملة لهم داخل السجن.

ويضيف رؤوف أن مضاعفات تناول جرعات الكيماوي على مريض السرطان تظهر في الغثيان، وضعف في العضلات أو الأعصاب، طفح جلدي، فقدان الشهية ونقص الوزن، وصعوبة في البلع، موضحاً أن هذه المضاعفات تتطلب توفير بيئة طبية نوعية ومرافق للمريض يكون دوره العناية الدقيقة بنوع وكيفية الطعام ومواعيد الدواء، وتقليل أو زيادة تناول المريض لبعض الأدوية حسب زيادة أو نقصان الألم.

وزارة الداخلية: وفاة مرضى السرطان طبيعية

يرفض اللواء حسن السوهاجي، مساعد وزير الداخلية، رئيس قطاع مصلحة السجون، جميع الاتهامات الموجهة للمصلحة من قبل الأهالي أو المنظمات الحقوقية بإهمال علاج مرضى السرطان.

ويؤكد السوهاجي لـ”العربي الجديد”: “أن مرضي السرطان داخل السجون المصرية يلقون معاملة جيدة، ورعاية طبية علي أكمل وجه، وتابع “كافة الاحاديث التي تزعم أن مرضي السرطان يموتون داخل الزنازين أكاذيب وافتراءات واستراتيجية قطاع مصلحة السجون هي رعاية مرضي السرطان وجميع الأمراض المزمنة، وتوفير علاجهم واستكماله، وتقديم رعاية طبية متطورة لكافة النزلاء علي اختلاف انتماءاتهم، مؤكداً أن حالات الوفاة داخل السجون ليس لها صلة بالإهمال الطبي، أو تقاعس عن توفير العلاج، وأنها تكون حالات وفاة طبيعية”.

مقاضاة الحكومة

هل يحق لمرضى السرطان مقاضاة الحكومة علي خلفية تردي أوضاعهم الصحية داخل السجون؟ بحسب “هيومان رايتس ووتش” فإنه: “يحق للأهالي مقاضاة الحكومة، لكن تقرير المنظمة عن سجن العقرب الصادر في سبتمبر/أيلول الماضي، وثق عدم قيام النيابة العامة بدورها المفترض في الإشراف على السجن، والتأكد من حصول السجناء على حقوقهم، ناهيك عن أنها لم تقم بأي تحقيق جدي في كافة حالات الوفاة وفي بعض الحالات تعرض الأهالي للتهديد والابتزاز، إذا حاولوا اتهام الداخلية بالتعنت في علاج ذويهم المتوفين”.

وأكدت المنظمة في ردها على أسئلة “ألعربي الجديد” أن بعض أهالي السجناء لم يعلموا تفاصيل مرض ذويهم بالسرطان سوى بعد شهور عديدة رغم أن إدارة السجون كانت على علم بذلك، بسبب تعنت إدارة السجون في حصول الأهالي على الوثائق والتحاليل الطبية الخاصة بالمرضى، وصعوبة مقابلة أطباء مشفى السجن أو الحديث معهم، بالإضافة إلى منع النزلاء من لقاء الأهل والمحامين طوال أسابيع أو شهور وهو ما تكرر خلال عام 2015″.

ويرى جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، أن “سجن العقرب هو المحطة الأخيرة للمعتقلين في مسار القمع الحكومي، إذ يضمن إسكات الخصوم السياسيين وقتل آمالهم. ويبدو أن الغرض منه أن يبقى مكانا تلقي فيه الحكومة منتقديها ثم تنساهم”.

وتابع ستورك في تصريحات صحافية: “نظام السجون المصري يفيض بالمعارضين. إنهاء الانتهاكات وراء جدران سجن العقرب هو خطوة صغيرة نحو تحسين الأوضاع المزرية للسجون في شتى أنحاء البلاد”.

العربي الجديد

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *