زواج سوداناس

أين ذهب السُكّان الأصليون لليابان؟


صورة لراقصة في مهرجان الساموراي المحارب - كيوتو - اليابان

شارك الموضوع :

لا شكّ في كونه أمرٌ غريب، أنّه بعد قرون تقرر السُلطات اليابانية أخيرًا، الاعتراف بأنّ شعب اليابان الحالي، ليسوا يابانيين في الحقيقة، وأنّ هُناك شعب آخر له لغته الخاصة، ثقافته الخاصة، وديانته الخاصة، والتي تختلف – كلها – عن تلك السائدة الآن بين الشعب الياباني!

الاعتراف الياباني الرسمي، جاء مُقتضبًا، مع مُحاولة للتكتم عليه، أو على الأقل سُرعة تجاوزه. ما حدث تحديدًا، أنّه في عام 2008، وفي خطوة اعتبرت مُفاجئة، اعترفت الحكومة اليابانية بأنّ السُكّان الأصليين لأرض اليابان، هُم شعب “الآينو”، كما أنّ البرلمان الياباني ألحق الاعتراف بتمرير قانون اعترف بدوره أنّ الآينو لهم لغتهم الخاصة ودينهم الخاص وثقافتهم الخاصة. ورغم ذلك، لم يأتِ اعتراف الحكومة أو قانون البرلمان، بأي اعتذار للآينو عن قرون من الاضطهاد والتهميش، وعدم الاعتراف بهم كجماعة سُكّانية تمتاز بخصائصها الثقافية والعرقية المُختلفة عن باقي سُكان اليابان ذوي الأصل العرقي الواحد غالبًا.
من هؤلاء وما هي قضيتهم؟

وفقًا للصحافي الياباني-الكندي الحائز على جائزة بوليتزر، نوريميتسو أونيشي، فإنّ ما روّج له اليابانيون على مرّ قرون طويلة من الزّمن، وما كرّس له المُحافظون حديثًا، من أنّ اليابان أُمّة مُتجانسة عرقيًا وثقافيًا؛ هو ادعاء قُضِيَ عليه باعتراف الحكومة اليابانية بشعب الآينو.

القصة تعود إلى آلاف السنين، حيث تنقلات الإنسان الأوّل بين المساحات الأرضية المنتشرة على الكوكب، في رحلة مُستمرة نحو استقرار مُثمر. وفقًا للأبحاث والدراسات الحفرية والجينية، فإنّ سُكان اليابان الآن، الذين يُمثلون الأغلبية الساحقة، ليسوا هُم السكان الأصليين لهذه الجزر، وإنما نزحوا إليها من أعالي الصين، في أوقات مُتأخرة على وجود شعب سكن هذه الأرض، واستقر فيها وكوّن الحضارة الأولى بها. هذا الشعب هو الآينو.

في الحقبة الزمنية التي عُرفت في اليابان باسم عصر الجومون، المُتزامن مع نهاية العصر الحجري القديم وبداية العصر الحجري الوسيط، بدءًا من نحو 8 آلاف عام قبل الميلاد. تكشف الدراسات عن أنّه خلال تلك الفترة، انقسمت المجموعة البشرية المُنحدرة من مناطق منغوليا إلى عِرقيتين، الأولى جومون جين التي ينحدر منها مُباشرة الآينو، وهؤلاء أوّل من نزحوا إلى جُزر اليابان واستقروا فيها، قبل أن ترد عليهم العِرقيّة الثانية التي كانت تسكن مناطق أبعد في شمال منغوليا، وكان ذلك من أسباب تأخر نزوحها إلى جُزر اليابان، وكذا من أسباب خلق صراع استمر على مدار زمن كاد ألا ينتهي. هذه العرقية الثانية هي التي ينحدر منها شعب ياماتو الذي يُمثّل الآن سُكان اليابان بنسبة هي الأغلب بلا شك.
تمثال خزفي يرجع لنهايات عصر الجومون، الذي اشتهر عمومًا بصناعة الخزف

عندما حضر شعب الياماتو، وكانوا أكثر عددًا، انحسر وجود الأينو في شمال اليابان، أو ما يُعرف الآن بجزيرة هوكايدو، وهي واحدة من أربعة جزر رئيسية تُشكل اليابان. ومنذ تلك الفترة والياماتو أو اليابانيون يعتبرون أنفسهم مُلاك الأرض الأصليين، والعُنصر الأوّلي للحضارة اليابانية. لم يعترفوا بالأينو كجزء مؤسس من نسيج الأمّة اليابانية، وفي فترات لاحقة لم يعترفوا بحقّهم في الوجود حتى في الأرض التي تراجعوا إليها، وانحسر وجودهم فيها.
الطموح «الإمبريالي» للإمبراطورية اليابانية

مثلما حدث مع توسع أمريكا غربًا، تحرّك اليابانيون (شعب الياماتو) باتجاه الشمال في أولى المُؤشرات على أطماعهم الإمبريالية -نوريميتسو أونيشي

لدى اليابانيين حكايتهم التاريخية الخاصة بنشأة أُمّتهم. لكنها لا تضرب في جذور التاريخ، وإلا فستضطر للاصطدام بشعب الآينو كسكان أوائل لهذه الأرض! إنما تكتفي بالبدء من القرن السابع قبل الميلاد، حيث الإمبراطور جينمو، أول الأباطرة البشر لليابان، وفقًا للميثولوجيا اليابانية التقليدية. والحقيقة أنّ الدراسات التاريخية تعتبر جينمو مُجرّد أسطورة، إذ لا يوجد من الوثائق أو الحفريات ما يؤكد وجوده الفعلي. وعلى كُل حال فإن هذا الوجود مُتأخر على وجود شعب الآينو بآلاف السنين!

بالإضافة إلى ذلك، فإن التاريخ المُدوّن لليابان بدأ مع القرن الخامس بعد الميلاد. كل ما هو قبل ذلك نعرفه لأنّهم أرخوا له لاحقًا، أو بالدراسات التاريخية الحفرية. وقد حددت تلك الدراسات عام 300 قبل الميلاد، باعتباره بداية عصر حدث بينه وبين سابقيه انقطاعٌ ثقافي تام. فالعادة أن العصور المُتوالية تُحدث تطورًا مُتصلًا ببعضه، إلا أنّ عصر يايوئي (بدايةً من 300 قبل الميلاد) أحدث قطيعة ثقافية تامة بين سابقه عصر جومون الأخير الذي هو بدوره امتداد مُتطور لمراحل مختلفة من عصر جومون.
صورة مُتخيلة للإمبراطور جينمو

وقد تمثلت القطيعة في النقلة “النوعية” التي واكبت هذا العصر في المجتمع الياباني، من حيث إدخال تقنيات صناعية وزراعية حديثة ومتطورة بالنسبة لوقتها، ساهمت في خلق طفرة في الحضارة اليابانية المُتشكلة. تلك التقنيات التي أُدخلت من خارج اليابان نفسها، ويُعتقد أنها قادمة من الصين، جعلت من شعب الآينو أو أحفاد عصر الجومون شعبًا بدائيًا في الذاكرة التاريخية اليابانية.

بدايةً من القرن الثالث عشر بدأ الاتصال بين شعب الآينو واليابانيين، وبدأت انتقالات يابانية من جزر الجنوب إلى الشمال حيث جزيرة هوكايدو التي يقطنها الآينو. بحسب المصادر التاريخية، كان الاتصال أشبه بعمليات استيطانية يابانية في أرض الآينو المُنعزلين بطبيعة الحال بما يتوافق مع ديانتهم القائمة على تقديس الطبيعة والتواصل معها.

في الفترة ما بين 1338 و1573 أو ما عُرف بفترة موروماتشي، تطورت العلاقات بين اليابانيين (شعب الياماتو) والآينو إلى شكلٍ أكثر عُنفًا وحدّة. وبالجملة، كان العُنف سمة غالبة في تلك الفترة التاريخية، التي شهدت كثيرًا من الحروب والاضطرابات داخل اليابان. بدأت الإمبراطورية اليابانية في توسيع نفوذها بالسلاح في مناطق الآينو، وقتلت من زعمائهم، وسلبت من أراضيهم، الأمر الذي دفع بخروج ثورة كوشامين عام 1456. ثُم تكررت ثورات الآينو، التي كان من أهمّها ثورة شاكوشين والتي استمرت ما بين عامي 1669 و1672. هذه الأخيرة، اتسمت بالعنف الشديد، وكانت إرهاصاتها المُباشرة قائمة على استغلال اليابانيين للآينو في مزارعهم وأعمالهم التُجارية، فضلًا عن انتشار الأمراض والأوبئة القادمة من الجنوب إلى الشمال.
تمثال لشاكوشين زعيم الآينو الذي قاد ثورة 1669-1672

منذ تلك الفترة وحتى الآن، أخذت أعداد الآينو في الانخفاض بصورة مُستمرة جراء عديدٍ من العوامل القائمة على الاضطهاد والتهميش غالبًا، والاستغلال أحيانًا كثيرة. ووفقًا لبعض التقديرات، فإن الأعوام ما بين 1807 و1931 شهدت انخفاضًا في أعداد الآينو وصلت إلى أكثر من 40%، إذ قُدّر عددهم عام 1807 بنحو 26 ألفًا و300 نسمة، فيما قُدرت الأعداد عام 1931 بنحو 16 ألفًا!

لكن في الأعوام اللاحقة، تحديدًا منذ النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت الأعداد في التزايد مرّة أخرى. فبحسب التقديرات الحكومية، وصلت أعداد الآينو عام 1984 إلى نحو 24 ألف نسمة. خلال تلك الفترة أيضًا استطاع الآينو تنظيم أنفسهم في جماعات ضغط سلمية، ساهمت في الحفاظ على هوية هذا الشعب وتخليد ثقافته عبر مجموعة من المتاحف والمعارض. وعبر محافل ومُؤتمرات طالبت بإنهاء سياسات التهميش وعدم الاعتراف، التي – مثلًا – أجبرتهم على تغيير أسمائهم إلى أُخرى يابانية، وكذا التنكر من عاداتهم وتقاليدهم، فعلى هذا نصّ القانون الياباني منذ منتصف القرن التاسع عشر. حتى جاءت أخيرًا قرارات عام 2008، التي اعترفت بالآينو كسكان أصليين لليابان، لهم لغتهم وثقافتهم وديانتهم الخاصة.
الآينو كعرقية أخرى وثقافة مُختلفة

يظهر الاختلاف العرقي بين الآينو وباقي اليابانيين (الياماتو) في بيتهم الجسدية، فالآينو أكبر حجمًا على عكس الياماتو، كما أنّ بشرتهم مائلة للسمار وشعورهم أكثف وأجعد – أيضًا – على عكس الياماتو.

يُقدس الآينو الطبيعة، وتتمحور حياتهم بعاداتها وتقاليدها حول ذلك. على سبيل المثال امتهن الآينو لأزمنة طويل مهنة الصيد، فالأسماك والأعشاب هي طعام الآينو الرئيسي. أيضًا يُقدّس الآينو الدببة، ويعتبرونها وسيطًا بينها وبين آلهة الطبيعة، لذا فإن من جملة عاداتهم، الاحتفال بتقديم الدب كقربان إلى آلهتهم. هذا وتذهب بعض الدراسات في ميثولوجيا الآينو إلى أنّ هذا الشعب اتجه نحو تقديس الإنسان، وبالتالي الحياة البشرية التي اعتبروها انعكاسًا للآلهة. الآينو مثلًا تعني أرض البشر، والبعض يقول إنّها تعني الإنسان، وفي كلتا الحالتين لم يُستخدم أي تعبير عن الآلهة إلى أرضهم أو أنفسهم، كما جرت أغلب العادات بين الشعوب القديمة.

بالنسبة للغة، فالآينو الآن أقرب إلى الانقراض؛ والسبب في ذلك الظروف التي مرّ بها الشعب، واضطراره الاندماج في ثقافة مختلفة بصورة تنفي ثقافته، بالإضافة إلى أنّها لا تُعتبر لُغة مكتوبة في الأصل، وإن كان أهلها قد اخترعوا لها في القرن العشرين، لغةً مكتوبة بالحروف اليابانية. أكثر التقديرات تفاؤلًا تُشير إلى أنّ متحدثي لغة الآينو قد يصلون إلى 200 شخص. لكنّ تقديرات أخرى تقول 100 مئة، والأكثر تشاؤمًا تلك التي تقول إن المتحدثين لا يتجاوزون 15 شخصًا!

ساسة بوست

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *