زواج سوداناس

من بكين إلى «كوبرتينو».. حرب الإنترنت العالمية


الرئيس الصيني للبشير: سياسة بكين تجاه السودان لن تتغير

شارك الموضوع :

مرّ شهر يونيو (حزيران) من عام 2014 بخير على فريق الأمن الإلكتروني لعملاق الخدمات المصرفية «جي بي مورجان»، البنك الأكبر في الولايات المتحدة، وسادس أكبر بنك عالمي من حيث حجم الأصول، برقم يقترب من 2.5 تريليون دولار، والسادس أيضًا في ترتيب أضخم الشركات العالمية العامة عمومًا. وكيان كهذا لا بد له من فريق أمن إنترنتي رفيع المستوى يخدمه في حرب جديدة من نوعها وهى حرب الإنترنت . وبينما تسير الأمور بروتينية منذ بداية العام، إلا أن الشهر القادم سيحمل مفاجأة ستهز المجتمع الأمريكي بأكمله.
بعد شهر واحد، وفي أواخر يوليو (تموز) من العام نفسه، اكتشف الفريق الأمني أحد أكبر خروقات البيانات في التاريخ، كان هجومًا منظمًا بدقة مبهرة، أدت إلى اختراق جزء من بيانات أكثر من 83 مليون حساب مصرفي، 76 مليون أسرة، أيْ أنه تقريبًا، من كل ثلاث أسر أمريكية، فإن أسرتين تعرضا لسرقة جزء من بياناتهم، وما يقارب السبعة ملايين شركة صغيرة. المدهش أكثر أن المخترقين لم يكتفوا بضرب الجدران النارية لشركة جي بي مورجان فقط، وإنما كان الهجوم على تسع مؤسسات مالية أخرى بالتوازي، استمر الهجوم حتى منتصف أغسطس (آب)، ثم كُشف الأمر للعالم بعد ذلك بشهرين تقريبًا، في 24 من سبتمبر (أيلول).

طمأن مسؤولو العملاق المصرفي، الشعبَ الأمريكي، أن المخترقين لم ينجحوا في الحصول على كلمات سر الحسابات، أو أرقام الضمان الاجتماعي، وهي البيانات الأكثر حساسية بطبيعة الحال، لكن البنك اعترف بنجاحهم في الحصول على الأسماء والعناوين البريدية، وعناوين البريد الإلكتروني وأرقام هواتف الملايين؛ مما أدى إلى الظنّ بأن هذه البيانات ستستخدم قريبًا في حملة صيد واسعة لمعلومات المستخدمين المالية، أي كلمات السر وأرقام الحسابات، وهي الهجمات الإلكترونية التي تعرف بمصطلح «Phishing Attacks».

كانت الأصابع كلها على غير العادة تتجه لروسيا، وفي المعتاد فإن الصين هي المشتبه به الأول دائمًا، وصاحبة أعلى معدل هجمات إلكترونية على الولايات المتحدة رسميًّا أو غير رسمي، لكن أمريكا شهدت تغيرًا استثنائيًّا، ووجهت أصابع الاشتباه لموسكو. بعد ذلك بأقل من شهر، وتحديدًا في الخميس، 16 أكتوبر (تشرين الأول)، وقف رجل الاستخبارات الأول في الولايات المتحدة، وصاحب أرفع منصب أمني عالمي، «جيمس كلابر»، مدير الاستخبارات الوطنية، أمام منتدى استخبارات جامعة تكساس، أحد أهم لقاءات المعلوماتية في أمريكا، ليخبر الجميع أنه «أكثر قلقًا بشأن روسيا»، ويرى أن أخطار الاختراق والتجسس الإلكتروني الروسية أكبر من نظيرتها الصينية على عكس الشائع.

شهد العام الماضي تحركاتٍ صينية روسية غير مسبوقة، أو كما وصفها بعض المحللين الأمريكيين «غير مسبوقة، وبطيئة، وواثقة»، فبعد التحرك الصيني الواضح منذ فترة لإعادة كتابة بروتوكولات الإنترنت العالمية، وسحب البساط من شركات التكنولوجيا الأمريكية التي تمارس الهيمنة العالمية على الشبكة، فإن شهر مايو (أيار) حمل للعالم خبر اتفاق صيني روسي للأمن السيبراني، ينص في أساسه على عدم قيام الدولتين بهجمات إلكترونية ضد بعضهما البعض، وكذلك إنشاء شبكة تعاون أمني تواجه التكنولوجيا التي قد تتسبب في زعزعة الاستقرار السياسي، والإخلال بالنظام العام للدولة، والتدخل في الشئون الداخلية لها، والأهم أن الاتفاق شمل بروتوكولًا للتعاون الأمني بين الدولتين رسميًّا وموسعًا، بنفس النمط التقريبي للتعاون الأمني المعلوماتي بين الولايات المتحدة وحليفتها الوثقى إسرائيل.

يبدو العالم مشغولًا بالحروب العسكرية المباشرة، والمشهد الآسر في الشرق الأوسط المشتعل، وبدرجة أقل في مناطق أخرى تتمتع بثقل جيوسياسي، وما بين كل ذلك يرسم البعض صورة لإرهاصات حرب عالمية قادمة، والحقيقية أنه هناك بوادر حرب عالمية أخرى تبدو أكثر أهمية وشراسة، وستؤثر بالتأكيد في مخرجات الصراع العسكري المباشر.
الإنترنت العالمي البديل في حرب الإنترنت

قبل أن نخوض في الطموح الصيني الضخم لتفكيك الهيمنة الأمريكية على الإنترنت العالمي، لا بد من العبور أولًا على نقطتي مرور بالغتي الأهمية، أولاهما موقع وي بو (Weibo)، وثانيهما قيصر الإنترنت في جمهورية الصين الشعبية، وذراع الرئيس الصيني اليمنى للشؤون السيبرانية «لو وي».

منذ عدة سنوات تحاول الصين افتكاك نفسها من الهيمنة العالمية الأمريكية على شبكة الإنترنت، والولايات المتحدة تمارس هذه الهيمنة بوسيلتين، الأولى هي منظمة آيكان (ICANN)، وهي الهيئة المسؤولة عن توزيع النطاقات والعناوين الرئيسية في شبكة الإنترنت، وإدارة الخوادم المركزية. الهيئة الدولية التي تقع في كاليفورنيا، والتي تحاجج الولايات المتحدة رسميًّا بأنها «غير ربحية ومستقلة»، وهي عبارة ستبدو أكثر قابلية للتصديق في عالم مثالي. والثانية عن طريق شركات التكنولوجيا التي تحتكر تقريبًا شبكة الإنترنت بالكامل مثل جوجل وفيس بوك وتويتر وأمازون، وعمالقة العوالم الإنترنتية عمومًا، الأمريكيين في أغلبهم.

قبل عدة أعوام، كانت الصين تواجه مشكلةً تتعلق بانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت هذه المواقع وعلى رأسها فيس بوك وتويتر، تنتشر بتسارع يبدو فيما بعد منبعًا لخطر انفلات الرقابة الصينية الناشئة على الإنترنت الداخلي، لذلك وفي 14 من أغسطس (آب) 2009، أطلقت مجموعة سينا الصينية الإعلامية، موقعًا يدعى وي بو. حمل الموقع صفات أشبه بالهجين ما بين فيس بوك وتويتر. وفور إطلاقه حظي بإقبال صيني هائل، أدى إلى أن نسبة 30% من مستخدمي الإنترنت في العالم بأكمله، يستخدمون الموقع. وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2012، كان عدد المسجلين في الموقع يتعدى النصف مليار شخص، ثم زاد العدد في العام التالي إلى 600 مليون. في العام الماضي وحسب آخر إحصائية، وصل عدد المستخدمين النشطين في الموقع إلى 222 مليون شخص، وهو حجم سوقي يوازي تويتر تقريبًا.

قبل الانتقال إلى النقطة الثانية، السيد لو وي، سنمر سريعًا على شكل وحجم شبكة الإنترنت الصينية، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ومنذ أقل من عشرين عامًا، كان الهاتف المحمول في الصين رفاهيةً لا يقدر عليها إلا الأغنياء، وكانت الصين معزولةً بشدة، إن أرادت أن تشترى شيئًا، أي شيء، فكل ما سيقال لك على الأغلب «لا يوجد»، كما قال جيريمي جولدكورن، صحافي الشؤون الصينية، في تدوينته الطويلة على موقع قصة الصين. لكن الآن وفي 2016، يمكن لأي صيني أن يشتري أي شيء، من طعام الحيوانات الأليفة إلى مواد كيميائية يمكن استخدامها في صناعة القنابل، بفضل شبكة الإنترنت الداخلية التجارية الصينية التي تضخمت تضخمًا مدهشًا.

لدى الصين حاليًا أكثر من 650 مليون مستخدم إنترنت، وهو أكبر عدد من مستخدمي الشبكة في العالم، منهم نصف مليار يستخدمون الشبكة عبر هواتفهم المحمولة، ولأن عددًا كهذا كفيل بتحويل أي كيان إلى تنين تجاري، فإن الشركات الصينية الإنترنتية تحولت في غضون سنوات قليلة إلى عمالقة عالميين.

تهمين ثلاث شركات عملاقة على سوق الإنترنت الصيني، أولاها هي مجموعة علي بابا الشهيرة لمالكها الملياردير «جاك ما»، أغنى رجل صيني. وتسيطر المجموعة على خدمات إلكترونية كثيرة، لدرجة أن نجاحها همّش تمامًا عملاق خدمات الدفع الإلكتروني الدولي باي بال، لصالح فرع علي بابا «علي باي»، لذلك تبدو باي بال شركة صغيرة محدودة في الصين، كذلك فإن المكافئ لأمازون هو «Tmall.com»، والمكافئ الصيني لـ«eBay» هو موقع «Taobao.com»، هؤلاء الثلاثة، هم أساس شبكة الإنترنت التجارية الصينية. وبنظرة سريعة إلى بورصة نيويورك، وإلى الاستثمارات الأجنبية المليارية التي تختار الشركات الصينية على مثيلتها الأمريكية أو غيرها، سنعرف حجم هذه الكيانات تحديدًا.

الآن نعود إلى السيد لو وي. في عام 2010 مررت الحكومة الصينية تقريرًا احتوى لأول مرة على مصطلح «cyber sovereignty» أو «السيادة السيبرانية». المصطلح بالغ الأهمية، وهو الذي شكّل التعامل الحكومي الصيني مع الإنترنت فيما بعد، كما قال جيريمي. بعد ذلك شهدت الصين صعود الرئيس الحالي ورجل الصين القوي شي جين بينغ، والذي بدأ في نقل المصطلح إلى أرض الواقع.
حرب الإنترنت

رسخ المصطلح، الذي يعني وجوب السيطرة الحكومية الكاملة على الإنترنت، للصين بالبدء في خطوات رقابية أكثر بمعارضة أقل، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2013، تم وضع حجر الأساس لـ«مجموعة القيادة المركزية لأمن المعلوماتية والإنترنت». اسم طويل ورسمي لإدارة فضاء السايبر (CAC)، وهي الهيئة العليا للإنترنت في الصين. في فبراير (شباط) من عام 2014 عقدت المجموعة أول اجتماع رسمي لها. وتعمل المجموعة تحت إشراف مباشر من الرئيس الصيني كقائد عام، ونائبين هما رئيس الوزراء وسكرتير الحزب الشيوعي الأول. ويقود المكتب العام للمجموعة، أو ما يمكننا أن نطلق عليه المدير التنفيذي لها، «لو وي»، نائب عمدة بكين السابق، ورئيس قسم دعاية الحزب الشيوعي في العاصمة، وأحد أبرز السياسيين الصينيين.

يمكننا اعتبار هذه الإدارة بمثابة «أمن دولة» خاص بالإنترنت. المجموعة تعمل منذ قرابة العامين على إحكام السيطرة على المحتوى الشبكي، بحيث لا تمتلك عمالقة التكنولوجيا الأمريكية تحديدًا إلا أقل تأثير ممكن على المناخ السياسي والاجتماعي الصيني، ولذلك تعرف الصين عالميًّا من ضمن دول قليلة جدًّا أخرى بحجب فيس بوك وتويتر وغيرهما، بحجة الحفاظ على الاستقرار الداخلي. ويمكن رؤية تأثير رقابة المجموعة الأوضح في سيطرتها على موقع «وي بو». مثلًا ومنذ يومين فقط، فإن الحكومة فرضت قوانين جديدة تنص على حصول الشركات ووسائل الإعلام الأجنبية، على موافقات حكومية مسبقة للنشر على الشبكة الصينية، وبالأخص على وي بو، ما يعنيه هذا من تحكم أكبر في حركة النشر الإلكتروني.
ما بين بكين وكوبرتينو

كوبرتينو: مكان المقر الرئيسي لأبل، الشركة الأكبر عالميًّا من حيث القيمة السوقية، بـ 741 مليار دولار. تقع في كاليفورنيا، بالولايات المتحدة الأمريكية.

فيما بعد يونيو (حزيران) من عام 2013، وعلى إثر تسريبات إدوارد سنودن التي هزت العالم، وبعد أن اطلعت جميع الدول على مشروع وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) وبرنامجها السري الأول «PRISM»، الذي أتاح لها شبكة مراقبة عالمية غير مسبوقة على الحكومات والأفراد، كان ذلك بمثابة كنز للنظام الصيني، حصل بموجبه على صلاحيات غير مسبوقة تحت دعاوى الحفاظ على الأمن القومي. وكان العائق الأول والأهم أمامها هو منتجات شركة أبل، التي تحتوي على نظام أمان إلكتروني شديد الصلابة، لا يحتوى إلا على عددٍ نادرٍ من الثغرات، وتسوقه أبل على أنه الاختيار العالمي الأول لأي مستخدم للحفاظ على خصوصيته، وهي دعاية صحيحة بالفعل.

في عام 2013، عانت أبل من ضغط إعلامي صيني كبير، وكان السبب الرئيسي لذلك شهادة ضمان أبل في الصين، والتي انتقدتها وسائل الإعلام الصينية لكونها تنص على إصلاح عيوب الصناعة في أجهزة الشركة، وهو ما وصفته تلك الوسائل بالتمييز بين الصين وبلدان أخرى تقوم فيها أبل بتغيير الجهاز ذي العيوب بوحدة جديدة مباشرة. ردت أبل حينها بتصريح رسمي، قائلة إن شهادة الضمان في الصين كمثيلتها في الولايات المتحدة، ما أدى بالصين لوصف رد أبل الرسمي بـ«الفارغ والنرجسي». ولأن السوق الصيني لا يصلح للعبث، وأبل ليست على استعداد لخسارته بأي شكل، وبعد توالي الهجوم الإعلامي الصيني، أصدر تيم كوك المدير التنفيذي لعملاق التكنولوجيا الأمريكي، ورجلها الأول، اعتذارًا رسميًّا من الشركة، مع تغييرات على وثيقة الضمان لـ «خدمة المستخدم الصيني بشكل أفضل»، كما جاء في البيان.

إذًا الجولة الأهم في تاريخ العلاقات الصينية التجارية مع أبل ربحتها الصين، لكن الأمر لم يتوقف، فبعد ذلك بعام، وفي يوليو (تموز) من 2014، شن التلفاز الرسمي الصيني هجومًا جديدًا على أبل واصفًا خاصية «المواقع المألوفة» أو «Frequent Locations» بـ «التهديد للأمن القومي». ولفهم أكبر، فإن الخاصية تعمل على تحديد إحداثيات جغرافية دقيقة جدًّا للأماكن التي يتردد عليها المستخدم بكثرة أو بنمط منتظم، وهو ما عدته السلطات الصينية خطرًا ماثلًا يمكن من خلاله تتبع الأماكن الصينية الحساسة وتحديد مواقعها، ولأن الأمر جاء بعد فضيحة سنودن فإن الصين استغلته الاستغلال الأمثل، واصفة البيانات التي تجمعها الخاصية في خوادم أبل بـ«منجم ذهب» للحكومة الأمريكية.

بعد ذلك بشهر واحد، وفي أغسطس (آب)، أعلنت أبل أنها أكملت نقل بيانات عملائها الصينيين على خدمتها الشهيرة للحوسبة السحابية (ICloud)، إلى خوادم حاسوبية في الصين تابعة لشركة اتصالات الصين، فضلًا عن إعلانها أن كافة البيانات ستخزن على الأراضي الصينية، الأمر الذي مثّل مفاجأةً كبيرةً نظرًا لسمعة الشركة وصرامتها في عدم تخزين البيانات في دول لا تتمتع بحقوق حماية المعلومات، والصين على رأس هذه الدول بالطبع، وردت الشركة على هذه المخاوف قائلة إن مفاتيح البيانات المشفرة لن تسلم بالطبع إلى شركة الاتصالات الصينية، فضلًا عن أنهم سيحتفظون بهذه المفاتيح خارج البلاد، لكن ما حدث عزاه البعض للضغط الصيني المعتاد على الشركة، وخاصةً اعتراضهم على خاصية الأماكن المألوفة، ما بدا وكأن إدارة فضاء السايبر (CAC) تمارس مهامها بنجاح تام.

كان عام 2014 حافلًا بين الصين وأبل، فبعد شهرين آخرين من انتهاء مشكلة خاصية «الأماكن المألوفة»، سافر تيم كوك بنفسه إلى الصين، ليلتقي بنائب رئيس الوزراء الرابع «ما كاي»، بعد ما وُصف بأنه سلسلة متتالية من الهجمات الإلكترونية الشرسة على خوادم أبل، التي تحتوي على بيانات الصينيين على «آي كلاود»، وفُسّر اللقاء على أنه محاولةٌ لوقف ما تفعله الحكومة الصينية والوصول لتفاهمات لوقف هذه الهجمات، خصوصًا بعد أن اتهمت مجموعة النشطاء الصينيين «greatfire» الحكومة الصينية بالضلوع في هذه الهجمات، والتي كانت المجموعة أول من كشفها.

فيما قبل إصدار أبل لنظامها التشغيلي الجديد «IOS8»، لم تكن الأمور تسير على ما يرام، بخاصة بعد ما أثبتت تسريبات سنودن، أن أبل لم تكن تحمي خصوصية عملائها كما كان يسوق لها، وأنها كانت مشتركة بالفعل في برنامج بريسم منذ عام 2012، وكانت توافق على تسليم بيانات أي مستخدم ومعلوماته الشخصية، وكل شيء خزنه على خوادمها، ما أن تتلقى إذنًا قضائيًّا بذلك وطلبًا من الحكومة الأمريكية، وهو أيضًا ما استغلته الصين للضغط أكثر على الشركة. لكن فيما بعد النظام الجديد الذي أتاح للمستخدمين مفاتيح تشفير لا تعرفها الشركة نفسها، بدأت الصين بحسب بعض المعلومات أخذ نهج جديد، وهو «الاختراق والهجمات الإلكترونية»، وهو ما عززه بعد ذلك ما قيل عن تورط الحكومة الصينية في علاقات مع المخترق الرئيسي الذي هاجم خوادم أي كلاود.

في نهاية عام 2014، تدخل قيصر الإنترنت الصيني «لو وي» بنفسه، وزار كوبرتينو وأجرى مباحثات ثنائية مع تيم كوك، ليحصل على امتياز جديد للصين. وفي نهاية يناير (كانون الثاني) من عام 2015 وبعد أقل من شهر، عرف الجميع أن تيم وافق على ما طلبه «لو» منه، وهو ما مثّل سابقةً لأبل، من أن تخضع منتجات أبل لفحص أمني من خبراء الحكومة الصينية، وبدا وكأن تيم يحاول وقف نيران عام كامل سلطتها الـ«CAC» والنظام الصيني على العملاق الأمريكي.

عالم ما بعد سان برناردينو

بعد هجوم سان برناردينو في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، الأربعاء، الثاني من ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، والذي أسفر عن مقتل 14 أمريكيًّا، وإصابة أكثر من 20 آخرين، عثرت المباحث الفيدرالية الأمريكية على هاتف أحد منفذي الهجوم، وهو IPhone 5c. لم تستطع المباحث الفيدرالية فك شفرة الهاتف للحصول على ما بداخله من بيانات، فحصلت على أمرٍ قضائي يجبر أبل على فتح الهاتف، الأمر الذي رفضته الشركة وأطلقت معركتها الإعلامية والقانونية ضد أجهزة الأمن الأمريكية.

ما يهمنا هنا هو أن أبل اعتبرت ما تطلبه المباحث الفيدرالية مسوغًا لطلب كهذا فيما بعد من الحكومة الصينية، وإن رضخت أبل لطلب الأجهزة الأمنية الأمريكية بإنشاء باب خلفي، وفتح الباب على مصراعيه أمام بيانات مستخدميها، فإن النظام الروسي أو الصيني وغيرهما لن يتوانوا عن التقدم بنفس المطالب، ما يعنيه هذا من أن بيانات الأمريكيين ستصبح متاحة في سوق عرض وطلب أمام الصينيين.

لا يقتصر الطموح الصيني على تقزيم الهيمنة الأمريكية الإنترنتية، وإخضاع عمالقة التكنولوجيا لنظامها السياسي، وهو ما تبدو ناجحةً فيه بدرجة كبيرة حتى الآن، وإنما تحاول أيضًا، ببطء وإصرار، إنشاء بديلها الخاص العالمي لما يقدمه وادي السيليكون الأمريكي، وربما لا تلاقي هذه المحاولات النجاح الباهر الذي ينقلها إلى خانة التهديد التكنولوجي للولايات المتحدة وبمثابة الدخول في حرب الإنترنت معه، لكنها محاولات تستحق إلقاء نظرة بالتأكيد.
حرب الإنترنت

يسعى الثلاثي الإنترنتي الصيني الذي ذكرناه أعلاه، والذي يهيمن على الشبكة في الصين، ويعرف اختصارًا بـ«BAT»، إلى الخروج من السوق الصيني شديد الاتساع والضخامة، والاستثمار في الخارج ومنافسة شركات وادي السيليكون، فمثلًا افتتح عملاق الخدمات الإنترنتية «Baidu» مختبرًا للذكاء الاصطناعي في قلب وادي السيليكون، وعينت «أندرو إنج»، أحد كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي في جوجل سابقًا مديرًا للمختبر. وتمتلك الشركة أيضًا محرك بحث في اليابان تحاول به مغازلة سوق الأعمال الياباني، وإن لم يحقق نجاحًا كبيرًا حتى الآن، فضلًا عما تفعله الشركة من محاولات تطوير محرك بحثها الشعبي الأول في الصين بلغتين جديدتين، وهما العربية والتايلاندية، مع تجربة المحرك بين مجموعات صغيرة من المصريين والتايلانديين تمهيدًا لاقتحام هذه الأسواق الواعدة.

في خلال زيارة الرئيس الصيني لكوريا الجنوبية في يوليو (تموز) من عام 2014، رافقه وفد من 250 رجل أعمال، من بينهم روبن لي مؤسس بايدو، والرئيس التنفيذي لها، والذي قال في كلمة له إن الصين وكوريا الجنوبية هما من أربع دول فقط في العالم تمتلك تقنيات محركات بحث خاصة بها وأصيلة. ثم أشار إلى ما يمكن أن يفعله اتحاد تكنولوجي بين الصين وكوريا، وما يمكن أن يقدمه من تقدم على وادي السيليكون والشركات الأمريكية.

لا يقتصر الأمر على القارة الآسيوية فقط، وإنما في زيارة أخرى للرئيس الصيني في نفس الشهر إلى البرازيل، والتي رافقه روبن فيها أيضًا، قام الرئيس البرازيلي بنفسه بإطلاق محرك بايدو باللغة البرتغالية، فضلًا عن محاولات عديدة لإدخال تطبيق المحادثة الصيني الأشهر web chat، والذي يستخدمه مئات الملايين يوميًّا، إلى أسواق العمل الضخمة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط والهند.

لكن هذا كله لا يمنع الحقيقة التالية: أغلب الشركات الصينية في قطاع الإنترنت، والتي تعمل منفردة في إطار عولمة لا تمارسها الكثير من القطاعات الصينية الأخرى، يستحوذ على نسبة كبيرة من أسهمها شركات ومستثمرون أجانب، ما بدا وكأنه التحدي الذي يحاول النظام الصيني السيطرة عليه، وهو النظام الذي يعطي الأفضلية ومساحة استثمارات واسعة للشركات المملوكة للدولة، إلا في قطاع الإنترنت الذي يبدو كساحة حرب ثنائية مصغرة بين رجال الأعمال الغربيين، وبين النظام الصيني في حرب الإنترنت.

ساسة بوست

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *