زواج سوداناس

مرادم النفايات .. جزر قنابل موقوتة



شارك الموضوع :

يتقافز حنين الفرح فوق أطنان من المشارط والحقن والسرنجات والأكياس الملطخة بالدماء، وبعض بقايا البشر، ويغني بأن اليوم يوم عيده .. فقد استطاع جمع عدد من الكيلو جرامات من الحقن والدربات ليبيعها لتجار البلاستيك، ليتمكن من إعالة نفسه وأسرته، حنين الفتى ذو الخمسة عشر عاماً يقضي وأقرانه نهارهم بأحد مرادم النفايات بولاية الخرطوم، وسواعدهم العارية تنبش في مخلفات المؤسسات الصحية غير المعالجة بحثاً عن الحقن والدربات والإبر وكل ما يمكن بيعه لصالح عمليات إعادة التدوير.. ورغم أن المجلس الأعلى للبيئة، والهيئة الإشرافية التابعة لها، قد فرضت سياجاً محكماً حول مردم (أبو وليدات) إلا إن (آخر لحظة) تمكنت من اختراقه ونقل مشاهد حية من داخله .

شبكات أخطبوطية
ويبدو أن ارتفاع أسعار المخلفات الطبية البلاستيكية إلى (13) ألف جنيه للطن من الحقن، ومبلغ (6) آلاف جنيه لأنابيب المحاليل الوريدية (الدربات)، أعمى بصيرة مجموعة الشباب التي تحذو حذو حنين، والذين لا تتجاوز أعمارهم الخمسة وعشرين عاماً فقط، فقد دفع الجشع أيضاً بموظفين وعمال كوادر طبية وسيطة في المستشفيات بمنافسة حنين وأصدقائه في تجارتهم، وقد لا تصل الأخير ومجموعته بضاعة جيدة، فقد تم حجزها من المنبع، ورغم فصل وزارة الصحة لعدد من زملائهم لممارستهم ذات النشاط، إلا أن الأرباح الهائلة تجعلهم يخاطرون بالفصل من الخدمة، فهي تجارة تديرها شبكات أخطبوطية مكنت نفسها جيداً، وأمنت وضعها .

تجارة الموت
جلهم لا يزعجهم جرح مشرط ولا طعنة إبرة ولا دمائهم التي سالت وهم يطأون بأقدامهم الحافية على مخلفات مرضى وجدوا فيها تجارة رائجة لا تعرف الخسارة، في وقت يتراوح فيه الحجم اليومي للنفايات الطبية بين (14-15) طن يومياً، وفقاً لتقارير صادرة من الجهات الرسمية .. ورغم أن بعضهم يدرك أنها تجارة الموت، إلا أنه لا يكترث فظروف حياتهم أقسى من الآم المرض.. وينصب جل همهم في الحصول على أكبر كمية مما يسمونه كنز، وما هي إلا مخلفات طبية قاتلة ضلت طريقها من المحارق، فالقتها آليات الهيئة الإشرافيه لنظافة ولاية الخرطوم في العراء بمردم أبو وليدات شمال غرب أمدرمان، تمهيداً لطمرها بعد عدة أيام من إلقائها، بواقع معدل فرز يومي كالآتي: نسبة فرز المستشفيات الحكومية 63%، المستشفيات الخاصة 95%، المراكز الصحية 30%.

الأكثر خطورة منها
وبينما تتبعثر بالمردم الأكياس ذات الألوان الحمراء التي تجمع فيها النفايات الطبية المصنفة بالأشد خطورة، والصفراء تجمع فيها نفايات أقل خطورة والسوداء وبسطت قطع قماش تلطخها الدماء من إثر العمليات الجراحية على أرض المردم، وتتقافز من فوقها ومن تحتها كل أنواع الحشرات والهوام. تطل برأسها ـنابيب بلاستيكية تتخثر الدماء بداخلها وتفوح روائح كريهة منها .

وفيما يضع هؤلاء الشباب جوالات كبيرة من البلاستيك في المنطقة التي إختارها ليحمل فيه نصيبه من الكنز، فهناك مجموعة اخرى عيونها تترقب بشغف الآليات القادمة من وسط البلد، ومجموعة ثالثة من أعلى التل الترابي تراقب الوضع خوفاً من مداهمة السلطات .. في تقديرهم أن هذا الكنز يستحق جهدهم، إلا أن كنزهم عبارة عن قنبلة موقوتة مصيرها أن تنفجر وتتطاير أجسادهم بعدها بحثاً عمن يعالجها من أمراض فتاكة ألمت بهم إلتقطوها وهم يمنون أنفسهم بحياة كريمة.
وتشير الصحيفة إلى أنها فشلت في التواصل مع المسؤول عن ملف النفايات الطبية بالهيئة الإشرافية التابعة للمجلس الأعلى للبيئة أحمد النور الذي ظل هاتفه مغلقاً لأيام عديدة .

السرنجات ولعب الأطفال
إرتفع سعر طن سيور الدرب إلى (6) آلاف جنيه بسبب ازياد الطلب عليها، فبعد إعادة تدويرها تدخل في صناعة سيور البلاستيك التي تصنع منها حصيرة (المصالي) للصلاة، وقبل إعادة التدوير تدخل في صناعة الأحذية وعلاقات المفاتيح البلاستيكية، أما طن الحقن فوصل سعره إلى (13) ألف جنيه ليدخل في صناعة كراسي وجرادل البلاستيك، أما الخطورة فتكمن في إعادة تدوير سرنجات الحقن (الإبر) التي تدخل في صناعة ألعاب الأطفال، مع الإشارة إلى أن بيعها يتم مباشرة من مردم النفايات دون معالجة، في وقت تتزايد فيه حالات الإصابة بأمراض نقص المناعة وإنتشار الكثير من الأمراض خاصة الاسهالات المائية خلال الأيام الماضية، كانت نتيجة تلوث بيئي فقدت الدولة السيطرة عليه .

ماهي النفايات الطبية
وتعرف منظمة الصحة العالمية المخلفات الطبية بأنها تلك المخلفات الناتجة من عمليات جراحية لعلاج المرضى وإجراء التحاليل الطبية داخل أقسام المرافق الصحية ومراكز البحوث ومخلفات الأعضاء وسوائل الجسم .. وقسمت هذه المخلفات إلى مخلفات خطرة وهي تشكل حوالي «10 – 25% « من مجموع المخلفات الطبية عموماً، والمخلفات الطبية الخطرة هي المحتوية على عوامل المرض والتي يمكنها إحداث الإصابة في الإنسان أي نقل العدوى، وأخرى يمكنها إلحاق الضرر بالبيئة المحيطة، وتشير تقارير المنظمة إلى أن استخدام المحاقن الملوثة تتسبب في (21) مليون إصابة بفيروس الكبد (بي) في العالم، أي بنسبة (32%) من إجمالي الإصابات الجديدة، بالإضافة إلى مليون إصابة بفيروس الكبد الوبائي (سي) بنسبة (40%). بجانب (260) ألف إصابة بالإيدز والدرن .

معركة البيئة والصحة
المجلس الأعلى للبيئة بالخرطوم قاتل بشراسة لينتزع ملف النفايات الطبية من وزارة الصحة التي وضعت اللبنة الأولى لمشروع النفايات الطبية، وانتصر المجلس وربح المعركة بصدور قرار منتصف العام الماضي من رئاسة الولاية قضى بأيلولة الملف إليه .. ورغم ترويج المجلس وهيئته الإشرافية للنظافة لإمكانياتهم وقدراتهم في إحتواء النفايات الطبية، إلا أن المشاهد الحديثة بمردم «أبو وليدات» تفضح إمكانياتهم وتؤكد أن قتالهم كان بغرض الإيرادات وليس احتواء المخلفات الطبية .ووفقاً لتقرير صادر من الهيئة الإشرافية لنظافة ولاية الخرطوم بعنوان (واقع ومستقبل الإدارة المتكاملة للنفايات بولاية الخرطوم) والذي حصلت (آخر لحظة) على نسخة منه، فقد وضع سياسة تطبيق (مبدأ الملوث يدفع) في أعلى قائمة سياسات الإدارة المتكاملة للنفايات الطبية والخطرة بالولاية، والتي آلت إليها النفايات الطبية كإدارة متخصصة.. ويحصر ذات التقرير بالصفحة رقم (20) آليات إدارة النفايات الطبية والصلبة ويوضحها بالعدد الآتي: (9) قلاب تاتا، (5) جان جان، (4) ضواغط، (2) لودر.
وبحسب سياسات ومعايير طرق التعامل السليم مع المخلفات الطبية فيقول التقرير إنه في الوقت الراهن يجب عمل برنامج لاحتواء النفايات الطبية، كما يتم الآن للنفايات الخطرة، تتم إجراءات الاحتواء تحت إشراف هيئة نظافة ولاية الخرطوم وفقاً لموجهات اللجنة الفنية الدائمة للنفايات الخطرة والإبادة بالهيئة .

وتحصر المؤسسات الصحية والعلاجية التي يتم التعامل معها في خدمة التخلص ونقل النفايات بالولاية كالآتي: عدد المستشفيات الحكومية (54)، المستشفيات الخاصة(84)، المراكز التشخيصية (134)، المراكز الصحية الحكومية (228)، مراكز غسيل الكلى (37)، مراكز، المنظمات (227)، المعامل (47)، الشفخانات(138)، مراكز صحية خاصة (30)، مجمع عيادات( (99)، العيادات الخاصة (1033).

نقل النفايات
فيما أبدى خبير في مجال البيئة استغرابه وانزعاجه من طريقة نقل الهيئة الإشرافية للنفايات الطبية بواسطة القلابات المكشوفة، موضحاً أنه يشترط أن تكون آليات نقل المخلفات الطبية بمواصفات خاصة، ولا يصح نقلها في آليات مكشوفة لخطورتها التي تبدأ من مرحلة الأكياس وحتى مرحلة المعالجة، لافتاً إلى أن مسؤولية النفايات الطبية يفترض أن تكون مسؤولية مشتركة بين وزارة الصحة بإعتبارها الجهة الفنية والمجلس الأعلى للبيئة كجهة رقابية، وأن المسئولية المباشرة تقع على عاتق وزارة الصحة، ومجلس البيئة كمراقب يصحح ويلفت لمواقع الخلل والعجز فقط، ومن حقه أن يقوم بتدوين بلاغات في مواجهة المؤسسات الطبية المخالفة .. لافتاً إلى أن مجلس البيئة لا يمتلك محارق طبية، وبما أن المسؤولية آلت إليه فعليه التخلص من محتويات النفايات الطبية للمستشفيات التي يتعامل معها بدفنها في مدافن بمواصفات خاصة، وليس طرحها في العراء لتنقل العدوى وتهدد سلامة المجتمع.

تراجع الخدمات
مستشار وزير الصحة بولاية الخرطوم للنفايات الطبية د.عثمان البشرى اتهم المجلس الأعلى للبيئة بالتسبب في تدهور خدمات نقل المخلفات الطبية بصورة مخيفة، خاصة مع نقله للنفايات الطبية مخلوطة دون فرزها، وأنه جهة إيرادية تهتم فقط بتحصيل الرسوم دون تقديم خدمات .. لافتاً في تصريح لـ(آخر لحظة) الى أن وزارة الصحة كانت قد أحكمت السيطرة على هاجس قضية التخلص من النفايات الطبية، وأن تقدماً ملحوظاً طرأ على الملف مع بداية الشراكة بين وزارة الصحة والمجمع السعودي السوداني للتخلص من النفايات بنسبة (70%) ، إلا أن البشرى أكد تراجع التخلص من النفايات الطبية حالياً بنسبة (40%) مما كانت عليه، وقال إن المجلس سعى ويسعى لسحب باقي المؤسسات الصحية من تحت مظلة المجمع السعودي السوداني في التخلص من نفاياتها بعرض أسعار تخلص أقل على المؤسسات .. كاشفاً عن تلقيهم لعدد كبير من الشكاوي من المؤسسات الصحية التي تدفع رسوماً للمجلس الأعلى للبيئة دون مقابل تقديم خدمة التخلص من النفايات .. ويرى البشرى أن الفكرة المطلوبة الآن هي أن تتجه كل مستشفى أو اثنين معاً لشراء محارق كما فعلت مستشفى الدايات وبنك الدم، موضحاً أن أسعار المحارق المطابقة للمواصفات العالمية ليست باهظة، وبإمكان المستشفيات شرائها، ورغم أن الهيئة الإشرافية طالبت في تقريرها بمراجعة مواصفات وفاعلية أداء المجمع السعودي للتعقيم البخاري للنفايات الإحيائية، وضبط جودة أدائه مع التوسع في إنشاء وحدات معالجة متكاملة جديدة بالمناطق الكبرى الثلاث، إلا أن البشرى يوضح أن جهاز التعقيم البخاري بالمجمع السعودي السوداني (الاوتوكليف) هو الأفضل، فقط المطلوب أن تتبع عملية التعقيم البخاري عملية تقطيع للنفايات .

من المحرر
وتطرح أسئلة حول الطرق الآمنة للتخلص من النفايات، وهل طريقة إلقائها بالعراء أو حرقها بالمرادم تؤثر على الحوض الجوفي للمياه بالولاية بإمتصاصه لكل تلك الملوثات ؟

تحقيق : هبة عبد العظيم
صحيفة آخر لحظة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        عارف وفاهم

        اللغط دا كلو كان البلد في غِنى عنه لو ذلك المسؤول الذي رفض محارق النفايات الطبية الممنوحة من حكومة اليابان وبغطرسة وفلسفة لا داعي لها. لأنه قطعاً كان يريد ان يستوردها عن طريق شركة خاصة (ويلهف) خُمشة جنهيات ولكن للاسف بتصرفه هذا لم يرحم الناس ولا خلّى رحمة ربنا تنزل وبقت النفايات الطبية مصدر اوبئة وامراض وأضرار على البيئة.فحسبنا الله ونعم الوكيل من امثال النوع دا من المسؤولين.وكل ما يحدث من جرّاء هذا التصرف البليد وغير مسؤول من مرض للبشر والبيئة على عاتق هذا المسؤول الغير مسؤول.

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *