زواج سوداناس

يَا مَوت ..!



شارك الموضوع :

“إجلس على الكرسي .. كن أسمى من الحشرات .. كن قوياً ناصعاً .. ياموت .. اخلع عنك أقنعة الثعالب .. كن فروسياً، بهياً، كامل الضربات” .. محمود درويش ..!
ليس أصعب على نفسي من كتابة هذا المقال، ولو كان الأمر بيدي لما فعلت .. لو كنتُ بالخيار لما كتبت اليوم، أو غداً، أو هذا الأسبوع .. ليس أقسى ولا أنكى مما أكتب عنه الآن .. لولا اعتبارات مهنيَّة كثيرة “تتقزم كلُّها أمام سطوة هذا الحزن الذي يصهر روحي” لما كتبت .. يشهد الله .. قلبي منكفئ .. ونفسي حسيرة .. وروحي تختنق .. ويدي مغلولة ..!
كيف يكتب الإنسان عن حالة فقد يكابد حزنها ولواعجها لحظةً بأخرى؟! .. كيف ينعي المرء ذوبان نفسه، ونزيف روحه تحت سياط الذكريات – التي هَنئ بحُلوها واقتسم مُرَّها برفقة شخص عزيز فُجع برحيله الصامت – هكذا .. دون أي وداع؟! .. كيف يَقُصُّ كل هذا الكَبَد على مسامع الورق .. كيف يكتب أوجاعاً ليست للنشر ..؟!

كيف يفعل مُكرهاً لا بطل، لمجرد أن الآخرين تمكنوا من أن يفعلوا .. كيف يَمتطي المرء عَبَراته، ويتَسَربَل بدموعه، ثم يحتطب في غابات النعي والرثاء – فقط! – لأنه لا بد .. لابد .. لا بد له من أن يفعل ..؟!
من قال إن الكتابة فقرة ثابتة في “كتالوج” الحزن العظيم؟! .. من قال إن توثيق المشاعر الخالصة عند فقد عزيز “خاص” يشترط الهروع إلى الكتابة الآنيَّة؟! .. ماذا عساي أقول إن كان حزني على أخي “الكبير”، وصديقي النبيل، وأستاذي الجليل، يتمرد على قوالب الفكرة؟! .. يصعد فوق أنفاسي ويقفز خلف أسوار العبارة ؟!.. حزني على “كمال حنفي” لو تعلمون عظيم .. عظيم ..!

صبرٌ جميلٌ وبالله المستعان .. والحمد لله الذي خلق لنا عبقرية صديقنا ود الرضي ليقولنا – “إلا قليلاً”! – “الحزن لا يتخير الدمع ثياباً كي يسمى في القواميس بكاء .. هو شيء يتعرى من فتات الروح .. يعبر من نوافير الدم الكبرى ويخرج من حدود المادة السوداء .. شيء ليس يفنى في محيط اللون أو يبدو هلاماً في مساحات العدم .. الحزن فينا كائن يمشي على ساقين” ..!
يا الله! .. إلى أين آوي من عصفة هذا الحزن؟! .. الكتابة تحتاج إلى يقين لا أملكه .. وثبات لا أقوى عليه .. ورباطة جأش أعياني البحث عن بعض فتاتها منذ فجعت بالخبر اليقين .. يا الله .. كيف يكتب من يُفاوض – جاثياً! – مثل هذا الحزن “الجاثوم” ..؟!
“حَنَفي” أيها الرجل “الكبير” .. “لا مكان الآن لكْ .. واللهُ يسكنُ بالأماكنِ كلِها” .. “كَمَال” يا صاحب العقل الجميل .. “قال اللهُ كونوا .. ثم كنا .. هل تحققنا تماماً من وجودِ الذات في أرواحنا؟! .. ضوءَ التكوّنِ وأنطلاقُ الكائنات؟! .. نحن نخرجُ من غناء العزلة الكبرى .. لنكتب عن غناء العزلة الكبرى” .. وداعاً يا دكتور ..!

20/4/2013م
من أرشيف الكاتبة:
في الذكرى الرابعة لرحيل د.كمال حنفي

هناك فرق – منى أبو زيد
صحيفة آخر لحظة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        سوداني سوداني

        الا رحم الله فقيد الصحافة الاستاذ المربي كمال حنفي

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *