زواج سوداناس

سلسلة أوراق العمر السياسي ورجل الأعمال إبراهيم الشيخ : أثناء الاعتقال كنا لا نعرف تعاقب الأيام ولا نرى الشمس



شارك الموضوع :

حاولت استئجار دكان (مسكون) في سوق السجانة

شركة بولندية حفزتني بألف دولار كانت مدخلي للتجارة

تعرفت على زوجتي من خلال زيارتها لوالدتها في الكهرباء

توقعت ان تكون أسواق أم درمان طفرة كبرى في مجال الأسواق

أثناء الاعتقال كنا لا نعرف تعاقب الأيام ولا نرى الشمس

تتملك السودانيين على اختلاف مشاربهم قناعة راسخة بأن حياة صانعي الأحداث في السودان لم تجد حظها من التدوين كما يجب. ويتلبّسهم يقين عميق بأن أكثرية المرتبطين بالعمل العام أهملوا التدوين لحياتهم الخاصة، وأنهم لم يدوِّنوا شهادتهم على الأحداث المهمة في حياتهم، وفي تاريخ السودان، لذا ظلت بعض الأسرار حبيسة الصدور.

في هذه السلسلة من (أوراق العمر) نحاول أن نسلط الضوء على جزء من الجوانب الخفيَّة في حياة بعض الذين ارتبطوا لدى الذاكرة الجمعية للشعب السوداني بالإشراقات وربما الإخفاقات. ونسعى من خلال ذلك إلى تتبع سيرة من أسهموا ــ سلبًا أو إيجابًا ــ في حركة المجتمع والسياسة، وبالطبع نهدف إلى تقليب أوراق حياتهم المرتبطة بالجانب العام، دون أن نتطفّل على خصوصياتهم، حال لم تكن ذات علاقة مباشرة بالشأن العام. دافعنا في كل ذلك أن نعيد كتابة الأحداث والتاريخ، بعد أن تكشَّفت الكثير من الحقائق المهمة حول كثير من الوقائع التي أثرت في المشهد السياسي السوداني..وفي الحلقة الثانية هذه نبحر مع الرئيس السابق لحزب المؤتمر السوداني ورجل المال والأعمال الشهير إيراهيم الشيخ، وهو يتداعى مستدعيا الذاكرة، ومتذكرا ماضيات الأيام.

خارج أسوار الجامعة
في العام 1986 انتهت رحلتي الجامعية بتخرجي من كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم التي قضيت فيها أياما خالدات وزاهرات جعلتني أعتز باتخاذ ذلك القرار الجرئ بترك جامعة جوبا ،وبعد أن علقت شهادتي على جدار منزلنا لتزينه واصلت إقبالي على الحياة العملية بهيئة الكهرباء التي لم أتركها طوال سنوات الجامعة فقد كنت أعمل وأتلقى تعليمي في ذات الوقت،وظللت أعمل بها حتى العام 1993 وكنت من الناشطين في العمل النقابي حيث توليت منصب الأمين العام وكنت عضو اللجنة المركزية للنقابة العامة ،أما على الصعيد السياسي فقد نلت أيضا شرف تأسيس حزب المؤتمر السوداني الذي انبثق من مؤتمر الطلاب المستقلين وكان ذلك في العام 1986 وجاء ذلك عقب دعوة تاريخية لخريجي مؤتمر الطلاب المستقلين في كل الجامعات السودانية وبمصر وباكستان وانضمت إلينا مجموعات أخرى ناشطة في الانتفاضية وكان له دور مؤثر منهم خالد ياجي الذي كان في نقابة الأطباء وتم تكوين حزب المؤتمر السوداني والحزب بعد تكوينه لم يخض انتخابات الديمقراطية الثالثة ولكن دعم أفراداً في أحزاب متعددة كان يرى إمكانية تقديمهم ما يفيد البلاد وتركت حرية الدعم للأعضاء لمن يروه.

انقلاب الإنقاذ
واستمر حزب المؤتمر السوداني إلى أن جاء انقلاب الإنقاذ في العام 1989 وقد طالت الاعتقالات أعداداً كبيرة من قيادات الحزب وكان معهم عمر الدقير وأحيلت مجموعة كبيرة منهم للصالح العام الذي شربت من كأسه في العام 1993 والتأخير في الإحالة يعود بشكل مباشر إلى وجود الفقيد المهندس محمود مشرف الذي كان على رأس هيئة الكهرباء وقد رفض باستماتة بل قاوم رياح الصالح العام وفصل العاملين على أساس الانتماء السياسي رغم انتمائه لحكومة اللإنقاذ الذين لم يجدوا غير إبعاده عن المنصب حتى ينفذوا في هيئة الكهرباء الصالح العام وتولي هذه المهمة مدير موالٍ للنظام ثم جاء المهندس مكاوي محمد عوض الوزير الحالي وأكمل مهمة الفصل على أساس الانتماء السياسي فكنت ضمن المجموعة التي تمت إحالتها للصالح العام ووقتها كنت في الدرجة السابعة .

الحياة الزوجية
في عامي الأخير بالكهرباء كان قراري بدخول الحياة الزوجية واخترت يوم الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1992 موعداً لزواجي وذلك لأن هذا اليوم تاريخي وهو الذي شهد نهاية حكم عسكري وقد تعمدت ربط زواجي بثورة اكتوبر حتى يظل الحدث له علاقة بذكرى سنوية عطرة وقريبة من نفس كل سوداني، أما عن زواجي فلم يكن اختياري مرتباً فقد شاءت الأقدار أن والدة زوجتي كانت تعمل بقسم الكمبيوتر بالكهرباء وكانت ابنتها تأتي إليها فرأيتها وقررت الاقتران بها وإلى الآن بحمد الله ظلت شريكة حياتي ،وهنا أشير إلى أنه ومن الأشياء الجميلة أنه قبل فصلي من العمل كنت قد تقدمت بطلب إجازة لمدة عام وكان ذلك في 1992 حيث قررت وقتها ولوج العمل التجاري وفي فترتي الأخيرة تعاقدت شركة بولندية مع هيئة الكهرباء للتحديث وعملت معهم منسقاً متعاوناً وبعد نهاية عملهم كانت محصلتي ألف دولار نظير عملي معهم وكان هذا مدخلي إلى التجارة فقد كان مبلغا محترما وقتها

في السوق.
وأول تجاربي كانت بالسوق العربي حيث استأجرنا محلاً وكان معي طبيب الاسنان صابر عابدين حيث دخلنا في شراكة وكان معي في حزب المؤتمر السوداني واخترنا العمل في مجال البيع بالأقساط حيث كنا نشتري الأجهزة الكهربائية “ثلاجات ،غسالات،مكيفات ومراوح” ونبيعها للموظفين في هيئة الكهرباء بحكم زمالتي لهم وعلاقتي بهم وكان تجار بشارع الحرية يتعاملون معنا بإعطائنا الأجهزة الكهربائية ثم نسدد لهم لاحقا بعد البيع ،وظللنا نعمل في البيع بالتقسيط فترة من الزمن وبعد ذلك ولجنا مجال العطاءات لتوريد معدات وأجهزة لعدد من المؤسسات ومنها هيئة الكهرباء ،وفي العام 1993 قررت الانتقال إلى سوق السجانة للعمل في مجال مواد البناء وتم هذا الأمر بواسطة زميل الدراسة طارق محمود الذي كان يقطن معي بذات الغرفة في الداخلية حيث أفادني بوجود متجر في السجانة للإيجار وقد رتب اللقاء بيني وصاحب المتجر بشري محمد خير ووجدت أن موقف الدكان بسوق السجانة جيد حيث يطل على “شارعين” ولكن ظهرت معضلة صغيرة وذلك حينما أفادني التجار ان هذا المحل كل من استأجره قد ذهب إلى السجن أو أنه أعلن إفلاسه، وأكدوا أنه “مسكون بالجن” ، غير أنني لم أتوقف كثيرا في هذه الجزئية لعدم قناعتي بمثل هذه الأشياء التي لم تثر مخاوفي وتعاقدت مع صاحبه ومنذ ذلك الوقت ظللت أعمل فيه حتى اليوم حيث كنا نعمل في مجال توريد مواد البناء لعدد من الجهات منها هيئة الكهرباء وقد حقق لنا هذا العمل عائدات جيدة وحقق لي قدراً من رأس المال وقد مكنني من فتح دكان سوق السجانة والعمل مستقلا وقد قمت بشراء كميات مقدرة من مواد البناء وانطلقت في السوق.

العقار الابن البار
وبمرور الأيام انتقلنا إلى صناعة الحديد حيث أنشأنا مصنعاً للحديد ولكن نتيجة لبعض المشاكل توقف ولكن خضع للتأهيل للعودة إلى الإنتاج ،وفي ذات الوقت كنا نعمل في مجال العقارات حيث نشتري أرضاً ونشيد عليها عقارات لاستئجارها والتجار لديهم مقولة ثابة وهي أن “العقار هو الابن البار” لأنه نشاط اقتصادي يشهد استقراراً وفيه ضمان لرؤوس المال عكس التجارة والصناعة التي تعتبر عرضة للمخاطر ،وبحمد الله توفقنا في عملنا التجاري والصناعي وفي مجال العقارات ،إلى أن وصلنا مرحلة إنشاء أسواق نوعية بامدرمان والأرض كانت تتبع لجامعة القرآن الكريم وقد دخلت معهم في شراكة وأوكلت لي مهمة إكمال وتشييد السوق الذي تم إكماله على أحدث طراز وهو ما يسمي بـ(أسواق ام درمان) الذي توقعنا أن يكون بمثابة طفرة كبرى في مجال الأسواق بالبلاد ولكن جاءت الرياح على عكس ما نشتهي حيث لم يصيب النجاح المنشود ولم يلازمنا التوفيق لأسباب كثيرة تبدو بعضها معروفة للرأي العام ،وفي العام الماضي تم فض الشراكة وكل طرف نال نصيبه وكثيرون تساءلوا عن عدم اتجاهي للاستثمار خارج البلاد رغم التضييق الذي تعرضت له من النظام رغم أنه سؤال موضوعي ولكن اعتقد أن الانتماء للأوطان لا ينحصر في ظاهره عبر الشعارات بل بتجسيده على أرض الواقع فنقلي لأملاكي خارج البلاد يعني استفادة آخرين منها لذا فضلت الاستمرار رغم الرياح العاتية التي واجهتني وسلامة النية والمقصد هنا كان سبباً في استمراري حتى الآن.

العمل تحت الأرض
سياسيا فإن مشواري عقب قيام الانقاذ ظللنا نعمل حتى العام 1998 تحت الأرض بسبب حل الأحزاب والهجمة الشرسة من النظام على كوادرنا وعند قانون التوالي وحتى نعمل في العلن لم نجد غير تسجيل حزب المؤتمر السوداني للاستفادة من الأجواء المتاحة حتى نواصل مسيرتنا ،وخلال هذه الفترة تدرجت في صفوف الحزب بدءاً من الأمين السياسي إلى نائب الأمين العام ثم الأمين العام إلى أن تم اختياري في 2005 رئيسا للحزب وثم تم إعادة انتخابي في العام 2010 وقد بذلنا جهودا مقدرة خلال السنوات العشر لتحويله من حزب صفوي إلى جماهيري وقد خضنا انتخابات 2010 في دوائر مختلفة بعدد مقدر من ولايات البلاد ومحصلة هذه التجربة هي التي غيرت مسار الحزب 180 درجة من صفوي إلى جماهيري بعد أن تعرف عليه المواطنون كثيرا، ثم جاءت الاعتقالات الكثيرة التي تعرضنا لها والتي كانت بدايتها في أحداث سبتمبر 2013 وهذه الاعتقالات شكلت للحزب دفعة قوية إلى الإمام واسهمت في تنامي جماهيريته لاقتناع الكثيرون بصدق توجهاته ليصبح المؤتمر السوداني ملئ السمع والبصر ،كما لعبت المؤتمرات الثلاثة للحزب دوراً مؤثراً في إعادة بناء الحزب على أسس موضوعية ومؤسسية وجعلت له وجوداً في كل أنحاء البلاد. وفي المؤتمر الأخير ونزولا على لوائح الحزب كان عليّ أن أترجل بعد استنفاد فرصي في المنصب وقد أردنا التطبيق الفعلي للديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة وأردنا أن نرسل رسالة عملية لكل الأحزاب السياسية وأن نقدم نموذجا ضد الكنكشة في المناصب وأنه لابد من تمكين الشباب في الحزب وأهمية حدوث تبادل في إدارته وتواصلا للأجيال.

مائة يوم من الاعتقال
منذ العام 2013 الذي شهد انتفاضة سبتمبر فقد تعرضنا للكثير من الاعتقالات مروراً بانتقادنا لقوات الدعم السريع في ندوة أقيمت بمدينة النهود وقلنا يومها أن هذه القوات تشكل خطرا على البلاد فتم اعتقالي لفترة بلغت مائة يوم وطلب مني تقديم الاعتذار إلا أنني رفضت لتمر الأيام ويتأكد صدق حديثنا وذلك حينما اتجهت الحكومة إلى تقنين وضع قوات الدعم السريع وتسويرها بالتبعية للقوات المسلحة وهذا يعني اننا كنا على حق ،وهذا الاعتقال أيضا تفاعل معه الكثيرون من كافة شرائح المجتمع وأسهم في التعريف أكثر بالحزب ،وعلاقتي مع الاعتقالات لم تنتهي بما حدث لي في النهود وسجن الأبيض بل تواصلت عقب الدعوات للعصيان المدني حيث تم ايداعي مع كل قيادة الحزب المعتقل لخمسين يوماً وأيضا هذا الاعتقال كان أضافة لنا وللحزب.

ذكريات المحابس
ومع أن الاعتقال تريد منه الأجهزة الأمنية إضعاف إرادة السياسي المعارض وإلحاق الضرر بمعاشه حتى يعيد النظر في مشواره، إلا أنه يظل فرصة لمزيد من العزيمة. وبالنسبة لي فإن فترة السجن في النهود والأبيض كانت مختلفة تماما عن اعتقالاتنا بكوبر فالسجون تتاح فيها الزيارات والاطلاع على الصحف واستعمال الموبايل ومعرفة ما يدور خارجا ويوجد في السجون تعامل انساني ورحمة ومودة ولكن في معتقلات جهاز الأمن بكوبر يعزل المعتقل تماما عن العالم الخارجي ولا يعرف ما يدور فيه من أحداث وليس هذا وحسب بل حتى المعتقل لا يدرك تعاقب الأيام ولا يرى الشمس بل حتى أوقات الصلاة لا يعرفها وفي اعتقالنا الأول كثيراً ما كنا نؤدي صلاة الفجر عند الثانية عشر ظهراً أو الثالثة صباحاً لعدم سماعنا لنداء الآذان .

على باب الخروج
وختاما فإن علاقتي بالنهود ستظل حية ومتقدة، لأنها راسخة ولأنها مسقط رأسي ويوجد بها كل أهلي، فجدي والد أبي جاء إلى النهود من البرياب في الجزيرة وكان يعمل في تجارة المواشي والزراعة وجدي لأمي جاءها من الكرد بنهر النيل، وحتى أسرتي الصغيرة لها علاقة بالنهود وأنا لدي خمسة أبناء واثنين من البنات، إحداهن تدرس الطب وأخرى تدرس التسويق وابني خريج كلية الاقتصاد والآخران يتلقيان تعليمهما. وأبنائي لاعلاقة لهم بالعمل السياسي رغم تعاطفهم مع المؤتمر السوداني وهم على وعي بما يدور في الساحة ولكن ليس لديهم التزام حزبي.

الخرطوم:صديق رمضان
صحيفة الصيحة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *