زواج سوداناس

أين الخلل إذن؟


خريطة السودان الاخضر

شارك الموضوع :

التعريف القانوني لكلمة دولة هو (مجموعة من البشر معترف بهم دولياً كقطر مستقل ذي سيادة، ولها لغة مشتركة وحدود جغرافية واضحة المعالم)، القانون الدولي يُعرِّف الدولة ويعترف بها إذا كانت تتمتع بأربعة خصائص هي: حدود جغرافية، سكان دائمون، وبها حكومة ولها القدرة على الدخول في علاقات مع دول أخرى..
من هذا التعريف القانوني الشامل يمكن تفصيل التعريفات الآتية: القطر هو إقليم في الأرض محدد بمعالم وحدوداً جغرافية وسياسية.. الأمة هي مجموعة من السكان يشتركون في عادات عامة، أديان، لغة مشتركة ومتوارثون من أجناس وأعراق وحضارات وتاريخ في المنطقة.. من هذه التعريفات فإن السودان دولة كاملة لكن أصابها خلل..
نحلل المتطلبات الأربعة في تعريف الدولة وإسقاطها على السودان حتى نعرف أين الخلل الذي أدى الى التدهور الاقتصادي والاجتماعي. أول المتطلبات هو وجود حدود جغرافية معترف بها- وهذا متوفر- إذ توجد حدود دولية للسودان تبلغ 6819 كيلو متر مع سبع دول- أفريقيا الوسطى 174 كلم، تشاد 1403 كلم، مصر 1276كلم، إريتريا 682 كلم، أثيوبيا 744 كلم، ليبيا 382 كلم، جنوب السودان 2158 كلم، وساحل بحري مع السعودية 853 كلم، ومساحة إجمالية 1.861.484 كلم مربع..
الحدود المعترف بها دولياً تتطلب وجود جيش قوي مؤهل لحمايتها وهذا بكل تأكيد موجود، إذ تم تأهيل القوات المسلحة في السنوات الماضية تأهيلاً كاملاً شاملاً في كل وحداتها حتى صارت من أقوى الجيوش في المنطقة عدة وعتاداً وأفراداً.العنصر الثاني المطلوب في تعريف الدولة هو وجود سكان دائمين من أقدم العصور، يتمتعون بحضارة عربية افريقية ضاربة في القدم والأصالة، وديانة إسلامية لأكثر من 90% من السكان وأقلية غير مسلمة تتمتع بكافة حقوق وواجبات المواطنة، ويعيش كل السكان كمواطنين دون تمييز عرقي أو عنصري، وكل ذلك محمي بدستور انتقالي سيصبح دائماً قريباً.العنصر الثالث في متطلبات الدولة هو وجود حكومة تدير شؤون المواطنين، وتعريف كلمة حكومة هو أنها مجموعة من المواطنين تمارس السلطة التنفيذية لإدارة الدولة تحت رقابة واشراف سلطة تشريعية وعدلية منفصلة عنها، المطلوب من الحكومة توفير الأمن والأمان للمواطنين وتوفير الطعام لهم، وتقديم الخدمات الأساسية في التعليم، الصحة، النقل والمواصلات، المياه النظيفة، الكهرباء والمحافظة على البيئة النظيفة.

بسط الأمن والأمان يتم بواسطة أجهزة متخصصة متمثلة في جهاز للأمن الوطني وشرطة، قضاء عادل ومحاكم وسجون وإصلاحيات، جهاز الأمن تم إعداده بالوسائل والكوادر البشرية عالية التأهيل، حتى أصبح من أكفأ وأقوى الأجهزة الأمنية في المنطقة، ونجح في تحقيق الأمن بالمتابعة المهنية الرفيعة لكل ما يمكن أن يهدد أمن الوطن، وله أذرع خارجية نشطة تتابع كل تحركات المجموعات المنظمة التي تدخل البلاد وتكون مهدداً لأمن الوطن والمواطن..
عكس ما يصور البعض من المعارضين فإنه في اعتقادي ومتابعتي يبذل جهاز الأمن الوطني والاستخبارات السوداني جهداً ومالاً في متابعة هذه المجموعات الدولية والمحلية أكثر بأضعاف المرات مما يبذله في متابعة المعارضة الداخلية للأحزاب والتنظيمات المدنية..
هناك جهد وعمل استباقي بمهنية عالية للجهاز لا يعلمها الكثيرون، لكن لها الأثر الأكبر في الحفاظ على أمن السودان، مما جعل منظمات عالمية تصنف السودان كأحسن دولة افريقية وعربية من الناحية الأمنية، وهذا أمر بالتأكيد يدعو للفخر والاعتزاز والشكر لمن يقوم بهذا الدور الوطني الكبير.الشق الثاني في الأمن هو أمن المواطن في نفسه وماله وعرضه وسلامته، وهو الدور الذي تقوم به الشرطة بكفاءة وقدرات عالية أكسب الدولة هيبة مطلوبة.. تم تأهيل الشرطة بأحدث ما توصلت اليه الدول العالمية الكبرى في مكافحة الجريمة والكشف عنها في وقت وجيز، ولا توجد جريمة واحدة حتى الآن غامضة لم يتم الكشف عنها وتحديد مرتكبيها وتقديمهم للمحاكم في فترات قياسية..
القضاء نزيه وعادل وناجز، وذلك بفضل تضافر العناصر المطلوبة المتمثلة في الشرطة، النيابة.مما تقدم أن كافة أجهزة الدولة كانت وما زالت في مستوى التحديات ونجحت تماماً في بسط الأمن، ودرء أخطار المجموعات المحلية والوافدة، وذلك بفضل كفاءة جهاز الأمن العالية، وقدرات الشرطة الهائلة، وعدالة ونزاهة الأجهزة العدلية.. عليه يكون الخلل فقط في الجهاز التنفيذي في الأوجه التالية:

أولاً: منذ العام 2003 لم يقم الجهاز التنفيذي بدوره في وأد أزمة دارفور في مهدها.. بدأت مشكلة دارفور بالنزاع التقليدي التاريخي المعروف في كل العالم بين الرعاة المتنقلين والمزارعين المستوطنون في حواكير معلومة.. الرعاة كانوا من قبائل عربية تتحرك في دارفور منذ زمن طويل، والمزارعون من قبائل دارفور ذات الأصول الأفريقية- لم تتعامل الحكومة منذ بداية النزاعات بالحياد المطلوب في مثل هذه الحالات، مما حدا بسكان دارفور المستقرين في حواكيرهم وهم يزرعونها بالشعور بالغبن، ولجأوا لحمل السلاح وتكوين مجموعات عسكرية منظمة أدت الى مواجهات دامية، ونزوح مواطنين من مناطقهم حتى تدخل المجتمع الدولي، الذي أصدر قراراته المعروفة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتدخل أكثر من عشرين ألف جندي أممي متواجدين حتى الآن في دارفور، كسابقة تحدث لأول مرة في تاريخ السودان الحديث، وما زاد الطين بلة تقسيم دارفور الى خمس ولايات ومحليات عديدة على أساس قبلي أدى مؤخراً إلى مواجهات دامية بين القبائل مات فيها مئات الآلاف ونزح الملايين.

ثانياً: انفصال الجنوب أدى الى توقف أهم مصدر دخل للدولة وهو البترول، وكان من الممكن أن تسعى الحكومة بشتى الوسائل لجعل الوحدة جاذبة في شكل شراكة ذكية كنفدرالية كما كانت في الفترة الانتقالية من 2005 إلى 2011م.. طوال هذه الفترة لم يصدر قرار رئاسي من الخرطوم في أي شأن يخص إقليم الجنوب مثل تعيين الولاة، تعيين المعتمدين، الشرطة والتنمية وإعادة التأهيل، بل أن سلفاكير لم يحضر الى الخرطوم إلا لماماً، بالرغم من أنه كان النائب الأول للرئيس. كان الجيش واحداً قومياً نجح في بسط هيبة الدولة ووحدتها دون إطلاق طلقة واحدة طوال الفترة الانتقالية.

ثالثاً: عدم استغلال ثروة البترول الناضبة منذ العام 1999 حتى 2011 أي 12 عاماً وتحويلها الى ثروة مستدامة في الزراعة والإنتاج الحيواني، بل العكس تم تدمير المشاريع القائمة الناجحة مثل مشروع الجزيرة الذي بدأ تدهوره عندما تم التحول من زراعة القطن الى زراعة القمح، تحت شعار نأكل مما نزرع بالرغم من الوفرة العالمية في القمح حتى اليوم، وبذلك فقد السودان أهم محصول نقدي كان وحده يحمل عبء الدولة السودانية منذ الاستقلال عام 1956، وكذلك لم تستغل عائدات البترول في إعادة تأهيل وتحديث السكة الحديد، الخطوط الجوية، الخطوط البحرية والموانيء البحرية والنهرية.

رابعاً: ترك ثروات قومية للقطاع الخاص خاصة ثروة الذهب المعدنية وثروة الصمغ العربي الزراعية- تشهد الثروتان- وحتى الآن- عمليات تهريب وفقدان لعملة أجنبية عزيزة، كمثال أوردت صحف الأسبوع الماضي أن إنتاج وتصدير الصمغ العربي تدنى من مائة ألف طن الى 12 ألف طن، وقبلها ذكر الأمين العام لمجلس الصمغ العربي العالم عبد الماجد عبد القادر أن 65% يُهرّب، وعليه يكون هناك تدنٍ يصل الى 35 ألف طن وليس 12 ألف طن- المُهرب 23 ألف طن والرسمي 12 ألف طن.هذه العوامل الأربعة أدت الى المواجهات والنزاعات المسلحة في دارفور، مما زاد تكلفة الصرف على الأمن وإرهاق ميزانية الدولة، وأدت الى تدهور الاقتصاد وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وانخفاض قيمة العملة المحلية من اثنين جنيه للدولار قبل ستة أعوام الى 22 جنيهاً.. كل ذلك أفضى الى تذمر المواطنين ومعاناتهم في مقابلة متطلبات أسرهم وهذا هو الخلل الذي قاد الى ما نحن فيه الآن.

تقرير:عمر البكري أبو حراز
اخر لحظة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *