زواج سوداناس

لهذا السبب يلقي “المصريين “الدمى في النيل !



شارك الموضوع :

في الـ15 من شهر أغسطس، كان المصريون وحتى عهود قريبة يحتفلون بعيد وفاء النيل.

وهو العيد الذي اتخذ أهمية وخصوصية كبرى حتى أنه كان يفوق عيدي المسلمين: الفطر والأضحى، في حجم الاحتفاء به والمشاركة الشعبية بكل طوائفها من مسلمين ومسيحيين ويهود، حتى اجتهد بعض المفسرين وقالوا إنه هو يوم الزينة الذي وصف في القرآن.

استمرت هذه العادة من أيام الفراعنة حتى العصور الإسلامية إلى أن بني السدّ العالي ومعه توقف فيضان النيل.

النيل في مصر هو سر الحياة، عليه بنيت حضارتها منذ الفراعنة وحتى العصر الحديث وفي السنوات التي لا يفي النيل بها (أي لا يصل عمقه إلى 16 ذراعاً)، كان المصريون يواجهون شبح المجاعة والغلاء وشحّ الثمار في الأسواق، وهذا هو السرّ في احتفائهم بوفاء النيل.

فوفائه يعني أنهم قد نجوا من شبح المجاعة وأن المحاصيل سوف تزدهر وسيحق للدولة أن تحصل على الضرائب.

احتفالات وفاء النيل عند الفراعنة

وللمصريين في احتفالهم بعيد “وفاء النيل” طقوس كثيرة تغيرت عبر مئات السنين.

ففي أيام الفراعنة، روى الأثري المصري النخيلي محمود رفاعي، أن النيل لم يفيض في عهد أحد الملوك فأشار كاهن إلى الملك أنّ النيل غاضبٌ لأنه يريد الزواج من أجمل بنت مصرية.

تقول القصة أن الملك جمع أجمل المصريات واختار منهن الأجمل (وسميت بعروس النيل) وأقنعها أنها ستتزوج من الإله “حابي” في الحياة الآخرة، والإله حابي، يكتب أيضاً حعبي، هو إله النيل عند الفراعنة.

استمرت تلك العادة، وفي كل عام كان المصريون يلقون في النيل فتاة عذراء استجداءً لوفائه. حتى أنه في إحدى السنوات بحث الملك عن أجمل فتاة فاستقر رأي الجميع على أن ابنة الملك هي أجمل فتاة مصرية، وكانت تلك الفتاة هي ابنته الوحيدة، فأثار الأمر حزن الملك وحيرته الشديدة.

فعمدت خادمة الفتاة إلى صنع تمثال ونحته على صورتها وتم إلقاؤه في النيل بدلاً منها، وسرّ الأمر الملك حيث نجت ابنته من الموت واستمرت تلك العادة دهوراً طويلة، ففي كل عام يعمد المصريون إلى إلقاء دمية على هيئة فتاة لارضاء النيل.

أسطورة عروس النيل

لكن أثريين مصريين من بينهم مجدي شاكر، كبير خبراء وزارة الآثار في مصر، شكك في الرواية الأولى حيث لم تكن من عادة المصريين ولا من أدبياتهم التضحية بالبشر.

وفي مقالة لها بعنوان “وفاء النيل”، وجدت الدكتورة هند صلاح الدين، الأكاديمية المتخصصة في الآثار بجامعة القاهرة، أن بلوتارخ (ح.45م ـ 125م)، أحد أشهر المؤرخين الكلاسيكيين، هو أول من كتب عن هذا الطقس ومنه نقلت في أكثر من قصة في الأدب اليوناني القديم، إلا أنه أخطأ حيث كتب أنها تضحية بالبشر.

وقالت إنّ الثابت أن المصريين كانوا يلقون بدمية خشبية على هيئة إنسان بل قيل أيضاً إن المصريين كانوا يلقون بحيوان بحري ضخم من نوع “الأطم”، وهو من فصيلة الثدييات ويقترب في شكله من خروف البحر، ويشبه جسده إلى حدّ ما جسد الآدميين.

وفي مقالتها تتحدث الأكاديمية صلاح الدين، عن أنه تمّ الكشف عن ثلاثة لوحات مسجلة بالخط الهيروغليفي في جبل السلسة بأسوان تحتوي على ثلاثة مراسيم تعود لعصور الملوك سيتى الأول ورمسيس الثانى ومرنبتاح فى الفترة ما بين 1300 ــ 1225 ق.م.

تقرّ هذه المراسيم بأن تقام الاحتفالات للإله حعبى أو حابي، مرتين في العام مع أعلى وأدنى ارتفاع للفيضان، وأن يتم خلالها التقرب للنيل بتقديم قرابين مختلفة من الحيوانات والخضروات والزهور والفاكهة، وكذلك عدد من التماثيل الصغيرة لإله النيل نفسه، اعتقاداً أنه لن يفي في العام إذا لم تمارس تلك الطقوس.

كيف تعامل العصر الإسلامي مع فيضان النيل

وعلى الرغم من تشكيك الأثريين المصريين في أسطورة “عروس النيل” التي تلقى في النهر اعتقاداً من المصريين بأنها ستنجيهم بزواجها من الإله “حابي”، فإن المؤرخين المسلمين في فترة العصور الوسطى تحدثوا عن تلك الأسطورة واعتبروها حقيقية.

بل تذكر بعض المصادر أنّ عمرو بن العاص، أول حاكم مسلم لمصر، رفض تلك العادة عند المصريين، ومنع أنْ تلقى فتاة في النيل لتموت غريقة. وربما الهدف من وراء هذه القصة التأكيد على أنّ الإسلام جاء كعهد جديد بهدم ما قبله، وتغيير عادات الشعب المصري، وفقاً لمقولة “الإسلام يجُبُّ ما قبله”، وهو ما ذكره بالنصّ المؤرخ المصري يوسف بن تغري بردي الأتابكي في كتابة “النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة”.

المراسم الدينية في العصور الإسلامية

وفي العصور الفاطمية والمملوكية والعثمانية في مصر، استمرت الاحتفالات بوفاء النيل لكنها أخذت طابعاً دينياً وملكياً. فمما رصده كتاب “متنزهات القاهرة في العصر المملوكي والعثماني”، نقلاً عن موسوعتي “صبح الأعشى” و”خطط المقريزي”، أن الاحتفالات بدأت في العصر الفاطمي ثم العصر المملوكي، واستمرت حتى نهاية العصر العثماني.

وحين كان يعلن الموظف المختصّ أن فيضان النيل بلغ 16 ذراعاً، كانت تقام الحفلات فيخرج الناس للشوارع لرؤية موكب السلطان في مركب خاص يسمى “الحراقة السلطانية”، والتي تسمى أيضاً “الذهبية”، حيث كانت مزينة ومزخرفة، حتى يصل إلى مقر المقياس في جزيرة الروضة (في منطقة المنيل في القاهرة).

وهناك تبدأ عملية “تخليق” المقياس: أي دهان المقياس بالزعفران أو المسك والعنبر المخلوطان بماء الورد، ويهبط “شيخ المقياس” لفسقية المقياس ومعه ذلك الإناء فيخلق عمود المقياس ثم يدهن جوانب الفسقية أيضاً، كعلامة على “الوفاء” للنيل.

ثم يخرج السلطان في موكب مهيب ويوزع على الناس بعض الهدايا والتي كان منها أعطيات ذهبية وفضية وبعض الأطعمة ومنها اللحوم المشوية، ثم يذهب بعد ذلك إلى سدّ الخليج “فم الخليج”، ليضرب السد بمعول من الذهب الخالص ثلاث ضربات بيده لينهمر الماء ثم يحضر العوام بفئوسهم ليكسروا السد كله.

وكان أصحاب المراكب يؤجرون مراكبهم للعوام حتى يرون موكب السلطان والأمراء في النهر . وفي هذا اليوم تغلق الأسواق ويمتنع الناس عن العمل وهو أمر شبيه بالعطلة الرسمية.

بينما يحضر قرّاء القرآن إلى فسقية المقياس ليقرأوا القرآن عندها، كنوع من التبريك، ويستمع العوام والأمراء إلى الغناء بدار ملحقة بالمقياس طوال الليل.

لكن عند تأخر موعد وفاء النيل، كان القلق يدب في كل أنحاء مصر، ويجتمع علماء الدين في جوامع مصر لقراءة القرآن، بينما في القاهرة وداخل مقياس النيل ينزل علماء الدين إلى مقر المقياس ليختموا القرآن بجانب النيل حتى يفي ويعم الرخاء.

وكان المسيحيون يشاركون في عملية استجداء الفيضان، فبحسب ما ذكر القلقشندي في موسوعته “صبح الأعشى”، أنّ المسيحيين في مصر كانوا يخرجون للصحراء في أديرتهم يبتهلون حتى يفيض النيل ويفي تفادياً لسيناريوهات المجاعة.

أشكال مقاييس النيل

عرف المصريون مقاييس النيل منذ القدم فاكتشفت مقاييس في مدن قديمة مثل “عين شمس” وهناك عدد من المقاييس موجودة في المعابد المصرية ترجع للعصر اليوناني والروماني. وفي العصور الإسلامية انتشرت مقاييس النيل بل وأنشئت بأوامر من الخلفاء.
واختلفت أشكال مقياس النيل في عصور عدة حيث بدأت في العصور القديمة على هيئة مدرج من الأعلى نازلاً على النيل، وقد اكتشف أحدهم مؤخراً في محافظة أسوان (جنوب مصر).
أمّا في العصر الروماني، بنيت حجرات مدرجة تهبط لداخل النيل حتى إذا غمرتها المياه عرف المنسوب بدقّة، وفي العصور الإسلامية بداية من العصر العباسي بُنِي عامود حجري طويل وكتبت عليه المقاييس فكانت المياه تغمر الغرفة بينما على الأطراف كانت تحفظ سلالم ليستطلع عليها ولاة الأمور.
وكما تطورت مقاييس النيل وأشكالها، تغيّر التعامل مع فيضان النيل: من رمي الدمى، إلى الطقوس الدينية، إلى ترافق الدعواة مع تقنيات تساعد الناس على معرفة مصير النيل واقتصاد بلادهم.

 

 

صحيفة المرصد

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *