كوش نيوز .. أخبار السودان بين يديك

حصاد الغربة .. الحسنة بي عشرين



شارك الموضوع :

[ALIGN=CENTER]حصاد الغربة .. الحسنة بي عشرين [/ALIGN]
عندما غادر (جاد الله) البلد قبل سنوات، لم يكن في يده من سلاح العلم، سوى شهادة تفيد بأنه اكمل الثانوي العالي بنجاح، وسلاح خبرة يفيد بأنه صاحب سبعة صنايع والبخت ضايع، ولكنه سافر وبقلبه العشم وفي خاطره خطّة عشرية – لا تنقص سنواتها ولا تزيد – يعود بعدها، وقد أنجز واجبه وأوفى وعده، بأن يعين والده بـ حق مدخلات يستعيد بها اخضرار الحواشة بعد يباس، ويكمل نصف دين أخيه طالب العفاف، ويساهم في تكاليف زواج شقيقته المخطوبة، ويغيل عثرة عمه المادية وابن خالته الصحية وو ..وفوق كل ذلك يكون قد اتم بناء بيت يأويه وبنت عمته التي قام قبل سفره بكبّ حباله الثلاثة فيها، على وعد بأن يرسل لهم لوازم ما يلزم لارسالها له (طرد) ..
طوال سنوات وجوده في الغربة، لم يشكو (جاد الله) يوما من أن خيرو لـ غيرو، بعد أن أحبطه الواقع وكذبت موية الغربة مقدرته على العوم في بحر الوعود التي بزلها لمن تركهم خلفه، فكلما قطع بحر إلتزام امتد تاني بحر جديد جعله يحتار ويقيف، وكلما قرر أن أوان العودة قد حان وأنه جمع من المال ما يكفي لبداية مشروع صغير يكفيه شر مرمطة الغربة، جاءه ما يؤخر عزمه لعام آخر فمرة خبر عن احتراق البابور، وآخر يفيد بأن برينسة المصاريف قد (قدّت مكنة)، وثالث به قائمة شنطة الريحة والهدوم لشقيقه الصغير، ورابع جاءه على استحياء يطلب حق السماية وكسوة مولود أخيه من أبيه …
بعد دستة ونصف من سنوات الغربة كان قرار (جاد الله) بالعودة النهائية .. لم يتردد لحظة في ركوب الطائرة والعودة عندما أحس برغبته في أن يرتاح، ويضمد بشوفة الغاليين جراح .. لم يحزن و(ينقهر) عندما قعد ليجرد حصاد غربته، فوجد أنه لم يخرج منها سوى بـ بيت متواضع ضمّه وعياله في طرف الحلّة، وبقرة حلوب مع عجلها الصغير تدبرتها زوجته مستورة الحال من بيع (دهيباتها)، لضمان امدادت اللبن للعيال ..
بطبعة الجود والكرم المغروسة في دواخل الذين، يفضّلون الضيف علي ذواتهم ويقسموا اللقمة بيناتم، كان تصرف (جاد الله) الأريحي ذات عصير، فقد كان يهم بعبور الساحة التي تتوسط الحلّة، عندما وقف في جانبها لوري قد امتلأ صندوقه برجال غرباء يبدو من سيمائهم أنهم من فرسان الخلاء أهل السعيّة ..
ترجل كبيرهم بقفزة من أعلى اللوري، وسأل أحد الصبيان عن (شيخ الحلّة) فأنطلق الصبي نحو مجلس الشيخ في الطرف الآخر للحلّة وخلفه (جاد الله) الذي كان مقصده في نفس الاتجاة ..
بحسبة سريعة تبين (شيخ الحلّة) أن الاعلان عن نفسه سيكلفه مشقة استضافة جماعة الغرباء وتوفير وجبة العشاء لهم، وهو الذي تشكو الفيران من شح فتافيت العيش في مطمورته، فقال للصبي:
أمش آجنا قلّهم شيخ الحلّة مافي .. مسافر
أنطلق الصبي بالرد ولكن عندما مرّ بجوار (جاد الله) استوقفه باشارة من يده، وطلب منه أن يبلغ القوم بأنه هو (شيخ الحلّة)، وأن يرسلهم خلفه إلى منزله ..
فتح ديوانه وهش للقاء الضيوف ثم توجه للزريبة فحمل العجل وذبحه وأمر زوجته بتجهيز العشاء، فلم تطنطن ولم تحتج على روحان (دهيباتها)، بل عكفت على نار طبخها من سكات ..
جلس (جاد الله) يتسامر مع ضيوفه فعلم منهم أن لهم قطيع من الأبقار افتقدوه مع رعاته فخرجوا للبحث عنه .. حضر الطعام فيجلسوا يأكلون فتناهى لاسماعهم صوت البقرة التي افتقدت صغيرها بعد أن عادت من سرحتها .. تيقن الرجال بخبرتهم في أحوال السعيّة، أن (جاد الله) قد جاد عليهم بعجل بقرته الوحيده فأسروها في أنفسهم ولم يظهروها له، وفي الصباح ركبوا اللوري وتوجهوا لمواصلة البحث عن قطيعهم الضائع ..
مرت أيام وذات صباح غادر (جاد الله) داره الصغيرة سعيا وراء رزقه، وعندما تجاوز الباب فوجئ بـ جلبة وكترابة غبار تكاد تصل لعنان السماء، ومن وسط سحب الغبار الذي غطى الشارع برز رجل ميّز (جاد الله) فيه شكل واحد من ضيوفه أصحاب الرايحة .. تقدم الرجل نحوه وقال:
سلام يا ود الكرام الأجواد .. أنا جيتك مرسّل من ضيوفك الأكرمتهم يومك داك .. رسلولك عشرين بقرة هدية من مراحنا الإتلقا وقالولك جزاك الله خير ..
رد (جاد الله) بعد أن ذهب عنه روع المفاجأة وقال للرجل:
يا زول أنا أكرمتكم لله لا داير شكرة ولا جزيّة ….
فقاطعه الرجل في حسم:
هااا زول .. حرّم تقبلا .. الجماعة ديل قالولي: لو أبى يقبل الهدية طقوا أكتلوا وتعال نحنا بندفع ليك ديّتو !!

لطائف – صحيفة حكايات
munasalman2@yahoo.com

شارك الموضوع :

19 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

      1. 1

        هلا هلا دي رجالة السودانيين المافي في الدنيا مثلها
        الله يعطيك العافية يابنت سليمان

        الرد
      2. 2

        والله يا منى إنتي موسوعة عديييييييييييل…
        ربنا يخليك لينا يا ست الكل وأميرة الصحافة…
        ويا رييت لو تكتبي لينا عن قصص الحب والتضحيات الي تكلل بزواج نااااجح بإذن الله..؟
        لأني خاشي القفص الوردي مع ” الهنايا” بعد العيد بإذن الله تعالى….
        وحتوصلك صور الفرح على بريدك الخاص لأنك ((حبيبة وغالية وعزيزة علينا كلناكمان ))..!!

        الرد
      3. 3

        الاستاذه منى:-
        بحقيقة ابدعتى فى هذه الحدوته الحلوة هى حقيقة اولا معاناة الغربة واحلامها والزمن قد تغير كثيرا من الغربة ابان السبعينات فالاجيال الان كبرت ولكن الحياة قد تغيرت لكن سلوك السودانيين الاصيليين لا تتغير بتغير المكان وهذا دليل واضح على سلوك الشخص الذى تصرف مع الضيوف مثل هذه القصة القصيرة تعانى معانى كثير وتثبتها فى نفس الانسان وحقيقة ان الانسان الذى يجود باخر ما عنده لا يفقد شىء بل الله يعوضه بالكثير سوى فى الدنيا او الاخرة هذه حقيقة الله تعالى قال (يؤثرون على انفسهم ولو ان بهم خصاصة) الايثار والاكرام مزية لا تضاهيها مثيل واذا سلك المرء هذا الطريق فاجره عند الله كثير وهذه المزية التى يمتاز بها الشعب السودان نحمد الله عليها كثير فيهم نخوة فيهم قوة كما قال الشاعر السودانى نتمنى ان تظل هذه المزية موجودة ولا تندثر

        الرد
      4. 4

        تسلمى يا الغاليه والله حكاويك دى الواحد بيتوسد فى ضلها من هجير الاحباط العام وطمام البطن البجيك من الجرايد باقان قال المويه قاطعه القساد وهلم جرا
        والف مبروك ياابوهمام وربنا يتمم على خير ويوعدنا يارب

        الرد
      5. 5

        دموعنا قربت تنزل يا استاذه وفي النهايه مع اكتلو بنديك الديه الضحك شرطنا
        دمتي وللامام
        وزي ما قال ليك الاخ ابو همام احكي لينا عن قصص الحب (لكن يكون فيها عبر وموعظه) للجماعه اياهم..

        خارج النص:
        يا ابو همام انتا داير تدبل ولا شنو همام ده امو منو 😀 😀 😀 ;( ;(

        الرد
      6. 6

        البيوت في الكرم خشم بيوت وان كتر المال عند احدهم تجده احيانا اشد بخلا وماسك كلتا يديه الى عنقه … ونجد انسان اخر سواء كان رجلا أو إمرأة لا يلوذون بالضرا من الضيف بل تجده عندهم سجية وبعزم علي المافي .. ففاطمة مرة بنت بلد عندها غنماية واحدة لا قداما ولا واراها ويومها داك قاعدة في بيتها حتى جاها صوت راجل يصفق يديه ، طلعت عليه فقال ليها ادينا موية نشرب نحن جماعة عربتنا اتوحلت في الطين والمطرة حمتنا المشي .. دخلت للبيت وملات الجردل موية وقالت ليهو اسمع امشي وتعال سريع عاوزة اديك اكل .. رجع اخونا علي بالموية للجماعة … لما جا راجع وجد ان المرة حضرت السكين وقالت ليهو اضبح الغنماية دي .. تردد علي في ذلك ، غنماية واحدة ما عندها غيرها وزوجها ما موجود .. لما شافت ترددو قالت ليهو لو ما ضبحتها بضبحها بيدي .. ضبح علي الغنماية وجهزها واعدت لهم فاطمة السمحة سمحة بنت بلدي البتعزم على المافيش الاكل فشبعوا وصاروا يتعجبون في كرمها .. وكان صاحب العربية رجل ود سجادة وعضو بمجلس الشعب الاسببببق ومالو كتير ولم يحرك فيهو هذا الموقف ساكنا ولا شعرة كرم ولا رد جميل ، اكل وشرب وغسل يديه .. الكرم سجية والمغتربون معظمهم طولة غربتهم ضحوا بانفسهم من اجل الاخرين وساهموا في العام والخاص ولكن المجتمع بعد كل هذه التضحيات نسوهم .. واصبح المغترب ذكرى لا غير ولكن رجاؤه ان يضاعف له عمله الى سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ..

        الرد
      7. 7

        منينه .. كيفنك يا الغاليه :
        جاد الله الله يكتر من امثاله ما قصر .. لكن يا ربي الزمن الجميل ده برجع تاني .. وعلى فكره في الغربة كميه من ناس جادالله .. بس الاخلاص قليل ..
        تحياتي للفاتح والحلوين ..
        مودتي لك ..

        ام احمد

        الرد
      8. 8

        إشهد الله بالغتى عديل كده . خيالك افرح الحزنان سنين ما ابتسم والاجمل لو
        ماقبل الهدية طقوا اكتلوا والدية علينا . حيرتينا ياام اسامة . لك الود يابت الكرام

        الرد
      9. 9

        أبو همام عجبنا ليك وده اليوم الدايرنو ليك .. ربنا يتم على خير وتجيب لينا همام القاعد تنظر بيهو من زمن بمناسبة الكديسة .. أتاريك بكاي ونحنا ما عارفين 😎 :lool:

        الرد
      10. 10

        الأخت منى عندي ملاحظة على بعض تعليقات القراء فالبعض يكتب الاية من القران خطا .. فارجو ان تراجعي التعليق فن وردت فيه اية من القران فيها خطا كتابي ان لا ينشر التعليق .. فاية اوردها احد الاخوة خطا والصحيح ( ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ..( وليس ولو ان بهم خصاصة ) .. وتقبل تقديري لك وللقراء..

        الرد
      11. 11

        شكراً ليك أخوي عاصم ما قصرت وعقبالك يا رب وكل الشباب وربنا يحقق الأماني..
        وشكراً لأخوي محمد MOHAMED… وعلى فكره همام دا لسع في ركب أبوه….!!
        وأنا والهناي متفقين على كل حاجة حتى أسماء الأولاد والبنات أخترناها وأتفقنا عليها قبل الزواج ومن أيام الخطوبة…!!
        وربنا يحقق الأماني …. وعقبال كل الشباب والبكارى يارب….

        الرد
      12. 12

        وأمر زوجته بتجهيز العشاء، فلم تطنطن ولم تحتج على روحان (دهيباتها)، بل عكفت على نار طبخها من سكات ..

        دى سهرة من الأمس ناس ليلي هوووووى يا ليلي والرك يكشكش والشيالين واقفين وراء الفنان , لكن هسى زمن التيك اوى والهيلاهوب نقناقة تنقنقى وما فى حل غير تطلقى ..

        الرد
      13. 13

        ابو همام الف مبروك وربنا يتم ليك على خير وتعيش حياة حلوة ومليئة بالسعادة ..

        لكن نصيحة ليك خليك مع قصتك الحلوة دى مالك ومال قصص الناس خليك طوالى حالم وهايم وسمي من هسي وتغلبا بالعيال وتغلبك بالاسامي..
        0|

        الرد
      14. 14

        الأخت القاصه الرائعه ، قصتك رائعه ، وختمتك لقصصك قاعده تضحكنا لاااامن تقطع مصارينا شكيتك لي الله والله يجازيك وأضحك الله سنك . القصه دي دسمه ومليئه بالقيم وأعتقد ظانا بأنك قصدتي بها التلطيف على المغتربين ورش الأمل عليهم بأن جمايلهم مابتضيع ولو بعد حين ، فزارع المعروف لن يعدم من يجازيه فالعطيه التي جاءت لي أخينا ” جاد الله ” وهو إسم على مسمى ، هي جائزته ليس لكرمه وشهامته ومرجلته مع جماعة اللوري بتاعين السعيه ، بقدر ما هي جزاء لكل جمايله بمشوار الغربه ، لكن بصراحه المحيرني ومحير غيري هو كيفن شيخ الحله بتاعتك دي يكون راجل جبان وبخيل بالصوره دي !!! طبعا المفروض شيخ الحله الحقيقي يكون أخينا العم ” جاد الله ” . سبحان موزع الأرزاق : رزقا تكوسو ورزقا يكوسك ، أصل لو الأمور مشت عادي كان الرزق من نصيب شيخ الحله !!! والرزق بينزل مقسم للبجاهد والمعسم !!!! وزي ما قال شاعرنا : … لا جود يفقر … ، تحياتي ومزيدا من القص .
        عماد الدين محمد الحسن عثمان .

        الرد
      15. 15

        شكراً ليك أخوي ((نزار الجمري)) على الدعوات الصادقة..!!
        أما عن قصة ريدنا ومشوار بكاي “يا منو” حتوصلك القصة كاملة إن شاء الله بعد إكمال باقي السيناريو…عشان تكتبيها بإسلوبك الشيق ذو الخيال الواسع…لتكون نبراساً لكل العاشقين الولهانين والحالمين بيوم اللقيا يوم الفرح الكبير…!!
        ======
        غايتو …….قصة حلوة وجميلة مليئة بالتضحيات وصبر إمتد لي سنوات وسنوات… ولحظات تحبس الأنفاس مرت كالدهر والسنين العجاف…!!!
        حتى تحقق الحلم…؟

        الرد
      16. 16

        وديني يا منينه دي قويه عديييييييييييييييييييييييييييييل بس شيخ حلتك طلع جبنه ومظفره كمان
        لكن شكلو مسخن هو التاني كمان لا نو ذي ما قلتي ما في فتات عيش يعني الحاله يعلم بيها الله
        بس بتكون عندو كم بقره وكم قعود ما بعدم لانو شيوخ الحله ديل قالو اقلبم مؤتمر وطنييييييييييييييييي هههههههههههههههه

        الرد
      17. 17

        لقد قرات مقالك (حصاد الغربة الحسنة بي عشرين) لقد شدني المقال لما فيه من واقع يحكي أحوال المغتربين وهم يقاسون الأمرين من فراق أهل ومن خذلان أمنيات ، وبالرغم من انهم لم يبخلو بقليلهم ولم يضنو بكثيرهم لعلمهم أنهم لم يرحلو عن ديارهم لأنفسهم فقط وزي ما قالو (الداب نفسو مقصر) بل ليحسنو حال أهلهم جميعاً وقد تمتد أيديهم لأبعد من ذلك في مساهمتهم في أفعال الخير .. هي أشياء موجودة فينا بحكم البيئة التي غرست فينا هذه الجينات من تكافل ومشاركة في السراء والضراء

        الرد
      18. 18

        صراحة شباب الأستاذة منى ختت يدها علي جرح كبير، بس الجميل في موضوع عمك دا انو الغربة ما محت منو اصلو والأغرب بقينا نلقى نماذج كتيرة في الغربة متمسكة بالشئ الاصيل الجواها ولما نرجع نلقى كتير من الهناك فارقوه وصدقوني الغربة قلاية يا بقيت دهب ونضفتك يا بقين نحاس وروحتك.

        الجاية من الله بتقبلا الواطة والله نسأل نبقى زي عمك دا ونرضى بالسلامة من الإياب والغربة ما تمحى الفينا ولا تبقينا جلاليب بس دا إن فضلت لينا جلاليب.

        الرد
      19. 19

        علي الطلاق جادالله راجل والرجال الجابو الهدية رجال وانت مرة فوق النسوان زايدة:cool: 😎 😎

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.