كوش نيوز .. أخبار السودان بين يديك

الصلعة المقابلة الحر



شارك الموضوع :

[ALIGN=CENTER]الصلعة المقابلة الحر ..!![/ALIGN]
ليس من السهل تصنيف افراد أسرة (عميرة) بأنهم ناس عاقليين وعاديين، كما أن هناك الكثير من الظلم والاجحاف في الوصف الذي اطلقه عليهم أطفال الحي، فكلما اراد احد الاطفال الشكوى لاهله من تعدي أحد ابناء (عميرة) عليه بالضرب، اشار إليهم بذلك الوصف في شكواه فيقول مثلا:
موسى ود الناس (العورة) .. دقاني !
كان ذلك الوصف من ضمن اوصاف ونعوت كثيرة اطلقها اهل الحي صغارهم وكبارهم على تلك الاسرة .. (بيت المجانين) (بيت الناس العويرين) ولعل اخفها (بيت الدراويش) أو (الناس المكشكشين).
للتأكيد على اصالة شيء ما ونقاوة جوهره نقول بأن هذا الشيء (أمه بت عم ابوه)، ولعل تلك هي علة أهل بيت الدراويش، فقد كانت (أمونة) بت عم زوجها (عميرة) لزم، وبنت خالته في نفس الوقت .. بل أن اسلافهم لغيوت سيدنا آدم كانوا (ده بيبقى لي ده) ولم يدخل في نسلهم غريب ولو من باب التجديد .. لذلك كان ظهور الضعف بين اجيال تلك الاسرة، والذي تبدى في انخفاض مستوى الذكاء وضعف المقدرة على التصرف بـ (معقولية) وليس بالضرورة بـ (عقلانية) مع محيطهم الاجتماعي، نتيجة حتمية لسلسلة زواج الاهل بينهم، ولعل ذلك العجز عن التفاعل العقلاني حسب معايير الآخرين، هو السبب في نعتهم بـ (الدروشة) والتي حولتها صراحة العيال الجارحة لـ (العوارة ).
كان (عمر) شقيق (امونة) الشاب يعيش معهم ايضا بعد وفاة والديه، ورغم انه في اواخر العشرينات من عمره فهو يتميز بطيبة وتلقائية وسذاجة الاطفال .. سماه اهل الحي (جكسا) لاصراره طول الوقت على لبس (الردة) أو الشورت، وعشقه للعب الدافوري مع صبيان الحي، لان من هم في سنه من الشباب قد انشغلوا بهموم العيش والتفكير في الزواج، بينما عاش هو على الاعراف ما بين جنة الطفولة ونار الشباب .. كان بتلقائيته يقتحم بيوت أهل الحي فيحسنوا استقباله بينهم ويطعمونه الطعام، فينكب عليه بنهم بعد أن يشترط على اهل الدار كتمان أمر زيارته لهم عن شقيقته (امونة) فيقول:
باكل معاكم بس على شرط .. أوعى تقولوا لي أمونة جكسا اكل معانا .. عشان ما تدقّني!
بالاضافة للعب الدافوري والتطفل على موائد اهل الحي، كان لـ (عمر جكسا) هواية أخرى، فهو يعشق الافلام الهندية ويحفظ اغانيها وإن ظلت كل بطلات تلك الافلام في ذهنه هي (سبنا) وكل الابطال هم (شامي كابور)، لذلك كانت تلك الهواية مصدر تسلية لرجال الحي في الامسيات، حيث ينادونه ليطلبوا منه تمثيل (فليم هندي) لهم ويقولوا:
يللا .. رقصة يا جكسا !
فيقف منتشيا ويفرد زراعيه في الهواء ويصيح بصوت مبحوح:
(ماري مهبّتا سدارا هي هي )
ثم ينهمك في الرقص بخطوات قصيرة مسرعة يتحرك فيها مسافة نحو اليمين .. ويتوقف برهة يحرك رأسه فيها بخفة ناحية اليسار دافعا بشعره السبيبي الاسود الطويل للجهة الاخرى بحركة سينمائية، قبل ان يواصل انطلاقته على الانغام التي يصدرها من فمه بصورة مضحكة:
دليكي ديكو .. دليكي ديكو .. دليكي ديكو
وكان البعض الاخر من اهل الحي يعتبرونه (زول بركة) لتعلق قلبه بالمساجد، فما ان يؤذن المؤذن للصلاة حتى يدع ما في يده وينطلق للمسجد لاداء الصلاة في جماعة ولا يفوت فرضا ..
كان قد ادى فريضة المغرب في جماعة ذات مساء، ولكن المصليين لم ينفضوا بعد انقضائها، لحضور الدرس الذي يقيمه (الشيخ) كل ثلاثاء، في الفترة بين صلاتي المغرب والعشاء .. لم يغادر (جكسا) المسجد ايضا وجلس في آخر الصفوف ليستمع إلى الدرس .. انشغل طول الدرس باللعب بأصابع قدميه والحركة القلقة غير المستقرة .. فمرة يجمع ساقيه ويثنيهما تحته، ولكن عندما يغالبه الشعور بـ (التنميل) ويغلبه .. يغير من وضعهما فيمدهما امامه حتى (يدقس) بها ظهر من يجلس امامه .. وهكذا حتى دخل وقت العشاء، وعندما رفع المؤذن الآذان توقف (الشيخ) من الكلام لحين انهائه، ثم واصل حديثه ولعله اراد اكمال درسه بسرعة قبل اقامة الصلاة، ولكن (جكسا) انتصب واقفا وصاح منبها الامام:
الصلاة .. يا مولانا الصلاة !!
ولكن (الشيخ) اختار ان يتجاهل تنبيهه لسابق معرفته به، فاستمر (جكسا) في ترديد تنبيهه للشيخ كي يقطع درسه ويقيم الصلاة في اصرار:
الصلاة يا مولانا .. الصلاة يا جماعة .. هوي انتوا .. الصلاة يا اخوانا !!
تملكه الغيظ الشديد من هذا التجاهل، فوقف بالقرب من مجلسهم واقام تكبيرة الاحرام بصوت عالي ثم اكمل صلاة العشاء وحيدا، وبعد السلام انحنى وحمل حذائه تحت ابطه وغادر المسجد دون ان ينسى قذف الجميع بدعوة شاملة قائلا:
(الصلعة المقابلة الحر ان شاء الله)!

لطائف – صحيفة حكايات
munasalman2@yahoo.com

شارك الموضوع :

5 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

      1. 1

        الاخت منى والله انا معجبة بكل ما يخته يراعك واول ما افتح الجهازبذهب لعمودك مباشرة لاجد لذيذ الحديث وعزوبة السرد كما ان حديثك لا يخلو من الحكم والطرافةوالواقع السودانى المعاش فانى احس بان كلامك موجود فى كل حى وان شاء قلمك ما ينكسر :lool:

        الرد
      2. 2

        الاستاذة الرائعة / منى
        لقد كنتي بارعة في وصف شخصية جكسا هذه الشخصية موجودا حولنا لم ننتبه لها بل جسدتيها امامنا حتى الرقصة (الهندية )ظننتك فيها انك مخرجة افلام هندية.والصلعه المفابله الحر شوقتينا ليها حتى ظننا انا الموضوع ليس له علاقة بالصلع فطلع الامام اصلع. انت رائعة (تخريماتك) عجيبة و(مداخلاتك) فريدة

        الرد
      3. 3

        يا مخرجة انتي .. طبعا نقلك كان صوره وصوت..
        اتوقعت جكسا دا ( بموووت في الباااسطه طلما جنو افلام هنديه ) :lool:
        دمتي…

        الرد
      4. 4

        تحياتى لك الانيقة والمبدعه دوما الاستاذة منى

        الرد
      5. 5

        المره دى غيرت من حكى الحبوبات لى حكاوى الشفع ( بالله ده منو من اولادك الحكى ليك القصة دى) غايتو انا المره دى ما عجبنى الموضوع.
        وكمان طماع عايز فى المرات الجاية تتناولى لينا باسلوبك الجميل ده آداب الزيارة وعادات السودانيين فيها ( بس مش من حكاوى حبوباتك لانهم هم زاتهم مفروض يوروهم الموضوع ده، الواحد يزورك انصاص الليالى والبنوم من المغربية يدخلو فى اضافرينو)
        تحياتى

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.