|
ولماذا لا نتعلم من عيالنا (2)
01-28-2013 08:17 AM
ولماذا لا نتعلم من عيالنا (2)
اعتقد ان الأجيال التي جاءت بعد جيلنا أكثر وعيا و«معرفة» من جيلنا عندما كنا في سنهم.. صحيح ان عودنا الأكاديمي في مراحل الطفولة والصبا الباكر كان أقوى من عود عيالنا، ولكن معرفتنا بالأشياء التي من حولنا ودلالاتها كانت ضعيفة وسطحية.. كنا بلهاء إلى حد كبير، ولا نميّز بين الجرجير والشعير، وكانت أمي مثلا تتولى شؤون استحمامي في الطشت وأنا في نحو العاشرة.. وكان أقراني في البيوت الأخرى يتعرضون لنفس الحمام الإجباري، وتتناهى صيحاتهم إلى الجيران كلما تسللت رغوة صابون حبوبة فاطنة إلى عيونهم، ذلك أننا لم نكن نهتم بنظافة أجسامنا أو ملابسنا.. أما عيال اليوم فإنهم يرفضون ان يتولى شخص «تحميمهم» بعد ان يبلغوا الخامسة.. المهم أننا كنا متسخي الثياب والأبدان، وكان متوسط دخل الفرد منا من الذباب نحو خمسة آلاف يوميا.
كان ذلك في زمن كانت السلطات الصحية فيه ترش البيوت بالجمكسين القاتل للحشرات، وترش البرك بالمبيدات، وتعطي كل بيت حصته من الفنيك لتطهير المراحيض.. نعم دخل الفرد في السودان من الذباب ارتفع اليوم إلى نحو نصف مليون ذبابة يوميا بفضل التنمية الشاملة التي شهدتها البلاد، وبفضل تكاثر سكان المدن بنفس وتيرة تكاثر الذباب (يعني بدلا من أن تتحول القرى إلى مراكز حضرية تحولت المدن إلى أرياف!) ولكن أطفال اليوم لا يؤيدون مثل أبناء جيلنا تطبيع العلاقات مع الذباب،… عيالنا يعرفون الرام والروم.. وكانت على أيامنا من أسماء الخمور! هم يقيسون الأشياء بالكيلو والميجابايت.. بينما كنا نأكل كل ما هو «بايت» من دون ان نعرف قياسه ووزنه.. كان تمام المعرفة بالجغرافيا على أيامنا ان نذهب في رحلات افتراضية إلى بورتسودان وشيكاغو وعطبرة (حيث ركبت من هناك القاطرة)، ولكن عيالنا يعرفون الكثير عن مدريد وريال مدريد وتورا بورا، ولم يعودوا يوجعون رؤوسهم بمعرفة جغرافية الوطن، لأنها صارت تتبدل يوميا، فالقولد التي درسنا عنها في أول درس جغرافيا - مثلا - قد تكون في المحافظة الشمالية في سنة 2009م، ولكنها قد تتبع محافظة كسلا في العام الذي يليه وبعد «تقاسم السلطة» قد تصبح جزءا من حلايب… أي بلا هوية او انتماء قاطع!
ويغيظني أبناء جيلي عندما يتحدثون عن طفولة جميلة وهمية! ما الذي كان جميلا في طفولتنا وقد كنا ننال الضرب بالكرابيج والخيزران في المدرسة، وبالبراطيش وسير المحفضة (محفظة النقود التي كانت تتدلى من أعناق أمهاتنا بسيور جلدية) في البيوت، ومازال جسمي يرتعد كلما جاء ذكر اسم مدينة الفاشر عاصمة دارفور، لأن اسمها ارتبط في ذهني بالمركوب الفاشري المرصع بالمسامير والذي كانت ضربة منه تسبب حبس البول لمدة أسبوع!! عيال وشباب اليوم نظيفون وفهمهم العام للأمور ينم عن وعي كان ينقص أبناء جيلي.. وإذا كانوا يعانون من الضعف الأكاديمي ولا يحفظ من كان منهم في سن الخامسة عشرة جدول الضرب او لا يحسن كتابة كلمة «إجراءات»، فذلك لأن جيل الكبار خذلهم وألحقهم بنظام تعليمي مهلهل.. وبدأ تسييس المناهج المدرسية على عهد نميري وبعد ان كانت «أ»: أسد صارت «أركان حرب»، وبعد ان كانت «ض» ترمز لـ«ضرب» صارت ترمز لـ«ضابط».. وفي السنة الأولى بعد أن قام الجنرال نميري بطرح منهج يمجده ويمجد العسكرية بوجه عام، سأل المدرس الولد وهو يشير إلى صورة ضابط في كتاب القراءة: ض شنو؟ فقال: ض زول!! فنال عدة ضربات، مع انه لم يخطئ، فالضابط في المقام الأول والأخير «زول».
جعفر عباس
jafabbas19@gmail.com
|
خدمات المحتوى
|
جعفر عباس
تقييم
الاكثر مشاهدةً/ق/ش
الاكثر مشاهدةً/ش
الاكثر تفاعلاً/ش
الاكثر مشاهدةً/ق
|