|
علب
من صناديق ووضعها
على الرف
بعد ذلك تحرك محجوب وجلس قبالة
الدكان ، ليس على الكنبة ولكن
على الرمل مكانهم المفضل ، حيث
ضوء المصباح يمسهم بطرف لسانه .
فإذا ماجوا في ضحكهم أحيانا
تراقص الضوء والظل على رؤوسهم ،
فكأنهم غرقى في بحر يغطسون
ويطفون ، بعد ذلك جاء أحمد
إسماعيل يجرجر رجلية كعادته ،
واستلقى بظهره على الرمل قريبا
من محجوب دون أن يقول شيئا ، ثم
جاء عبد الحفيظ وحمد ود الريس ،
وكانا يضحكان لم يسلما على
صديقهما ، وهذان لم يسألاهما عن
سر ضحكهما ذلك شيء آخر في تلك
الفئة . كانوا يعلمون ، بطريقة
ما ، ما يدور في ذهن كل منهم دون
سؤال ، وقال محجوب بعد أن بصق
على الأرض : " أنتو لسع في
حكايات سعيد البوم " ؟ كان
أحمد إسماعيل قد انقلب على بطنه
فقال وكأنه يحدث الرمل " "
لازم المره عاوزه تطلقه " .
وقال عبد الحفيظ في مرح ، أن
زوجة سعيد البوم جاءته في الحقل
وقالت له وهي تبكي أنها تريد أن
تطلق من سعيد . ولما سألها عن
السبب قالت له أن سعيد كلمها
كلاما قاسيا في الليلة الماضية
وقال لها امرأة " جيفة " -
هكذا لأنها لا تتعطر ولا تنزين
كبقية النساء . ولما قارعته
الكلام ، صفعها على وجهها وقال
لها : " امشي اخدي دروس من بنات
الناظر " . وكان الطاهر
الرواسي قد وصل أثناء ذلك وجلس
في هدوء في المكان والذي لا يصله
النور من بقعة الرمل . ضحك وقال :
" المسنوح
يمكن قايل للناظر بيعرس له
واحده من بناته " . وقال عبد
الحفيظ أنه طيب خاطر المرأة
ودورها إلى بيتها وقال لها أنه
سيجيئهم ليكلم سعيد وفعلا غدا
إليهما وقت الظهيرة . لكنه تريث
عند باب الدار ، فقد وجده مغلقا
، وسمع داخله ضحكات سعيد وزوجته
، ضحكات هنيئة منشرحة ، وسمع
سعيد يقول لزوجته ، وكأنه يعض
أذنها : " ابكي يا خيتي ابكي
" . وضحكوا كلهم : كل واحد منهم
على طريقته : أحمد إسماعيل يكركر
بضحك يزمجر بين بطنه وصدره .
ومحجوب يضحك في فمه ويحدث طقطقة
بلسانه ، وعبد الحفيظ يضحك
كالطفل . وحمد ود الريس يضحك
بجسمه كله ، وخاصة رجلية
والطاهر الرواسي يمسك رأسه
بجماع يديه حين يضحك ، وكان سعيد
في دكانه ، فضحك ضحكته الخشنة
التي تشبه صوت المنشار في الخشب
، وقال محجوب : " المسنوح كيفن
قدر في الحردا ؟ " . واستمر
حديثهم هكذا حديث منقطع تتخلله
فترات صمت . ولم يكن صمتهم ثغرات
في الحديث بقدر ما كان امتدادا
له ، يقول أحدهم جملة مبتورة :
" ... ما عنده فهم " ويقول
الآخر : " ... الفاضي يعمل قاضي
" . ويضيف الآخر : " ... زمان
قلنا لكم طلعوه من اللجنة
قلتولا " . ويقول الآخر : " ...
بإذن الله دي آخر سنة ليه " .
ولا يدري الغريب عنهم عمن
يتكلمون . لكن ذلك شأنهم ،
يتحدثون وكأنهم يفكرون جهارا ،
وكأن عقولهم تتحرك في تناسق ،
وكأنهم بشكل أو بآخر عقل كبير
واحد يمضي الحديث رتيبا مثل هذا
، ثم يذكر أحدهم عرضا جميلة أو
حادثة تثير خيالهم جميعا في وقت
واحد ، وفجأة تسرى فيهم الحياة
فكأنهم كومة قش أشعلت فيها
النار ، يستوي جالسا الذي كان
راقدا على ظهره ، ويضم الآخر
ذراعيه على ركبتيه ويقترب الذي
كان جالسا بعيد إلا . ويخرج سعيد
من دكانه ، يقتربون بعضهم من بعض
حينئذ . كأنهم يتحركون نحو تلك
النقطة ، ذلك الشيء في الوسط
الذي يسعون إليه جميعا يميل
محجوب إلى الإمام ، وتنغرس يدا
أحمد إسماعيل في الرمل ، ويضغط
ود الريس بيديه على رقبته . هذه
هي اللحظة التي تلمحهم فيها ،
بين النور والظلام ، وكأنهم
غرقى في بحر ، وأحيانا يحتدون في
كلامهم ، يتشاجرون ، تخرج
الكلمات من أفواههم كأنما قطع
من الصخر ، تتقاطع جملهم ،
يتحدثون في آن واحد ، ترتفع
أصواتهم ، في مثل هذه الحالات
يظن الغريب عنهم أنهم غلاظ
الطبع ، لهذا تختلف الآراء عنهم
، حسب اللحظات التي يراهم فيها
الناس ، بعض أهل البلد
يعتبرونهم صامتين قليلي الكلام
، لأنهم يصادفونهم في إحدى تلك
الحالات ، حين يقف حديثهم عند
" آ " و " أو
" و " لا " و " نعم " .
وبعض الناس يقولون عنهم أنهم
" ضحاكون " كالأطفال ،
لأنهم صادف أن وجدوهم في إحدى
حالات غرتهم ، ويحلف موسى
البصير أنه زامل محجوب إلى
السوق - مسافة ساعتين بالحمار -
فلم يقل له كلمة واحدة . كان
الناس يبتعدون عن مجالسهم ،
لأنهم حينئذ يحسون إحساس الغريب
، وكانوا هم يفضلون ألا يكون
بينهم غريب ، كانوا
كأنهم توائم ، ولكن إذا عاشرتهم
مدة تدرك الاختلافات التي تجعل
كلا منهم فردا قائما بذاته .
أحمد إسماعيل بحكم سنة ، كان
أميلهم إلى المرح ولم يكن يبالي
إذا انتشى بالخمر في المناسك ،
وكان أحسنهم رقصا في الأعراس
وعبد الحفيظ كان أكثرهم مجاملة
للناس الذين لا يفكرون مثل
تفكير " العصابة " ، كما
كانوا يسمون أنفسهم ويسميهم
الناس ، كان هو الذي ينبههم إلى
أن ابن فلان تزوج ، وفلانا مات
أبوه ، وفلانا عاد من السفر ( من
سكان الأحياء البعيدة عن حيهم )
فيذهبون جماعة في الغالب
للتهنئة أو للتعزية ، وكان
أحيانا يذهب للمسجد للصلاة
ويحاول ألا يقول لهم ، وكان
الطاهر الرواسي أقربهم إلى
الغضب وأسرعهم إلى إمساك عصاه ،
أو سحب سكينة في أوقات "
الزنقة " ، وكان سعيد أحسنهم
في محاجبة الحكام ، يسمونه "
القانون " . وكان حمد ود الريس
ذا أذن حساسة لأخبار الفضائح
يجمعها من أطراف البلد ، من
الأحياء البعيدة . ويلقيها
عليهم في أوقات معينة في
مجالسهم . وكانوا يندبونه في
الغالب لمعالجة مشاكل النسوان
في البلد . وكان محجوب أعمقهم
وأنضجهم . كان مثل الصخرة
المدفونة تحت الرمل . تصطدم بها
إذا عمقت في حفرك . وكانت صلابته
تظهر في الأزمات الحقيقة : حينئذ
يصير " ريس المركب " ، يأمر
وهم ينفذون . جاءهم مرة مفتش
جديد للمركز اجتمعوا به مرة
ومرتين . تحدثوا إليه ، وتناقشوا
معه . ثم قرروا فيما بينهم أنه
غير صالح . وبعد شهر تأزمت
الأمور ، فقد قال المفتش لبعض
الناس أن " عصابة محجوب "
تسيطر على كل شيء في البلد : فهم
أعضاء في لجنة المستشفى ، ولجان
المدارس ، وهم وحدهم لجنة
المشروع الزراعي ووصل إليهم أن
المفتش قال : " ما فيش في البلد
رجال غير الجماعة دول ؟ " لما
تشاوروا في الأمر بينهم ، كانوا
أميل إلى الرضوخ للمر الواقع ،
وبعضهم عرض أن يستقيل من عضوية
اللجان التي هو فيها ، ولكن
محجوب قال : " ما في إنسان
يتحرك من مكانه " ثم لم يلبث
المفتش غير شهر آخر حتى نقل كيف
تم ذلك ؟ لمحجوب أساليبه الخاصة
. في الحالات القصوى .
كانوا
يضحكون ، حين سمعوا الزين يشتم
بأعلى صوته : " الراجل الباطل
، الحمار الدكر " . ووصل عندهم
. فوقف برهة فوقهم. ساقاه
منفرجتان ، ويداه على خصره كان
نصفه الأعلى كله في الضوء
ولاحظوا أن عينيه محمرتان أكثر
من إحمرارهما الطبيعي قال
الطاهر الرواسي : " واقف فوقنا
مالك داير تشرب دمنا ؟ يا تقعد
يا تغور " . وقال أحمد إسماعيل
: " لازم الزين سكران الليلة
" . وقال عبد الحفيظ : " اقعد
خد لك نفس " . وقال حمد ود
الريس : " قالوا الليلة كت في
حوش العمدة . شن مشيث تكوس ؟ البث
وعرسوها ، تاني شن داير ؟ "
وأمسك الزين السيجاره من عبد
الحفيظ وجلس صامتا وأخذ ينفخ
فيها بغيظ . ضحك الطاهر الرواسي
وقال له : " مو كيدي يا مرمد .
عامل نفسك فنجري ومتعلهم
السيجارة ماك عارف تشريها جرها
لي ورا ، أي كدي .. زي كأنك تمص
فيها " ونجح الزين في جذب
الدخان إلى فمه فلفث منه غمامة
كبيرة ، وقفت ساكنه برهة ثم ذابت
في خيوط دقيقة ، بعضها نجا نحو
الضوء والآخر اختلط مع سواد
الليل في الجانب المظلم وجاء
بدوي من عرب القوز يقصد الدكان
ونص رطل شاي " . وقال أحمد
إسماعيل : " العرب ديل كل
قروشين مودرنها في السكر والشاي
" . وهنا صاح الزين بسعيد : "
خلي المره تعمل شاي مضبوط
باللبن . يكون مضبوط " . ثم
نادى من شباك يصل بين المتجر
والدار خلفه : " اعملوا قوام
شاي ثقيل باللبن للزعيم "
وانتعش الزين . فقال برمح : "
أنا راجل راجل في البلد دي ولا
لا ؟ " فقال له الطاهر : "
طبعا " . " طيب ليه الحمار
الدكر ويروح لي عمي ويقول له
الزين مش راجل بتاع عرس ؟ "
وقال محجوب : " الداهي بقي
افرنجي . وين عرفت الفصاحة دي ؟
مش راجل بتاع عرس ؟ " وقال ود
الريس : " الإمام غاير منك .
داير المره لي رقبته " . فقال
الزين :" بت عمي ولا لا ؟ يروح
يشوف له بت عم " . قال له محجوب
بحزم : " العقد يوم الخميس
الجايي : يعد دا ما فيش طرطشة
ورقيص وكلام فاضي . سمعت ولا لا
؟
سكت
الزين :
وسأله
الطاهر الرواسي : " منو القال
لك ؟ " فقال الزين " هي
نفسها كلمتني " .
كان
محجوب ممدا رجليه على الرمل ،
متكئا على ذراعيه فلما سمع هذا ،
تشنج جسمه كأن أحدا قرصه ،
واستوى جالسا : " هي
بنفسها كلمتك ؟ " اي . جاتني
الصباح بدري في بيتنا . وقالت لي
قدام مي : يوم الخميس يعقدوا لك
على . أنا و أنت نبقي راجل ومره
نسكن سوا . ونعيش سوا " .
وارتفع صوت محجوب من فرط حماسته
. وقال في إعجاب ليس له حد . "
على باليمين مره تملأ العين
طلاق . بت ما ليها أخت " . وجاء
سعيد يحمل الشاي فقال له محجوب :
" سمعت الكلام دا ؟ البت مشت
كلمته بنفسها " . فقال سعيد :
" بت عنيدة رأسها قوي ربنا
يستر " صمت الباقون برهة ولكن
محجوب ضرب فخذه براحة يده عدة
مرات وقال هو يتلفت يمينا
وشمالا بحماسة وانفعال : "
يمين
الزين ماش يعرس له بتا تمشيه فوق
العجين ما يلخبطه " .
وشرب
الزين الشاي في صخب كعادته ، يمص
الشاي مصا له زئير وفجأة وضع
الكوب من يده ثم ضحك وقال في
سرور : " الحنين قال في قدامكن
كلكم : باكر تعرس أحسن بت في
البلد " . ثم انفجر بزغرودة
عظيمة كزغاريد النساء في العرس
، وصاح بأعلى صوته :" أروك يا
ناس الغريق يا أهل البلد ، الزين
مكتول . كتلته نعمة بنت الحاج
إبراهيم " وصمت بعد ذلك فلم
يفه بكلمة . ولم
يلبثوا أن سمعوا صوت سيف الدين (
انتصارا آخر للإمام ) يؤذن لصلاة
العشاء فسرت فيهم حركة خفيفة
جدا . تنحنح محجوب وحرك أحمد
إسماعيل أصابع قدمه بطريقة لا
شعورية ، وتنهد عبد الحفيظ ،
ومال الطاهر الرواسي إلى الوراء
قليلا ، قال سعيد : " أشهد ألا
ه إلا الله " وراء المؤذن بصوت
خافت ، ونفخ حمد ود الريس في رمل
لا وجود له من يده ولما انتهى
الآذان وسمعوا صوت الإمام ينادي
في صحن المسجد : " الصلاة
الصلاة " قام كل واحد منهم إلى
بيته ليحضر عشاءه وكما يصلي
الناس جماعة في المسجد ،
سيتعشون هم مجتمعين جالسين في
دائرة حول صحون الطعام ، يرف
عليهم ضوء المصباح الكبير
المعلق في متجر سعيد . يأكلون
بنهم ، شأن الرجال الذين تعرق
جباههم من الجهد سحابة يومهم ،
يأكلون الدجاج المحمر
والملوخية بالمرق . والبامية
المصنوعة في الطاجن في كل ليلة
يذبح أحدهم إما شاة صغيرة وإما
حملا . ويغدو عليهم أطفالهم
بمزيد من الأكل ينزل الصحن
مليئا وما يلبث أن يرتد فارغا
هذا الوقت من الليل هو قمة يومهم
: لمثل هذا تعمل زوجاتهم من طلوع
الشمس إلى غروبها . يأتيهم المرق
في صحون عميقة واللحم المحمر في
صحون بيضاوية واسعة يأكلون
الأرز وخبزا سميكا من القمح ،
وفطائر رقيقة تصنع على صاجات
ملساء من الحديد ، يأكلون السمك
واللحم والخصار ، والبصل والفجل
لا يبالون ماذا يأكلون . حينئذ
تتوتر عضلاتهم ، ويصبح حديثهم
حادا مبتورا ، يتحدثون وأفواههم
ملأى . ويأكلون في صخب . تسمع
صرير أسنانهم وهي تمضغ الطعام .
وإذا شربوا قرقرت حلوقهم بالماء
يتكرعون بأصوات عالية ويمصمصون
بشفاههم . وحين ترتد الأواني
فارغة ، يؤتى بالشاي ، فيملأون
أكوابهم ، ويشعل كل واحد منهم
سيجارة ، ويمد رجليه ويسترخي في
جلسته . يكون الناس قد فرغوا من
صلاة العشاء يتحدثون في هدوء
وقناعة ولعلهم حينئذ يشعرون ذلك
الشعور الدافئ المطمئن . الذي
يحسه المصلون وهم يقفون صفا خلف
الإمام . كتفا بكتف ينظرون إلى
نقطة بعيدة غامضة تلتقي عندها
صلواتهم . في هذا الوقت تخف
الحدة في عيني محجوب . وهما
سارحتان في الخط الضئيل الباهت
الذي ينتهي عند ضوء المصباح
ويبدأ الظلام ؟ ) يعمق صمته
وقتذاك ، وإذا سأله أحد أصدقائه
فلا يسمع ولا يرد . هذا هو الوقت
الذي يقول فيه ود الريس . فجأة
جملة واحدة كأنها حجر يقع في
بركة : " الله حي " ، ويميل
أحمد إسماعيل برأسه قليلا ناحية
النهر ، كأنه يستمع إلى صوت
يأتيه من هناك . في مثل هذا الوقت
أيضا يطقطق عبد الحفيظ أصابعه
في صمت ، ويتنهد الطاهر الرواسي
ملء صدره ويقول : " روح يا زمان
وتعال يا زمان " . هل يحسون
حينئذ أنهم يزدادون قربا من تلك
النقطة ؟ أم تراهم يدركون أن
النقطة الغامضة الصامته في
الوسط ، أمر
تنتهي الحياة ولا ينتهي إليها
المرءايوى ... ايوى ... ايوى ... ايويا
" .أول من زغردت أم الزين .
كانت فرحة لأسباب عدة . فرحة فرح
الأم الغريزي لزواج ابنها . تلك
مرحلة حاسمة ، وكل أم تقول
لابنها : " اشتهي أن أفرح
بزواجك قبل أن أموت " . وكانت
أم الزين تحس أن حياتها تنحدر
للغروب . ثم إن الزين كان ابنها
الوحيد . بل كان كل ما أنجبت ،
ولم يكن كبقية الناس فخافت أن
تموت ولا يجد من يرعاه . فهذا
الزواج أراح بالها ، وزواج
الزين مناسبة تسترد فيها
هداياها لأهل البلد في زواج
أبنائهم وبناتهم . وكان الناس
أحيانا يتعجبون وهم يرونها
تسارع بدفع ربع الجنيه ونصف
الجنيه في الأعراس ، لأية غاية ؟
" هل تظن أنها سترده في عرس
الزين ؟ فكان عرس الزين مناسبة
قطعت ألسنة الشامتين والزين لن
يتزوج امرأة من عامة الناس ،
ولكنه سيتزوج نعمة بنت الحاج
إبراهيم ، وناهيك بهذا دليلا
على كرم الأصل ، والفضل ، والجاه
والحسب ، ستدخل ذلك البيت
الكبير المبني من الطوب الأحمر (
فليس كل بيوت البلد من الطوب
الأحمر ) ، تدخل مرفوعة الرأس
ثابتة الخطوة . سيقومون لها إذا
دخلت ، ويوصلونها للباب إذا
خرجت ويعودونها كل يوم إذا مرضت
. ستقضي الأيام الباقية في
حياتها في فراش وثير من الرعاية
والحب . ولعل القدر يمهلها فتحمل
حفيدها أو حفيدتها في حضنها .
تزغرد أم الزين ، وتتوارد هذه
الخواطر في ذهنها فتشتد
زغاريدها . وزغرد معها جيرانها
وأحبائها ، وأهلها وعشيرتها .
لكن كيف حدثت المعجزة ؟ اختلفت
الأقاويل ، قالت حليمة بائعة
اللبن لآمنة ، وكأنها تغيظها
بمزيد من أنباء عرس الزين ، أن
نعمة رأت الحنين في منامها فقال
لها " عرسي الزين . التعرس
الزين ما بتندم " . وأصبحت
الفتاة فحدثت أباها وأمها ،
فأجمعوا على الأمر ، وهزت آمنة
رأسها وقالت : " كلام " وزعم
الطريفي لزملائه في المدرسة أن
نعمة وجدت الزين في حشد من
النساء . يغازلهن ويعبثن به .
فحدجتهن بنظرة صارمة وقالت لهن .
" باكر كلكن تأكلن وتشربن في
عرسه " . وخرجت من وقتها فقالت
لأبيها وأمها ، فوافقا على ذلك .
وروى عبد الصمد للناس في السوق .
أن الزين هو الذي طلب الزواج من
نعمة . وأنه صادفها في الطريق
فقال لها : " بت عمر "
تعرسيني ؟ " فقالت نعم . وأنه
هو الذي ذهب إلى عمه وكلمه في
الأمر فقبل الرجل إلا أن المرجح
أن الذي حدث غير هذا ، وأن نعمة
بما فيها من عناد واستقلال في
الرأي ، وربما يوازع الشفقة على
الزين ، أو تحت تأثير القيام
بتضحية ، وهو أمر منسجم مع
طبيعتها ، قررت أن تتزوج الزين ،
ويرجح أن معركة عنيفة دارت في
بيت حاج إبراهيم بين الأب والأم
في طرف ، والبنت في الطرف الآخر .
كان أخواتها غائبين فكتبوا لهم .
ويقال إن الأخوين الكبيرين رفضا
البتة . وأن الأخ الأصغر قبل
وقال في جوابه لأبيه : " أن
نعمة كانت دائما عنيدة في رأيها
. والآن وقد اختارت زوجها بنفسها
فدعوها وشأنها " . خلاصة القول
إن حاج إبراهيم أعلن النبأ فجأة
. وكأن الناس كانوا يتوقعونه بعد
حادث الحنين . الغريب أن أحدا لم
يضحك أو يسخر ، ولكنهم هزوا
رؤوسهم وزادت حيرتهم وهم ينظرون
إلى الزين - ينظرون إليه فيتضخم
في نظرهم وأهلها وحبانها
وعشيرتها ، وكل من يتمنى لها
الخير " أيوي أيوي أيوي أيويا
" لو أن العرس لم يكن عرسه .
لميز الزين صوت كل منهن في
زغاريدها . هذه بت عبد الله ،
صوتها عذب وصرختها قوية من
كثرة ما زغردت في أعراس
الآخرين . ظلت عانسا عمرها فلم
تتزوج . لكنا كانت تفرح
لأفراح كل أحد في الحي .
أجواج أجوج أجوج أجوجا " .
هذه سلامة ، كانت جميلة ،
وكانت تنطق الياء هكذا
وكانت مرهفة الحس ، لم يسعدها
جمالها ، فتزوجت وطلقت وطلقت
وتزوجت ولم تستقر مع رجل ولم
تنجب أولادا ، حلوة الحديث ،
مهزارة لها مع الزين قصص
وحكايات ، تزغرد لأنها تحب
الحياة .
أيوي أيوي أيويا "
هذه آمنة تزغرد من شدة
غيظها . ( هل تذكر آمنة وكيف
أرادت البنت لابنها فقالوا لها
البنت قاصر لم تصر
للزواج ؟ )
أوو .. اوو ... اووا " .
هذه عشمانة الطرشاء قلبها
الأصم عربد بالحب في عرس
الزين . ثم
اشتعلت شعلة من الزغاريد
في دار حاج إبراهيم . قرابة
مائتي صوت . انطلقت مرة واحدة
فارتجت نوافذ الدار .
وتزغرد أم الزين فيرد عليها
النساء ، وتسمع زغاريدهن
فتزغرد من جديد .
لم تبق امرأة لم تزغرد في
عرس الزين .
وماج الحي من أركانه ،
وامتلأت الدور بالوافدين ،
لم يبق بيت إلا أنزلوا فيه جماعة
من القوم ، دار حاج
إبراهيم على سعتها ، امتلأت
، ودور كل من محجوب ، وعبد
الحفيظ وسعيد ، وأحمد
إسماعيل ، والطاهر الرواسي
وحمد ود الريس . دار الناظر ،
ودار العمدة وبيت القاضي
الشرعي .
وقال شيخ علي لحاج عبد
الصمد : " عرس زي دا الله
خلقني ما شفت زيه "
وقال حاج عبد الصمد : " على
بالطلاق الزين عرس عرس صح مو
كدب " .
جرى الإمام مراسم الزواج
في المسجد . ناب حاج إبراهيم
عن ابنته . وناب محجوب عن الزين .
ولما تم العقد . قام
محجوب ، ووضع المهر على صحن
، حتى يراه كل أحد مائة جنيه
ذهبا ، وهي من حر مال حاج
إبراهيم . ووقف الإمام بعد
ذلك ، وأدار عينيه في الرجال
المجتمعين ( كانت أم الزين
المرأة الوحيدة بينهم ) وقال
إن الجميع يعلمون أنه عارض هذا
الزواج ، أما وأن الله
شاء له أن يتم فهو يسأله
سبحانه وتعالى أن يجعله زواجا
سعيدا مباركا . التفت الناس
إلى الزين ولكنه كان مطرقا .
وقال محجوب لعبد الحفيظ بصوت
خافت : " ايه لزوم ذكر
المعارضة والكلام الفارغ ؟"
وعجبوا حين رأوا الإمام يمشي
نحو الزين ويضع يده على
كتفه ، فالتفت إليه الزين
بشيء من الدهشة . أمسك الإمام
يده وشد عليها بقوة ، وقال
بصوت متأثر : " مبروك .
ربنا يجعله بيت مال وعيال " .
تلفت الزين حوله ببلاهة ،
ولكن أحمد إسماعيل نظر إليه
نظرة صارمة فطأطأ برأسه .
دمدم طبل النحاس الكبير
وهدر ، يقولون أنه يتكلم .
وقالت بت عبد الله لسلامة : "
النحاس يقول : الزين عرس
الزين عرس " . فزغردت
سلامة بصوتها الحلو .
تقاطر على الحقل عرب القوز .
يتسابقون على جمالهم ،
فاستقبلهم الطاهر الرواسي
وأنزلهم في إحدى الدور ، وأمر
لهم بالطعام والشراب .
وجاء فريق الطلحة عن بكرة
أبيه - على رأي المثل - فتصدى
لهم أحمد إسماعيل وأنزلهم ، ربط
دوابهم وجاء لها
بالعلف ، ثم أمر لهم بالطعام
فطعموا وشربوا .
وجاء الناس من بحري وجاء
الناس من قبلي .
. |