|
جاؤوا
عبر النيل بالمراكب ، وجاؤوا من
أطراف البلد ، بالخيول والحمير
والسيارات ، فأنزلوهم زمرا زمرا
. في كل بيت طائفة ، يقوم على
خدمتهم أفراد العصابة ، فهذا
يومهم : يعدون لكل شيء عدته لا
تفوتهم صغيرة ولا كبيرة لن
يمسوا طعاما . ولن يذوقوا شرابا
، حتى يأكل ويشرب الناس
. زغرودة
منفردة ثم مجموعة زغاريد ، ثم
طبل وحيد يهمهم ، ثم طبول كثيرة
لأصواته أصداء . لوح الرجال
بأيديهم وهزوا بالعصي والسيوف .
وأطلق العمدة من بندقيته خمس
طلقات . وقالت آمنة لسعدية : "
الأمة دي إن شاء الله تقدروا
تكفوها " . ولم تقل سعدية شيئا
. نحرت الإبل ، وذبحت الثيران
. ووكئت
قطعان من الضأن على جنوبها . كل
أحد جاء أكل حتى شبع وشرب حتى
أرتوى . وكان الزين يبدو مثل
الديك ، لا
بل أجمل ، مثل الطاووس ، ألبسوه
قفطانا من الحرير الأبيض
ومنطقوه بحزام أخضر ، وعلى ذلك
كله عباءة من المخمل الأزرق ،
فضفاضة يملأها الهواء فكأنها
شراع , وعلى رأسه عمامة كبيرة
تميل قليلا إلى الإمام ، وفي يده
سوط طويل من جلد التمساح . وفي
اصبعه خاتم من الذهب ، يتوهج في
ضوء الشمس نهارا ويلمع تحت وهج
المصابيح بالليل ، له فص من
الياقوت ، في هيئة رأس الثعبان ،
كان منتشيا دون شرب من الضجة
الكبيرة التي تضج حوله . يبتسم
ويضحك يدخل ويخرج بين الناس يهز
بالسوط ، ويقفز في الهواء يربت
على كتف هذا ، ويجر هذا من يده ،
ويحث هذا على الأكل ، ويحلف على
هذا بالطلاق أن يشرب ، وقال له
محجوب :" دحين أصبحت بني آدم ،
حلفتك بالطلاق يا دوب أصبح ليها
مغنى " . جاء تجار البلد
وموظفوها ووجهاؤها وأعيانها .
وحضر أيضا الحلب المرابطون في
الغابة . جيء بأحسن المغنيات
وأحسن الراقصات ، ضاربات الدف
وعازفي الطنابير وأخذت فطومة ،
وكانت أشهر مغنية غربي النيل
تشدو بصوتها المثير :
|
الزين
الظريف خلا البلد أفراح
|
انطق
يا لسان جيب المديح أقداح
|
وجرجروا
الزين وأدخلوه عنوة
حلبة الرقص . فهز بسوطه فوق
المغنية ووضع على جبهتها ورقة
جنيه ، وتفجرت الزغاريد مثل
الينابيع . اجتمعت النقائض تلك
الأيام . جواري
الواحة غنيين ورقصن تحت سمع
الإمام وبصره . كان المشايخ
يرتلون القرآن في بيت ،
والجواري يرقصن ويغنين في بيت
المداحون يقرعون الطار في بيت ،
والشبان يسكرون في بيت ، كان
فرحا كأنه مجموعة أفراح . وكانت
أم الزين ترقص مع الراقصين ،
وتنشد مع المنشدين ، تقف هنيهة
تستمع للقرآن ، ثم تهرول خارجة
إلى حيث يطهى الطعام تحث النساء
على العمل ، وتجري من مكان إلى
مكان وهي تنادي : " أبشروا
بالخير ، أبشروا بالخير " .
وقالت حليمة ، بائعة اللبن ،
تغيظ
آمنة : " أريته يا يم عرس
السرور " . نقرت " الدلاليك
" نقرات نشيطة متحفزة دقات
الدليب وغنت فطومة
|
سارق
نومي شاغل فكري
|
التمر
البيمرق بدري
|
وقف
الرجال في دائرة كبيرة تحيط
بفتاة ترقص في الوسط ، ثوبها
انحدر عن رأسها ، وصدرها بارز
للأمام ، ونهداها نافران . ترقص
كما تمشي الأوزة . ذراعاها إلى
جانبيها تحركهما في تناسق مع
رأسها وصدرها ورجليها ، ويصفق
الرجال ويضربون الأرض بأرجلهم ،
ويحمحمون بحلوقهم ، وتضيق
الدائرة على الفتاة ، فترمي
شعرها الممشط المعطر على وجه
أحدهم ، ثم تتسع الدائرة .
وتتماوج الزغاريد ، ويشتد
التصفيق ، ويقوى وقع الأرجل على
الأرض ، ويخرج الغناء سلسا
ملحنا من حلق فطومة :
|
طول
اليل عليه بشابي
|
الزول
السكونة فشابي
|
وانتشى
إبراهيم ود طه من
الغناء فصاح : " آه . قولي كمان
الله يرضى عليك " . رقصت
عشمانة الطرشاء . وصفق موسى
الأعرح ، ولم تلبث دقات
الدلاليك أن أبطأت وأصبح لها
أزير مكتوم ، هذه نقرات
الجابودي . وقويت حمحمة الرجال
في حلوقهم ، ودخلت سلامة حلبة
الرقص ، صالت وجالت ، وهي تزهو
تختال مثل المهرة . كانت خير من
يرقص الجابودي . وكان لها معجبون
كثيرون ، ترقبها عيونهم فتنفلت
منه كالسمكة في الماء . كثفت
حلقة الرقص ، واشتد التصفيف .
وهدرت أصوات الرجال ، ودخل
الزين الحلبة ، دخل من تلقاء
نفسه هذه المرة . طويلا فوق
سلامة ، فلطمته بشعرها الطويل
المنهدل فوق كتفيها ، وغمزته
بعينها . وكان الإمام جالسا مع
جماعة ، في ديوان حاج إبراهيم
الذي يشرف على فناء الدار ،
فحانت منه التفاته ، ووقعت عينه
على سلامة وهي منهمكة في رقصها ،
ورأى صدرها البارز ، ورأى كفلها
الكبير ، حين تضرب برجلها يهتز
ويترجرج منقسما إلى شقين كأنهما
نصفا بطيخة ، بينهما واد هبط فيه
الثوب ، وكانت سلامة في رقصها قد
انثنت حتى أصبح جسمها في شكل
دائرة . فمس شعرها الأرض ، وزاد
بروز صدرها ، ونتوء كفلها ، ورأى
الإمام ساقها اليمنى وجزءا من
فخذها الممتلئ .وقد رفع عنه
الثوب . وحين عاد الإمام بوجهه
إلى محدثه . كانت عيناه مريدين
مثل الماء العكر . اييييييويا
" . هذه حليمة بائعة اللبن ،
تزغرد طعما في خير تناله من أهل
العرس ، وتحولت دقات الدلاليك
إلى العرضة . دقتان سريعتان
وأخرى منفردة . وأخذ الرجال
يرمحون بأقدامهم كما تخب الخيل .
وتقاطر عرب القوز على حلبة
الرقص ، فتواثبوا وتصايحوا
وطرقعوا بأسواطهم . رجال قصار
القامات مشدود العضلات ،
أجسامهم ريانة ندية في مثل لون
الأرض لأنهم يعيشون على لبن
الإبل ولحم الغزلان يلبس الواحد
منهم ثوبا يريطه في وسطه ويلقي
طرفيه على كتفيه . إذا قفز في
الهواء لمع جسمه في ضوء الشمس ،
يلبسون في أرجلهم أخفافا وفي
ذراع كل منهم سكين في غمده .
وتختلط أصوات الراقصين وضربات
الدلاليك بدقات الطار ونشيد
المداحين في البيت المجاور .
هناك ممسك بالطار أحدهما
الكورتاوي وعميد المداحين . كان
يقول :
|
بي
سهل الفريش شاف
|
نعم
العبا وروح
|
العلم
لوح زار جد الحسين "
وتدمع
أعين الناس ، وبعضهم يجهش
بالبكاء ، خاصة الذين حجوا
وزاروا مكة والمدينة والأماكن
التي يصفها المادح .
ويمضي
الرجل يهرج ، في صوت له بحة
اشتهر بها :
|
بي
سهل
القريش شاف العلم نادى
|
|
فرشو
له
الزبيب والتين والحبحب
|
|
كاسات
من
حميا قالوا له هاك اشرب
|
وتختلط
زغاريد النساء في حلقة المديح
بزغاريد النساء في حلبة الرقص ،
وأحيانا يهاجر فريق من حلبة
الرقص إلى حلقة المديح . هناك
تتحرك أرجلهم ويثور حماسهم ،
وهنا تدمع أعينهم ، كذلك يتحول
فريق من حلقة المديح إلى حلبة
الرقص ، يهاجرون من الشوق إلى
الصخب .
وفجأة
تنبه محجوب .
أين
الزين ؟
كان
مشغولا كبقية عصابته
بتنظيم الفرح . فاختفى الزين عن
عينه .
سأل
عنه كلا من الباقين ، فقالوا أن
أحدا منهم لم يره منذ قرابة
ساعتين . وقال عبد الحفيظ أنه
يذكر أنه رآه آخر مرة يستمع
للمداحين .
بدأوا
يبحثون عنه . دون أن يحس أحد ،
مخافة أن يقلق الباقون . لم
يجدوه مع الحشد المجتمع مع
الإمام في الديوان الكبير ، ولم
يكن في حلقة المديح ، ولم يكن مع
أي من جماعات الرقص المتناثرة
في البيوت . دخلوا المطابخ حيث
النسوة يزحفن أمام الأفران
والقدور ، فلم يكن الزين هناك
.
حينئذ
أصابهم الذعر ، فإن الزين قد
يفعل أي شيء ، قد ينسى أمر زواجه
. ويختفي كعادته .
وتفرقوا
يبحثون عنه . فلم يتركوا موضعا .
بعضهم ضرب في الصحراء قبالة
الحي , وبعضهم ذهب ناحية الحقول
، حتى ضفة النيل دخلوا البيوت
بيتا بيتا تفرسوا تحت جذع كل
نخلة وكل شجرة .
لم
يبق إلا المسجد . لكن الزين لم
يدخل المسجد في حياته ، كان
الوقت أوائل الليل ، كثيف مظلم .
وكان المسجد ساكنا خاويا ، قد
تسرب الضوء من مصابيح العرس
خلال نوافذه . في خطوط مستطيلة
من النور ، انعكس بعضها على
السجاجيد ، وبعضها على السقف ،
وبعضها على المحراب وقفوا
ينصتون فلم يسمعوا حسا ، إلا .
أصوات العرس تتناهى بهم ونادوا
باسمه وبحثوا في أركان المسجد
وفي ردهاته فلم يجدوا الزين .
وفقدوا الأمل . لا بد أنه هرب .
لكن إلى أين والبلد كلها مجتمعة
عندهم . وبغتة خطر خاطر في ذهن
محجوب ، فصاح : " المقبرة " .
لم يصدقوا ، ماذا يفعل في
المقبرة في ذلك الوقت من الليل ؟
لكن محجوب سار أمامهم فتبعوه
ساروا صامتين وراء محجوب بين
القبور ، تتناهى بهم أصوات
الغناء والزغاريد عالية واضحة ،
ثم خافتة بعيدة . كان المكان
بلقعا ، إلا من شجيرات السلم
والسيال التي تناثرت بين
المقابر ، وامتلأت الثغرات بين
فروعها بالظلام فبدت كأنها سفن
في لجة ، وفي الوسط بدا الضريح
الكبير غامضا مخيفا , وفجأة وقف
محجوب وقال لهم : " اسمعوا "
لم يسمعوا شيئا أول الأمر ،
فأرهفوا آذانهم ، فإذا بنشيج
خافت يتناهى بهم
. سار محجوب ، وساروا
وراءه . حتى وقف فوق شبح جاثم عند
قبر الحنين ، وقال محجوب : "
الزين . الجابك هنا شنو؟ " لم
يرد ولكن بكاءه اشتد حتى أصبح
شهيقا حادا . وقفوا وقتا
يراقبونه في حيرة ثم قال الزين
في صوت متقطع ، يتخلله النحيب :
" أبونا الحنين إن كان ما مات
كان حضر العرس " . ووضع محجوب
يده على كتف الزين برفق وقال له :
" الله يرحمه . كان راجل مبروك
، لكن الليلة ليلة عرسك . الراجل
ما بيبكي ليلة عرسه يا ألله أرح
" . وقام الزين وسار معهم .
وصلوا الدار الكبيرة ، حيث أغلب
الناس ، فاستقبلتهم الضجة ،
وغشيت عيونهم أول وهلة من النور
الساطع المنبعث من عشرات
المصابيح ، كانت فطومة تغني ،
والدلاليك تزمجر ، وفي الوسط
فتاة ترقص ، وحولها دائرة عظيمة
فيها عشرات الرجال يصفقون
ويضربون بأرجلهم ويحمحمون
بحلوقهم . انفلت الزين ، وقفز
قفزة عالية في الهواء فاستقر في
وسط الدائرة . ولمع ضوء المصابيح
على وجهه . فكان ما يزال مبللا
بالدموع . صاح بأعلى صوته ويده
مشهور فوق رأس الراقصة : "
أبشروا بالخير ..أبشروا بالخير"
وفار المكان ، فكأنه قدر تغلي .
لقد نفث فيه الزين طاقة جديدة .
وكانت الدائرة تتسع وتضيق تتسع
وتضيق ، والأصوات تغطس وتطفوا
والطبول ترعد وتزمجر ، والزين
واقف في مكانه في قلب الدائرة ،
بقامته الطويلة وجسمه النحيل ،
فكأنه صاري المركب . |