تمسة

أمثال الشاب الخلوق محمد موسى (تمسة)، ممن سموا بأخلاقهم إلى الثريا وقدّموا الأنموذج الحي للإنسان السوداني المستمسك بقيمه وتقاليده الرفيعة، هم من يستحقون أن يُحتفى بهم وتُفتح لهم الصحف والفضائيات صفحاتها لا للمتمرّدين والمتمرِّدات على تقاليد هذه البلاد وقيمها السمحة أو الداعيات إلى الرذيلة الساخرات من (الفضيلة) ودُعاتها.

من هو (تمسة) ولماذا أكتب عنه؟

إنه سائق ركشة بسيط، وقليل التعليم ساقته أمانته إلى أن يبحث عن راكب نسي مبلغ مئة مليون جنيه في ركشته حتى عثر عليه وأعادها إليه بل ورفض تسلّم نسبة عشرة في المئة من المبلغ عرضها عليه صاحب النقود، وقال انه (يبتغي الأجر من رب العالمين)!

تناقلت الصحف والأسافير تلك القصة فقام نفر من شباب أحد قروبات الواتساب بشراء ركشة (تكتك) عرفاناً وتقديراً لأمانته ثم قامت شركة سوداتل بتكريمه ووالديه بمبلغ من المال وبعض الهواتف الذكية، وما إن سمع السفير السعودي علي بن حسن جعفر بقصة الشاب الخلوق تمسة حتى عرض عليه الحج على نفقة المملكة لكنه اعتذر للسفارة بأنه قطع عهداً على نفسه أن (يحجج) والديه أولاً، فما كان من السفير إلا أن رفع قيمة المكرمة بحيث تشمل والديه كذلك.

يحكي تمسة عن لحظة تلقيه الخبر من السفارة السعودية عبر الهاتف: ما إن سمعتُ بتلك المكرمة حتى (انطلقت بالرقشة بسرعة جنونية إلى المنزل وأخبرت أمي وأبي فانطلقت زغاريد الفرح وسجدنا لله شاكرين).

فاتني أن أذكر أن تمسة غادر مقاعد الدراسة، وهو في الصف الثامن أساس حتى يُساعد والده في تربية والدته وأخواته الأربع.

تمسة أنموذج للإنسان السوداني رأينا العديد من أمثاله داخل السودان وخارجه ممن بهروا الجاليات الأخرى في بلاد المهجر وأود أن أذكر بواقعة واحدة أعبّر بها عن ذلك السمو السوداني فعله حجيج السودان الذين ضجّت بهم الأسافير واشتعلت قرائح الشعراء والكتاب السعوديين والخليجيين لتحكي عن تفرّد الإنسان السوداني حين أخلوا خيمتهم عند حدوث الحريق في مشعر منى قبل سنوات قليلة، بينما ظلت خيم الجاليات الأخرى المجاورة لا تحرّك ساكناً ولا تتفاعل مع الحدث .. في تلك الأيام غرّد المغرّدون كما ظلوا يفعلون كلما فوجئوا بسلوك سوداني مُتفرّد لا يرونه إلا في المواطن السوداني بخصاله الفريدة.

ما حدث لتمسة وما يحدث لأمثاله هو التصديق الحي لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يحتسب).

فقد رزق تمسة من حيث لا يحتسب جراء أمانته وتقواه أضعاف ما أرجعه إلى صاحب المبلغ المنسي في رقشته.

لن أنسى تفاعل أفراد قروب الواتساب الذين كرموا تمسة كما لن أنسى احتفاء الصحافة والوسائط بصنيع الشاب تمسة، فذلك كله مما يطمئننا أننا بخير وأن أخلاق شعبنا الكريم أقوى من أن يزلزلها أو يؤثر فيها دعاة التغريب والتمرّد على قيمنا وأخلاقنا الفريدة.

نعم، نحن نتعرض منذ سنوات لغزو ثقافي عنيف، اقتلع كثيراً من المجتمعات الأخرى وحوّلها إلى سلوكيات شاذة لا تتّسق مع قيم الإسلام ومثُله وأخلاقه لكن مجتمعنا السوداني ظل صامداً في مواجهة تلك العواصف العاتية التي تهُبُّ عليه من مناطق الضغط العالي المسنود بتقنيات وسائط التواصل الحديثة المحمّلة بكل الثقافات الشريرة الداعية إلى اشاعة الفواحش سيما وقد غُزِينا كذلك من الداخل بمجموعات من بعض الغرباء على أخلاق مواطنيهم من دعاة التحرّر من الفضيلة والانغماس في الرذيلة مما رأينا نماذج له خلال الأشهر القليلة الماضية في سلوك بعض الفتيان والفتيات المتمرّدات على الخُلُق السوداني القويم.

الطيب مصطفى
صحيفة الصيحة

Exit mobile version