جعفر عباس

مهن ومحن (46)


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] مهن ومحن (46) [/B][/CENTER]

مدير عن مدير يفرِق، فهناك مدير الشرطة الذي يقود عشرات الآلاف من الناس، وهناك مدير المدرسة الذي يقود فريقا يتألف من عشرة مدرسين، وهناك مدير شركة النفط الذي يعمل تحت إمرته آلاف مؤلفة من مختلف الجنسيات، وكلما كان المدير ذا مسؤوليات ضخمة ولديه عدد كبير من المرؤوسين، كلما أفلت من القيل والقال الذي لا تخلو منه بيئة عمل، لأن هذا النوع من المديرين قليل التعامل المباشر مع الموظفين في الدرجات الدنيا والوسطى، وتحتم عليه طبيعة العمل شاء أم أبى أن يفوض صلاحيات واسعة لمديري القطاعات والإدارات ورؤساء الأقسام، وبعد ذلك عليه أن يضمن أنه لن يقوم أحد المدراء الكبار بجعل إدارته أو قطاعه جزيرة معزولة، ويعني هذا أن الذي يدير منشأة يعمل فيها المئات أو الآلاف عليه ان يضمن تنسيق العمل بين الإدارات والوحدات، ففي مجال الشرطة مثلا هناك مسؤوليات تقع في اختصاص الرقيب، وأخرى تحت اختصاص العميد، وقِس على ذلك، فبدون اللا مركزية فإن إدارة أي مرفق كبير تصبح مهمة مستحيلة، ولهذا فإن أكثر المديرين فشلا هم تلك الفئة التي تحب التكويش على العمل «ولازم التوقيع الخاص بي يكون على كل ورقة»، ويحشر أنفه حتى في أمر منح عامل النظافة إجازة لوفاة أمه إثر علة أمهلتها طويلا.
وهناك المدير «الخملة» أي الخامل الذي لا يهش ولا ينش في أي أمر يتعلق بشؤون المرفق الذي يفترض أنه يديره، وهذا الصنف من المدراء يحترف «التوقيع/ الإمضاء»، وهو كلاعب الهجوم الكسلان في كرة القدم الذي يتخصص فقط في ضربات الجزاء والكرات الثابتة، أي يترك زملاءه يلهثون وراء الكرة والخصم ليأتوا بها إليه «مقشرة» ليصوبها نحو المرمى وهو يدرك أن النتيجة الإيجابية شبه مضمونة، والمدير الخامل قدوة سيئة ويكون الفريق الذي يعمل تحت إشرافه سيء الأداء بالضرورة، فإذا كان المدير يأتي إلى مكان العمل بعد بدء الدوام بساعتين فإن معظم الموظفين يأتون قبله بنصف ساعة، وإذا كان من النوع الذي يزوغ من مكتبه مبكرا أو بزعم قضاء مهام هنا أو هناك، فشيمة مرؤوسيه ستكون التسيب، وتكون عواطف الموظفين نحو المدير الخامل متأرجحة بين الحب والازدراء، فالموظف المستهتر يحب المدير الخامل، بينما الموظف الجاد المجتهد يغضب لأن «الحلق/ القرط» صار من نصيب الذي لا أُذن له. والعاملون في كل مرفق يحبون المدير الحازم في غير عنف واللين في غير ضعف، فلو كنت أنت مقصرا في عمل ما وزجرك المدير بأدب، فإنك تتقبل الزجر بطيب خاطر، وبالمقابل فإنك عندما تتقن عملك فإنك ستنال من المدير الحازم المنضبط الثناء والتقدير
«المدير» منصب صعب جدا، فحتى لو كنت ماهرا وحاذقا وحسن التعامل مع الموظفين فإنك ستجد فئة أو بضعة أشخاص لا هم لهم سوى تكسير مجاديفك، فقد ابتلى الله بيئات العمل عندنا بالنميمة وكلما علا شأن شخص ما وظيفيا كلما تناهشته الألسن بالباطل في كثير من الحالات، وقد تصبح مديرا لمرفق ما وتجد به أكواما من الموظفين «الخردة» الأميين مهنيا، يكون من سبقك إلى المنصب قد أتى بهم لأسباب لا علاقة لها بمصلحة العمل، ومهما كنت قاسي القلب فإنك لن تقوم بإنهاء خدمات موظفين بالجملة، ربما لاعتبارات إنسانية أو لأن ذلك سيسيء إلى سمعتك، لأن الناس ستقول: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق!! هي مقولة سخيفة فلا شيء أقسى من قطع الأعناق، ومجتمعاتنا التي تسير بـ«البركة» تجعل في أحيان كثيرة مصلحة الأفراد فوق المصلحة العامة، ولكن هناك مديرين جسورين لا يترددون في ممارسة سياسة «الباب يفوت جمل» مع الموظفين عديمي المؤهلات وضعيفي القدرات وتلك في تقديري قمة «النزاهة».
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *