جعفر عباس

مهن ومحن (50)


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] مهن ومحن (50) [/B][/CENTER]

في السنوات الأخيرة، صار لعب كرة القدم مهنة، بينما الأصل فيها أنها هواية، فعدد من يمارسون لعب الكرة في يومنا هذا يبلغ نحو ملياري شخص، فما من حي سكني إلا وأبناؤه (ومؤخرا بعض بناته) يلعبون الكرة يوميا، ولكن وبين تلك الملايين المملينة (على وزن الآلاف المؤلفة) فإن بضع مئات فقط هنا وهناك من يكسبون قوتهم بأقدامهم فقط، أي لأنهم بارعون أكثر من غيرهم في التلاعب بالكرة ومشاعر الجماهير، أذكر جيدا كيف كان اللاعبون يدخلون استاد مدينة كوستي في السودان الأوسط، لأداء مباريات مهمة في «الدوري» حتى نهاية سبعينات القرن الماضي: هذا يأتي راكبا دراجة، وآخر يبدو عليه الإنهاك لأنه أتى الملعب سيرا على الأقدام قاطعا بضعة كيلومترات، وثالث جاء راكبا في المقعد الخلفي في دراجة صديق له.. يعني لا حافلات تنقل اللاعبين ولا غرفة تبديل الملابس (كان كل لاعب يخرج من بيته مرتديا فانيلة فريقه)، وقد تبدأ المباراة في الوقت المحدد وأحد الفريقين يلعب بثمانية لاعبين، ويصل اللاعبون الثلاثة المتبقين بحسب التساهيل ويدخلون الملعب بعد الاستئذان من حكم المباراة.
أما اليوم فالمسألة «غير شكل وشكل ثاني»، فالعائلة التي تنجب لاعبا ماهرا في كرة القدم تتمتع بوضع مالي واجتماعي أفضل من عائلة أنجبت ثلاثة أطباء وأربعة مهندسين، وقد أفهم لماذا تغدق الدول الأوربية واللاتينية الملايين على لاعبي كرة القدم، لأن اللعبة في تلك البلدان صارت تجارة، فمبيعات تذاكر مباراة واحدة تدر الملايين من العملات شديدة الصعوبة، وهناك المراهنات الرياضية، التي تجعل من ينجح في التكهن بنتائج كذا مباراة مليونيرا، وهناك فانيلات الفريق التي تباع لجمهور المشجعين بمبالغ خرافية وهناك حصص كل ناد من نقل مبارياته عبر التلفزيون، وبالتالي كان «الاحتراف» والرواتب المهولة للاعبين والحوافز المليونية عن الفوز في المباريات الحاسمة، ولكن ما لا أفهمه هو لماذا تنفق أي دولة من دولنا على كرة القدم واللاعبين سنويا مبالغ تكفي لاستئصال الجدري المائي والإسهال والبواسير والتهاب اللوزتين نهائيا، وفرق الكرة عندنا أدمنت الفشل، ولها قدرات فذة في انتزاع الهزيمة من فك النصر.
ومع هذا فلا أرى لماذا يتقاضى واين روني من نادي مانشستر يونايتد في أسبوع واحد راتبا أعلى من راتب الأمين العام للأمم المتحدة في شهر كامل، ولا لماذا يظل ديفيد بيكام مطلوبا في سوق الكرة وقد بلغ سن اليأس وانقطع عنه طمث المهارات المطلوبة!! يا جماعة الأصل في أي رياضة هو أن من يمارسها يستمتع بها، فهل يكافأ كل إنسان لأنه يستمتع بشيء ما؟ شخصيا ظللت أمشي ما بين كيلومترين إلى ثلاثة يوميا عدة سنوات، من دون أن استمتع بذلك، ومع هذا لم يحدث أن كافأني حتى طبيبي الذي كلما زرته قال لي: لازم تمارس المشي يوميا، فأكاد أن أقول له: راح أمشي من البلد نهائيا لترتاح مني وارتاح منك.
وكنت إلى حين من الدهر معجبا بالهنود لأنهم ورغم ولعهم بالتناسل والتكاثر لم ينجبوا لاعب كرة قدم واحد يستطيع تسجيل ضربة جزاء واحدة صحيحة في سبع محاولات، ثم انتبهت إلى أنهم مولعون بشيء اسمه الكريكيت أكثر من ولعهم بالإنجاب، والكريكيت هذا خسارة فيه مسمى لعبة، لأنه «مسخرة» مهما تابعتها ورصدتها لن تفهم لماذا تجتذب متفرجين، وكل ما هناك هو أن لاعبا يرمي بكرة حجرية في اتجاه شخص آخر فيصدها بمضرب أو لا يصدها، والكارثة هي أن مباراة الكريكيت الواحدة تستغرق عدة أيام، واعتقد أن الأفلام الهندية التي تتسم بالطول الشديد وركاكة المحتوى هي أخت الكريكيت في الرضاع.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *