ويونيو نفسه شهر غاية في الأهمية لسجن كوبر ليس لأن عشرات القادة السياسيين قضوا فيه الليلة الأولى لانقلاب الإنقاذ والتي كانت آخر لياليه، بل لأنه افتتح في عهد الحاكم الإنجليزي كتشنر في يونيو 1903 ودخله مئات المناضلين السودانيين في رحلتهم الشاقة إلى تنكيس العلم الإنجليزي صبيحة الأول من يناير 1956.
عندما عرفت البلاد الانقلابات العسكرية بعد أقل من ثلاثة أعوام من استقلالها وتحديدا في نوفمبر 1958 عاد السياسيون مجددا إلى كوبر لكنها كانت المرة الأولى بأمر حكومة وطنية وتكاثرت بعدها المرات مع تكاثر الانقلابات، فامتلك كوبر الحق الحصري لمنح المشروعية السياسية.
إذا قدر لك التجول في غرف كوبر ستجد جدرانها عبارة عن مخطوطات ماركسية لعبد الخالق محجوب، وستجد الترابي يصك نظرياته الإسلامية في الحكم والسياسية عليها أكثر مما يسطرها على الورق، وستجد المهدي يكتب ويكثر من الكتابة بولع لا يتوفر له في أي رقعة كما يتوفر له في كوبر.. وستجد وستجد وستجد..
ومن مفارقات كوبر أنه كان منبعا للقرار السياسي بنسبة لا تقل ومقابلة للقرار الحكومي، فمنه حرر الأزهري أمر تأسيس الجبهة الوطنية التي قادت المعارضة ضد الحاكم العسكري نميري، وفي غرفه أسس وكتب (منفستو) التجمع الوطني الديمقراطي، ومنه كانت أكتوبر وإليه جاءت أبريل تحرر حكامها الجدد.
وبهذه الذكريات دخله المهدي ليقضي فيه ليلة الثامن عشر من مايو الماضي وخرج منه أصيل أمس وهو أكثر غبطة لسبب بسيط، هو إدراكه إنه كان حيث تمنح المشروعية السياسية، ولهذا شد أصابعه إلى قبضة يده وهو يلوح لمريديه الذين احتشدوا عند بوابة كوبر بعلامة النصر الأنصارية المميزة.
ولهذه المشروعية كان قرار إطلاق سراح المهدي مباغتا. حيث لم يتجاوز الإعلان شبه الرسمي عن الخطوة والتنفيذ الفعلي نصف ساعة لم تكن كفيلة لوصول أنصاره لكوبر حتى لا يتحول الأمر لتظاهرة سياسية تحوله من متهم من الحكومة إلى متهم لها في شرعيتها.
عندما وصلت الصحفيين في اللحظة نفسها رسالة نصية مباغتة تدعوهم لحضور مؤتمر صحفي بمركز (طيبة برس) تعقده لجنة وساطة تضم شخصيات وطنية بارزة للإعلان عن نجاح مبادرتها لإطلاق سراح المهدي. توزع فريق (اليوم التالي) إلى الأماكن التي يمكن أن تكون مسرحا للحدث، وكان نصيبي منها السجن بينما ذهب آخرون إلى منزله بحي الملازمين، وآخرون إلى مقر المؤتمر وآخرون إلى مركز الحزب الرئيسي بأم درمان.
لحظة وصولي إلى كوبر تأكد لي صحة ما بدأت تهمس به الخرطوم جهرا وهو إطلاق سراح المهدي. حيث وجدت أفراد الحراسة في كوبر أكثر حركة خصوصا في البوابة الشمالية. حيث منعوا السيارات من التوقف أو السير ببطء في الشارع المحاذي لها، وتأكدت أكثر عندما وصل نفر من حواري الإمام يتقدمهم الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار عبد المحمود أبو، وتيقنت عندما ارتكزت ثلاث سيارات على عتبة الباب، أشار أحد الحراس إلى إحداها بالعناية.
لم تمض دقائق حتى انزلقت رتاجات البوابة المنيعة، وطل المهدي ليمتطي إحداها على عجل، وتبعته السيارتان ثم البقية التي تقل أنصاره وصولا للمركز العام. حيث دخله المهدي وتجاعيد وجهه تنطق بالرضا ولا شيء يفسد عليه يومه وهو في حضرة أحبابه سوى افتقاده لجدران كوبر. حيث بدأ كتابة السيرة النبوية وبعضا من فصول مذكراته والأهم استلهام موقفه السياسي الجديد الذي بشر به، وبالطبع يحز في نفسه فراق الأرض التي ترصع الساسة بالنجوم.
صحيفة اليوم التالي
أ.ع[/SIZE][/JUSTIFY]
