ابراهيم عثمان: المؤتمر الوطني بين النجاح المحرج و الفشل الأشد إحراجاً

[SIZE=5]يجتهد المؤتمر الوطني لإقناع كل القوى السياسية السودانية للدخول في الحوار ، و حتى الآن لم يحقق النجاح المأمول ، و نجاحه في هذه الخطوة يعني تلقائياً صعوبات جمة ستنتظره على مائدة الحوار . لأن صعوبة الحوار ستتناسب طردياً مع زيادة عدد القوى المشاركة ، فنجاح المؤتمر الوطني في إقناع كل قوى المعارضة بالحوار لا يعني سوى أن يستعد لتنازلات تستطيع أن تخاطب كل إنشغالات هذه القوى و ما بينها من تباينات و تفاوت سقوف . و إن فشل المؤتمر الوطني في ضم من بقوا خارج عملية الحوار فسيشكل ذلك ضغطاً معنوياً كبيراً على المؤتمر الوطني و شركاء الحوار لأن عدم مشاركتهم سيعني مباشرة انتقاص من مشروعية الحوار و مخرجاته و عدم الوصول لحالة الإجماع .و ستزايد القوى المقاطعة بكل قوة على المشاركين و ستتمنى فشل الحوار و لن يكون حليفها الموضوعي سوى المؤتمر الوطني نفسه الذي سيسعى بالتأكيد لتقليل حجم الإستحقاقات الواجب عليه دفعها ، ليس بالضرورة تآمراً و لا سوء نية ، و لكن هذه هي طبيعة الأشياء في أي عملية تفاوض ، و كلما نجح المؤتمر الوطني في تقليل سقف تنازلاته ، كلما صب ذلك في مصلحة وجهة نظر المقاطعين الذين سيسخرون من زملاء المعارضة و من بؤس حصيلة حوارهم . و بما أن سقف مطالب المقاطعين عالي بما لا يمكن الوصول إليه أبداً فإن حملة الإبتزاز و المزايدة – المبررة حسب مواضعات العمل السياسي – ستستمر مهما كانت نتائج الحوار . فالمشارك في الحوار يعلم مسبقاً بأن منطق التسوية و التنازلات المتبادلة هو الذي سيسود و أنه ليس لديه ما يتنازل عنه سوى سقف المطالب . أما المقاطع فمنطق الأشياء يقول بأنه سيظل على مواقفه و سقوفه الأصلية إذ لا شئ يجبره على القبول بتنازلات لم ينل مقابلها الذي يخصه مباشرة و الذي يخاطب انشغالاته و الذي يستحيل أن يحققه له غيره . عدا هذا سيواجه المؤتمر الوطني بالتأكيد معضلات حقيقية مع شركاء الحوار و ربما تحمل صحف الغد القريب عناوين مثيرة عن الخلافات و ربما الإنسحابات و الإتهامات المتبادلة بعدم الجدية فشيطان التفاصيل لن يغيب عن طاولات الحوار و قوى المعارضة ستكون تحت ضغط مطالبها الخاصة و ضغط بعض عضويتها الأكثر تشدداً إلى جانب ضغط المقاطعين الذين سيحضرون بضغطهم المعنوي و إن غابوا عن طاولة الحوار .ستسعد قوى المعارضة بهذا الضغط المعنوي الواقع عليها و على المؤتمر الوطني و تسعى للإستفادة منه في تعظيم ما تحصل عليه و لكنها في ذات الوقت ستشقى به حينما تأتي لحظة التسوية النهائية إن كانت قد مالت إلى القبول بها ، فالضغط المعنوي و المزايدة سيتضاعفان في تلك اللحظة تحديداً .
و إذا تحقق إجماع القوى المشاركة في الحوار و تم التوصل إلى اتفاق نهائي يرضى عنه جميع المشاركين في الحوار فستطل علينا المعضلة المزمنة : معضلة التطبيق الحرفي و الأمين لمخرجات الحوار نصاً و روحاً ، و ستبدأ مرحلة الإتهامات بعدم الجدية في تنفيذ ما تم الإتفاق عليه و ستجد القوى المعارضة التي اشتركت في الحوار حلفاء من المقاطعين سينصب جل نشاطهم في إثبات عدم جدية المؤتمر الوطني في تنفيذ ما تم الإتفاق عليه . و لن أكون مغامراً إذا قلت منذ الآن أن المؤتمر الوطني سيفعل ما يمكن تفسيره بأنه عدم جدية أو تحايل على تنفيذ ما يتفق عليه فالنصوص يستحيل تنزيلها حرفياً و غريزة تحقيق أكبر قدر من المكاسب ستكون حاضرة و ستجد في تأويل النصوص مهما كانت منضبطة و قاطعة مساحة للحركة ، و أجهزة الدولة العميقة ستكون لها قراءتها و تأويلها و دورها في التنفيذ اللهم إلا إذا كان حواراً شبيها بما جرى في تونس أو حتى غزة و حتى هاتين التجربتين لا تخلوان من اتهامات بعدم التنفيذ الأمين لما تم الإتفاق عليه خاصةً في الحالة الفلسطينية . لا أكتب هذه الكلمات تشاؤماً و لكنني أظن أنها محاولة لقراءة بعض صعوبات الحوار إبتداءاً من مرحلة إقناع القوى المقاطعة مروراً بعملية الحوار نفسها و انتهاءاً بتنفيذ مخرجات الحوار ، و في كل هذه المراحل يتحمل المؤتمر الوطني كحزب حاكم المسؤولية الأكبر لذلك عليه أن يستعد لمواجهتها و دفع استحقاقاتها دون من أو أذى و قبل ذلك أن يقدّم ما يثبت وحدة صفه في الموقف من الحوار .

ابراهيم عثمان[/SIZE]

Exit mobile version