أول الغيث دمٌ ثم الربيع (1)

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] أول الغيث دمٌ ثم الربيع (1) [/B][/CENTER]

إذا فشلت المظاهرات التي تشهدها العديد من مدن السودان في تحقيق غاياتها، فيسكون السبب في ذلك أنني لا أشارك فيها، فصاحبكم معارض محترف، وشارك في مظاهرات ضد كل من جلس على كرسي الحكم في الخرطوم، منذ «الاستغلال» وهي المرحلة التي تلت خروج الاستعمار الانجليزي من السودان، لأن ذلك الكرسي لم يحظ بجالس يشيل هموم الناس، واكتسب صاحبكم مهارة في الكر والفر مع شرطة مكافحة الشغب، وإعادة التجمع في مجموعات صغيرة حتى تصاب الشرطة بالإرهاق.. وكانت الشرارة التي أشعلت تلك المظاهرات هي ما أسمته الحكومة رفع الدعم عن المحروقات والقمح ومشتقاته، وحقيقة الأمر هي أن الحكومة فقط رفعت أسعار تلك المواد إلى الضعف، لأن الدعم لم يكن موجودا «من أصله»، بل الصحيح أيضا أن الحكومة رفعت يدها منذ سنوات بعيدة عن التعليم والصحة وعن الخدمات عموما، ووضع أقطابها أيديهم في الخزينة العامة ثم وضعوا ما فيها في جيوبهم، ولما صارت الخزينة أخوى من فؤاد أم موسى قرروا وضع أيديهم في جيوب المواطنين، ولما احتج المواطنون وضعوا أيديهم على زناد البندقية، ولما سقط العشرات قتلى قال المسؤولون إن أعمال القتل من فعل المندسين، وبما أن المتظاهرين ظلوا يوصفون بالمندسين فمعنى هذا أنهم قتلوا بعضهم بعضا أو انتحروا جماعيا.. من حيث الشكل توجد في السودان مدارس ومدرسون وطلاب، ولكن بلا محتوى ولا مدخلات.. حتى الطباشير وأقلام الرصاص في تلتلة، ولا يتعامل مع المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية إلا شخص يائس بائس، ففي تلك البتاعات أطباء بلا حبوب أو شاش أو سماعات، والأطباء ذوي الخبرة والدراية دخلوا السوق، وإذا لجأت إليهم وأنت تعاني من الصداع فستصاب بارتفاع ضغط الدم وربما جلطة عندما يحين موعد دفع رسوم العلاج المزعوم.
أقلقني من أمر المظاهرات التي بدأت في 23 سبتمبر الجاري اندفاع بعض العناصر المشاركة فيها إلى الحرق والتخريب للممتلكات العامة، ففي سورة الغضب يعتقد البعض أن كل ما يمت الى الحكومة بصلة «دمه مهدور»، فالمواطن البسيط يرى أن تعاسته المزمنة من تحت رأس الحكومة، وان كل ما هو مملوك للحكومة يستحق الحرق، لأن المواطن فقد الإحساس بأن هناك شيئا اسمه مال عام، لأن الفساد الذي جعل من البعض مليونيرات بالعملة الصعبة من دون أن تكون لهم تجارة أو صنعة، حدث بعد أن تحولت الوزارات والإدارات الحكومية إلى اقطاعيات، ويحدث تخريب الممتلكات العامة عندما تحدث فجوة بين الحكومة والمواطن، لأن طول الجلوس في الكراسي يغري الحاكم بالتناسي، فينسى مسؤولياته الأساسية ويصبح مشغولا بالتشبث بالكرسي، فينجم عن ذلك افتقار الحس الذي يجعل المواطن يدرك أن المباني العامة وسيارات الشرطة ملك – أو ينبغي أن تكون ملكا – لكل المواطنين، ويتبارى المسؤولون الحكوميين لإلقاء تبعة ما يحدث من احتجاجات في السودان الى حركات متمردة ظلت تحمل السلاح ضد الحكومة لسنوات، وهي بهذا تقدم دعاية مجانية لتلك الحركات، فطالما تلك الحركات- وعلى ذمة الحكومة – تقف إلى جانب الفقراء في احتجاجهم على حالهم الذي يزداد بؤسا يوما بعد اليوم، فلا بد أن «فيها الخير».
وما يحدث الآن في السودان عواصف رعدية تسبب فيها وجود منخفض جوفي في بطون الفقراء، ويا ما حذرت الحكومة السودانية في مقالات نشرتها في الخرطوم من أن تفادي غضب الفقير «الحليم».. وها هم الفقراء اليوم يتظاهرون ليس لخفض الاسعار وتحسين مستويات المعيشة بل للمطالبة برحيل الحكومة.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

Exit mobile version