للسودان وجه آخر (2)

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] للسودان وجه آخر (2) [/B][/CENTER]

مناسبة الكلام عن السودان هو أنه يشهد حاليا عواصف رعدية تنذر بربيع في بلد لم يعرف الربيع لا بمعناه الجغرافي ولا السياسي، ومناسبته أيضا ان العرب عموما لا يعرفون عن السودان سوى أنه من كبار منتجي التمرد والمآسي الإنسانية.. والسودان الذي لا تعرفونه لأن مناهج التاريخ والجغرافيا عندكم (كما هي عندنا) ناقصة ومفبركة لأنها معدة بطريقة شيلني وأشيلك (يعني استرني وانا أسترك، واجعل كتبك المدرسية لا تتكلم عني إلا بالخير، وأنا لن أقصِّر معك).. هذا السودان حافل بالنضالات والإنجازات، ولكن لأنه عربي بدرجة أو بأخرى فإن كل أمجاده جزء من الماضي، ولكن ليس الماضي البعيد.. كم منكم يعرف ان السودان عرف خدمات السكك الحديدية والبرق (التلغراف) في القرن التاسع عشر، وان به أطول شبكة سكك حديدية في إفريقيا، وأن به أكبر مزرعة مروية في العالم (المقصود هنا هو الري الدائم الذي لا يعتمد على الأمطار بل على سد وخزان وشبكة قنوات).. أو أن الجيش السوداني شارك في الحرب العالمية الثانية وتصدى للطليان في اثيوبيا واريتريا وهزمهم،.. على كل حال تركتكم أمس عند حرق الباشا التركي الغرير اسماعيل باشا وجيشه خلال مأدبة أقامها لهم ملك قبيلة الجعليين، تعمد خلالها إغراقهم بالخمر.. وانتهى الأمر باكتساح الأتراك لبلاد السودان واتخذوا الخرطوم عاصمة لهم، ومن تابع البشاعات التي ارتكبها الجيش التركي الحديث خلال الفترات التي حكم فيها تركيا بعد الحرب العالمية الثانية، يستطيع ان يتصور مدى القسوة والبطش والعنف الذي مارسوه في السودان وخاصة في مجال جباية الضرائب، وكان من وسائلهم المفضلة لمعاقبة من يعجز عن سداد الضرائب، أن يضعوا قطا في سرواله ويربطوا منافذ السروال بإحكام ثم يضربوا القط الذي يقوم بدوره بـ «الواجب» وكلك نظر! ومن المؤكد ان أجدادي لم يتعرضوا لذلك النوع من التعذيب بدليل أنني «موجود»!… وقلت لكم أمس إن أهلي النوبيين لم يقاوموا الغزو التركي، ولكن ما إن أسفر حكمهم عن وجهه البشع حتى قام نوبي اسمه محمد أحمد بن عبد الله بقيادة ثورة شعبية ضد الأتراك، ورغم استعانة الأتراك بالإنجليز فقد انتصر عليهم الثائر النوبي الذي قد تعرفونه باسم محمد احمد المهدي وهو جد الصادق المهدي زعيم المعارضة السوداني الأشهر ورئيس الوزراء السوداني السابق،.. ولكن من باب الإنصاف أن نقول ان النوبيين لم يكن لهم دور يذكر في ثورة المهدي على الأتراك، فقد كان جُلُّ أنصار الرجل من اهل غرب ووسط السودان.. فثورته كانت ذات طابع ديني وطني وكان الرجل دارسا ثم معلما وواعظا، وبداهة فإنه لم يكن هناك نوبي يفهم كلمة مما يقوله بالعربية مما اضطره الى الهجرة الى وسط السودان حيث يقيم الناطقون بالعربية، الذين استوعبوا دروسه ثم حملوا السلاح في وجه الأتراك حتى دخلوا الخرطوم منتصرين وقتلوا الانجليزي غوردون باشا حاكم عام السودان، وهو الأمر الذي اتخذه البريطانيون ذريعة لغزو السودان عام 1899، وكان أول ما قاموا به هو نبش قبر محمد أحمد المهدي وإرسال جمجمته الى بريطانيا حيث استخدمها بعض الوزراء طفاية سجائر! يعني, البريطانيون كانوا رسل «حضارة» قبل أحداث العراق عام 2003 بأكثر من قرن كامل.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

Exit mobile version