عبدة النصوص

[B][ALIGN=CENTER][SIZE=4][COLOR=darkblue]عبدة النصوص!! [/COLOR][/SIZE][/ALIGN][/B] القانون مسكين في بلادنا، البعض يستهتر به لدرجة العبث، والبعض يتمسّك به لدرجة البله.. وبين هذا وذاك تضيع حقوق الكثيرين!
* لا أفهم والله مهما كنت قاسياً وصارماً.. وجامداً ومتبلد الأحاسيس، أو حرفياً لدرجة ضياع الشخصية، ورهنها للقوانين واللوائح بشكل كامل، كيف أحرم طالباً من الجلوس للامتحان، لأنه تأخّر عن الموعد المحدد لدخول القاعة، ثلاث دقائق فقط!
* وحتى لو افترضنا أنه لم يكن هنالك أي سبب موضوعي للتأخير، أيهما الأقرب إلى التصرّف الطبيعي السليم.. حرمان الطالب الذي تأخّر ثلاث دقائق فقط، من الجلوس للامتحان، أم السماح له وتفادي مشكلات كثيرة يمكن أن تحدث؟!
* ثلاثة من طلاب كلية العلوم الرياضية بجامعة الخرطوم، حضروا بعد ثلاث دقائق فقط من الموعد النهائي لدخول الامتحان، فحرمهم المراقب من الدخول، وهو يعتقد أن ذلك هو القرار الصحيح، وأنه (أبو عرام) القوانين، الذي سترقص له القوانين طرباً من تقدسيه لها، بينما القوانين واللوائح تتميّز غيظاً منه، وتذرف بدل الدموع دماً، من الفهم الخاطئ والقاصر، والطعنات الغادرة التي يسددها لها من الخلف، أمثال هذا المراقب، الذي لم يتعلَّم من الإرث الأكاديمي والتربوي لجامعة الخرطوم، كيف يتعامل مع القوانين، وكيف يحترمها!
* ولكنني لا ألومه، ولا ألوم الجامعة، التي جعلتها الظروف تفقد كل يوم جزءاً غالياً وعزيزاً من إرثها الضخم الذي تكوَّن عبر قرن كامل، بل عبر قرون، باعتبارها إحدى ثمرات إرث أكاديمي وتربوي عريق يعود إلى عصور النهضة، وهو الإرث الانجلوساكسوني الذي نهل من كل الحضارات والعلوم، ومن بينها الحضارة الإسلامية في أيام ازدهارها، ما جعله يرفد العالم بملايين العباقرة والعلماء في شتى المجالات.. ولكنه (للأسف الشديد) يقف حائراً وعاجزاً ودامعاً عندما يتجسّم في (مراقب) يعتقد أن اللوائح (دين)، أو (عصاية) يرفعها فوق رؤوس الجميع لتضرب بشدة من يحيد عنها قيد أنملة!
* ومن المحزن والمؤسف، أن هنالك ظروفاً موضوعية، لم يراعها المراقب عندما شرحها الطلاب وهم يتوسّلون بالدموع، ليسمح لهم بدخول الامتحان، وليس هذا مجال الحديث عنها، فهي ليست لب الموضوع، وإنما فهم البعض للقوانين واللوائح والتعامل معها.. الذي يجب أن يستند على قاعدة قانونية وفقهية راسخة وثابتة بين الناس، وهي (لا ضرر ولا ضرار)! فما الذي كان يضير المراقب، أو يضير الجامعة، لو سمح المراقب لطلاب (ثلاثة) فقط.. تأخروا (ثلاث) دقائق فقط، بدخول الامتحان.. مع الإبقاء على الاحترام المطلوب للقوانين واللوائح؟!
* وأخشى أن يخرج علينا غداً من يقول ببلاهة، وماذا لو حضر كل الطلاب متأخرين، أو يقول ماذا إذا حضر بعضهم متأخرين خمس دقائق أو عشر دقائق.. ومثل هذه الأسئلة الغبية، التي تفترض تأسيس سوابق قانونية ملزمة، على تصرّف مراقب في قاعة امتحانات، وكأننا في قاعة المحكمة.. أو كأننا نؤسس لمنهج عام، يجب أن يسري على جميع الحالات بغض النظر عن ظروف كل حالة على حدة!
* شيء آخر، وإن لم يكن مهماً كسابقه، وهو أن (اللائحة) قد وضعت قبل أن تتفتّق عبقرية الدكتور عصام صديق بفكرة البكور التي جعلت (ساعتنا) تختلف عن كل ساعات العالم، بساعتها المبكِّرة، والتي لم تراع الشتاء أو الصيف، ومواعيد شروق الشمس وغروبها، أو ظروف الشعب السوداني العملية، وتعقيدات الطرق والمواصلات… ألخ وظلت (تراوح مكانها)، أي اللائحة، ولم تتغير بتغيّر الزمن، أو تغيّر الظروف التي قضت على مجمعات الجامعة السكنية والداخليات التي كانت تأوي الطلاب، وتيسِّر لهم الوصول إلى الجامعة في أقصر وقت، وتحفّزهم على الحضور إلى الجامعة في أي وقت، وتدفعهم إلى البقاء فيها أطول وقت، ليستفيدوا من امكانات الجامعة، بأكبر قدر.. مثلما يحدث في كل أنحاء العالم!
* ولكن من يفهم، ومن يريد أن يفهم ويعمل، ليستفيد ويستفيد الآخرون؟!
* آه.. يا جامعتنا، ويا حبيبتنا، ويا جميلتنا ومستحيلتنا، التي ضاعت وتضاءلت.. بعد أن كانت ترفع رأسها بزهو وشموخ بين أجعص الجامعات في العالم!
* لديَّ الكثير من الدموع أذرفها عليك، فانتظريني، وانتظروني!
إلى لقاء بإذن الله

drzoheirali@yahoo.com
مناظير – صحيفة السوداني – العدد رقم: 1156 2009-01-31

Exit mobile version