يا حليلك يا بلدنا

[JUSTIFY]
يا حليلك يا بلدنا

*لما صعدت (الإنقاذ) على منصات الحكم في العام 1989م، كان مهتمة جداً بتسديد أولى ضرباتها للشيوعيين السودانيين، العدو التقليدي التاريخي للإسلاميين، ولما كانت هيئة السكة الحديد إحدى أشهر القلاع التاريخية لليسار السوداني، كانت بطبيعة الحال من أوائل الجهات التي تلقت ضربة قاتلة كادت تودي بحياتها وفعاليتها وحراكها، وكان بطل تلك الضربة بامتياز هو القيادي بالمجلس الوطني محمد الحسن الأمين، الذي كان يشغل وقتها وظيفة نائب والي ولاية نهر النيل يومها ذهب الشيوعيون في عملية إضراب مفتوحة، وذهبت الإنقاذ في المقابل لجعل العمال المتوقفين عن العمل يذهبون في رحلة خروج بلا عودة، وكانت لعمري تلك أكبر عمليات نزيف عمالي تشهدها الهيئة ربما في تاريخها، وكان بين أولئك المسرحين أمهر العمال وأعظم الكوادر، لكن قاتل الله السياسة هي دائماً وراء عمليات تراجعنا وتقهقرنا.
*كأن الإسلاميين يومئذ قد أخذوا بوصية البصيرة أم حمد التي قالت بذبح العجل ثم كسر الجرة. فخسرنا العجل والجرة معاً، أعني خسرنا الهيئة وعمالها معاً في تلك الضربة القاضية.
*وبعد ذلك كلما حاولت هيئة السكة الحديد أن تنهض من جديد عاجلتها السلطة بمعالجات وظيفية غير حكيمة ثم لم تلبث أن تراوح أمكنة ومحطات تقهقرها، حدث ذلك يوم أن تسنم قيادتها المهندس حسن خليفة عثمان، يوم أن قال كثير من الآباء المخضرمين إن الهيئة أوشكت أن تعود لعصرها الذهبي، ثم لم يترك الرجل (أبو نخاوة) أن يكمل مهمته فأقصوه من منصبه، وبالأحرى قد كتبوا نهاية (قصة مدهشة وناجحة)، واغتالوا أحلام آلاف العمال في مهدها، ثم عادت الهيئة القهقرى إلى مدارج تخبطها وتراجعها.
*ثم يقيض الله سبحانه وتعالى من جديد للهيئة رجلاً في شراسة وإرادة المهندس مكاوي محمد عوض، أحد المهندسين الذين كتبوا أسماءهم بمداد من نور في إدارة هيئة الكهرباء. لم يحتج السيد مكاوي لكثير وقت ليضع من جديد عجلات الهيئة على قضبان الطريق الصحيح.
*وكما في المثل “عادت حليمة لعادتها القديمة”، ففي أول عتبة تغيير لم ير القوم، قوم الشيخ حسن، إلا أن يطيحوا بأعظم إنجاز كان يتشكل في رحم الهيئة، فلما كانت الهيئة تحتفل بميلاد قطار النيل الحديث، هذه التجربة الطموحة التي كانت ستعمم على كل أركان السودان الأربعة كانت في المقابل (مطابخ المؤتمر الوطني) تطبخ على نار مستعرة قرار إبعاد الرجل مكاوي من الهيئة إلى النفط، برغم أن هنالك عشرات الكوادر التي بإمكانهم أن تذهب الى هناك، فبكينا سراً أشواقنا وبكينا جهراً المهندس مكاوي، ثم ذهبنا من جديد نحدق في الأفق البعيد بانتظار فارس جديد، وبالمناسبة هل سيكون هو الكادر الإداري الباهظ شرف الدين على مختار الذي يتردد اسمه في بعض الدوائر، ولاسيما أن الرجل قد خبر وزارة النقل إبان توليه إدارة الخطوط البحرية السودانية ولازالت مكتسباته تتحدث نيابة عنه!
*ومهما يكن من أمر لم ولن يكون بمقدور السودانيين أن يكتبوا تاريخاً ونهضة جديدتين بمعزل عن هيئة سكة حديد باهرة وقاهرة كونها الناقل الأرخص والمكتسب الوطني الأغلى، فالسكة حديد خلال تاريخها كانت (نهر نيل ثان) لم تنقل فقط البضائع والأفراد، ولكنها ساهمت في نقل المجتمع السوداني إلى حالة تجانس مدهشة وتلاحم يوم تصاهرت في محطاتها وورشها كل البطون السودانية! هل تاني من عودة وهل باقي لي أمل؟!

[/JUSTIFY]

ملاذات آمنه – صحيفة اليوم التالي

Exit mobile version