نحتاج إلى جيمس

كلما ظننت أنني تقدمت خطوة في مقاربة سلوك الوزراء والمسؤولين الكبار بإحالته إلى نظريات (علم النفس) ومدارسه المتقدمة والأكثر حداثة لتفسيره وقراءته، لكنني للأسف، أجدني كل مرة مضطرا إلى العودة القهقهرى إلى ما قبل الحداثة، إلى مدرسة الـ (Functional psychology)، وهي مدرسة ابتدرها الفيلسوف الأميركي (وليام جيمس) في القرن السابع عشر وتعتمد في اشتغالها على تفسير السلوك البشري على وظيفة الشعور لا على تركيبته.

في واقع الأمر، لا ينبغي (تفويت) الفرصة للإشارة إلى أن مؤسس هذه المدرسة كان مولعاً ومتأثراً بأفكار داروين ونظريته في الانتخاب والانتقاء الطبيعي، وهي نظرية – كما يعرف الجميع – تفترض أن استمرارية حياة النوع البشري (الكائن الحي) تأتي عن طريق عملية الاختيار عبر الزمن، وهكذا حاول صاحبنا (جيمس) تطبيق ما ذهب إليه داروين على علم النفس، حيث لاحظ أن الوعي أو الشعور هما من أهم الصفات التي تُميز الإنسان فاستنتج أن موضوع علم النفس هو دراسة وظيفة الشعور وليس تركيبته، كما انتقد المدرسة (البنائية التركيبية) واعتبرها أهملت جوهر الخبرة الشعوري.

الوظيفية اهتمت أكثر بكيف يكيف الناس سلوكياتهم مع العالم الحقيقي وقد حاولت طرح مواضيع جديدة لخدمة الناس فمثلا بدل الاهتمام بدراسة الإدراك والمشاعر والأحاسيس ركزت على مواضيع مثل نمو الطفل والاختبارات العقلية والعمليات التربوية والاختلافات السلوكية بين الجنسين.

وما كنت سأدفع بوزير الدولة بالعدل إلى اختبارات علم النفس الوظيفي على هذا النحو، إذ أنني فعلت قبل أن يجف حبر مقالي عنه في عدد أمس، لولا أنه عاد إلى (السوداني) ليبرر فعلته (الهارجة) والزائدة، بطريقة أفضل منها (لو أنه صمت) و(طنش الأمر)، وهكذا فإننا مضطرون على إحالته إلى علم النفس الوظيفي كي نظفر بتفسير منطقي لما بدر منه أولاً ولتبريره لهذا السلوك لاحقاً، فالرجل أعاد ترتيب أماكن جلوس الحضور، وكأنهم في (أولى أساس) متبيناً في ذلك نظرية (فصل الجنسين عن بعضهما) ومعتبراً ذلك أمراً دينياً واجب التنفيذ وأنه دون خلق الله من الوزراء مكلف به، وهكذا إلى أن تأتي قصة الكفيف ومرافقته، ما سبب حرجاً لكل الأطراف.

وزير الدولة بالعدل ليس من مهامه فصل الرجال عن النساء، هذا بدايةً، ثم بعد أن وقع الفأس في الرأس، وحدث ما حدث، جاء الوزير إلى صحيفة السوداني ليبرر الأمر بقوله: كانت هناك مشكلة تنظيم الورشة بسبب إهمال المراسم.

للأسف، تصرف الوزير، ثم تبريره وحتى اعتذاره عن الكفيف، كلها أمور تحتاج إلى (جيمس)، فالرجل غير معني بتنظيم الورشة، يأتي فقط ليلقي كلمة برتوكولية في افتتاحها وينصرف، فما الذي يجعله يهرج في موضوع النساء والرجال ثم ينخرط في محاضرة الجمع عن معايير التوجه الإسلامي، ثم يأتي لينكر كل ذلك ويأتي بالمراسم (كبش فداء)؟.

كثير من الوزراء والمسؤولين يحتاجون جلسات إلى (جيمس)، فاللجوء إلى علم النفس الوظيفي هو الحل الوحيد لتفسير مثل هذه (الظواهر).

Exit mobile version