منى عبد الفتاح : التمرد الدائم في دولتي السودان

بعد أن أكملت دولة جنوب السودان خمسة أعوام من الفشل الذريع، والتدهور في الأحوال الإنسانية، وفيما كان المجتمع الدولي متعاطفا مع قيادتها، خرج الآن بمقترح فرض عقوبات دولية بسبب تجاهل حكومة الجنوب والقوات المتمردة للأزمة الإنسانية الكارثية التي يواجهها الشعب هناك.

وبعد أن نزل المنصب الرئاسي بردا وسلاما على سلفاكير ميارديت الذي تناوله من كف القدر برحيل الزعيم السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق دي مبيور، يرى سلفاكير الآن أن وطنه جنوب السودان هو “جمرة” تشتعل بين يديه ولا سبيل لإطفائها.

سطورُ تاريخ مظلم
يعود وضع دولة جنوب السودان الحالي إلى ما ارتكبه الاستعمار البريطاني بحق السودان، من تعمده ترك الجنوب تابعا لأفريقيا أكثر من تبعيته للسودان الشمالي، وذلك بإصداره قانون المناطق المقفولة عام 1932 لمواجهة التأثير الإسلامي والعربي. وذهبت الإدارة البريطانية إلى أكثر من ذلك بأن واجهت ذلك المد بإرسال بعثات التبشير المسيحية لذاك الإقليم الذي لم تكن له ديانة رسمية غير مجموعة من العقائد الروحانية ولهجات محلية مختلفة بعدد القبائل، كما لم يكن متاحا للشماليين الدخول إلى هذه المناطق إلا بإذن رسمي.

“يعود وضع دولة جنوب السودان الحالي إلى ما ارتكبه الاستعمار البريطاني بحق السودان، من تعمده ترك الجنوب تابعا لأفريقيا أكثر من تبعيته للسودان الشمالي، بإصداره قانون المناطق المقفولة عام 1932 لمواجهة التأثير الإسلامي والعربي”

عند التهيئة لاستقلال السودان، ومع تطبيق مشروع السودنة بإحلال سودانيين بدلا من الموظفين والضباط الاستعماريين، تدفق الموظفون الشماليون نحو الجنوب لملء الوظائف الشاغرة، وذلك لعدم جاهزية الجنوب للاستقلال، مما أوغر في قلوب الجنوبيين الذين رأوا ذلك نوعا من الاستعمار الجديد، فقاموا بالتمرد الأول في 18 أغسطس/آب 1955 في المناطق الاستوائية. احتوى ذاك التمرد الحاكم البريطاني العام، ودعا القوات الجنوبية إلى وضع السلاح والسماح للقوات الشمالية بالدخول إلى الجنوب.

بعد ذلك ترك الجنوبيون في مواجهة الشماليين الغاضبين من الأفعال الوحشية التي قام بها الجنود نحوهم، ودون إشراف من الإدارة البريطانية.

وفي 31 ديسمبر/كانون الأول 1955 صوت السودانيون شماليون وجنوبيون من داخل البرلمان لصالح استقلال السودان، وقد كان تصويت الجنوبيين مدفوعا بوعد شمالي لهم بالحصول على الحكم الذاتي. ذاك الحلم الذي ظل يداعب خيال المثقفين الجنوبيين وينمي نزعتهم الانفصالية خاصة مع مناورات السياسيين الشماليين ومزايداتهم السياسية.

بعد إعلان استقلال السودان في الأول من يناير/كانون الثاني 1956، توقف العمل بالنظام اللامركزي الذي كانت تنتهجه الإدارة البريطانية، وحل محله النظام المركزي الذي أدى إلى خلافات عديدة حول الوزارات والوظائف والمصالح. وأثناء ذلك أعيد تنظيم قوة دفاع السودان لتصير إلى الجيش السوداني، وأرسلت كتائب إلى الجنوب لاستتباب الأمن، ولكن كان الجنوبيون ينظرون إلى تلك القوات على أنها إبدال مستعمر شمالي أسمر من المستعمر الأبيض.

حاول الجنوبيون ملء الفراغ السياسي بعد تشكيل لجنة الدستور عام 1956، وانسحابهم منها لضعف تمثيلهم، فأنشؤوا الحزب الفيدرالي الجنوبي عام 1958 الذي كان من أهم أهدافه تحقيق انفصال الجنوب. وقد كان ذاك هو نفس العام الذي تسلم فيه العسكر السلطة بقيادة الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1958.

أصدر عبود قانون تنظيم الهيئات التبشيرية وطرد كل موظفيها من الجنوب عام 1963، وإلغاء عطلة الأحد كعطلة رسمية واستبدال عطلة يوم الجمعة منها. كما انتهج سياسة الأسلمة والتعريب من منطلق أنها ستكون حلا لمشكلة الجنوب.

ومن كل ذلك الشعور بالغبن نحو الجنوبيين وحرياتهم الدينية ونتيجة لهجراتهم الجماعية إلى دول الجوار الأفريقي، تكونت أحزاب سياسية جنوبية كان من أبرزها الاتحاد السوداني الأفريقي لجنوب السودان (سانو) الذي أرسل مذكرة للأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 مطالبا باستقلال جنوب السودان وحق تقرير المصير، ومتابعة دولية لمعالجة قضية الجنوب.

مع هذه الهجرات التي كان قوامها متعلمين ومثقفين جنوبيين، أنشئ جناح عسكري لتحرير الجنوب ليعمل جنبا إلى جنب مع القوى السياسية المعارضة. نتج عن ذلك التكوين إعادة الفيلق الاستوائي المنحل الذي استعان ببعض الشباب المعسكرين في أحراش الجنوب، ليكون الجناح العسكري لحزب سانو والمعروف بـ”أنانيا” وهي تعني سم الكوبرا، وذلك كناية عن القتل السريع، وكان نهجه حرب العصابات وتخريب المنشآت ونسفها.

نجح بعض القادة في تحويل الأنانيا إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان، ولكن هذا التكوين لم يكن جديدا بالكامل، فما زال يحمل إرث جيش العصابات الذي لم يكتف بإثارة الاقتتال في الجنوب وحده، وإنما قام بنقله إلى أجزاء أخرى من السودان ترى شعوبها أنها تعاني من التهميش في ظل سيطرة المركز.

“غذت الحركة الشعبية الصراع في دارفور بناء على هدفها بتشتيت مقدرات الجيش السوداني وتخفيف الضغط على الجبهة الرئيسية في الجنوب في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، ونشطت علاقاتها مع الحركات المسلحة في دارفور بعد إنشاء حركة العدل والمساواة”

عدوى التمرد
مر تمرد جنوب السودان بمراحل عديدة وأحداث كثيرة، بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، وتوقف الحرب وذهاب الجيش الشعبي لتحرير السودان مكونا لجيش الجنوب. لم يلبث استقلال الجنوب عاما أو بعض عام حتى انشقت عناصر من الحكومة نفسها رافعة عصا التمرد، وبنفس الطريقة التي تكون بها الجيش الشعبي لتحرير السودان قديما تم تكوين قوات متمردة لمواجهة الحكومة.

تفاقمت النزاعات حتى وصلت ذروتها في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2013 عندما شهدت دولة الجنوب مواجهات دموية بين القوات الحكومية ومليشيات مسلحة تابعة لرياك مشار النائب السابق للرئيس سلفاكير ميارديت، بعد اتهام الرئيس لمشار بمحاولة تنفيذ انقلاب عسكري.

أعلن رياك مشار بتحركاته تلك أنه يريد السيطرة على العاصمة جوبا وحقول النفط الأساسية، محذرا من أن الحرب الأهلية لن تتوقف قبل سقوط الرئيس سلفاكير، الذي وصفه بـ”الديكتاتور”، وأشار الى أنه لا يجد سببا لتقاسم الحكم معه. دخلت الأطراف المتصارعة في مفاوضات عديدة لم تسفر عن اتفاقات، كان آخرها مفاوضات أديس أبابا برعاية الهيئة الحكومية لتنمية دول شرق أفريقيا (إيجاد) والتي تأجلت منذ مارس/آذار الماضي إلى أجل غير مسمى.

ومن حركة تمرد واحدة تناسلت حركات، آخرها كان انشقاق اللواء جونسون أولينق من الجيش الحكومي الجنوبي وسيطرته على مدينة ملوط التي تبعد حوالي 30 كيلومترا من حقل فلوج النفطي بولاية أعالي النيل ومدينة ملكال عاصمة الولاية، لينضم إلى الحركة التي يقودها رياك مشار.

أكبر تأثير تركه الجيش الشعبي لتحرير السودان على أقاليم السودان الأخرى، كان ذاك التدخل في حروب دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجبال النوبة باعتبارها مناطق تعاني من التمييز العرقي والتهميش الاقتصادي ونقص التنمية.

استنسخت حروب أخرى في المناطق المذكورة على نفس النسق الثوري وبنفس عقيدة الأنانيا في التصميم على القتل الفوري، ولتنضم تلك القوى في بوتقة واحدة نشأت الجبهة الثورية المكونة من الحركات المسلحة المتمردة لقبائل دارفور وقوات من المنطقتين.

بين التفكك والاضطراب
ما غرسه الاستعمار البريطاني من أزمات ساهمت في خلق روح الثورة الدائمة من أجل الانعتاق، واصلته الأحزاب السياسية بعد الاستقلال. فما فتئت الحكومات الوطنية المتعاقبة تمارس سياسة “فرق تسد” من خارطة لا وعيها العقلي. وبعد أن كانت سياسة وصلت إلى التفرقة الكاملة بين الشماليين والجنوبيين حد الانقسام، أصبحت بين الشماليين أنفسهم وبوتيرة أسرع تعزف على الوتر القبلي والإثني.

هذا المستنقع الإثني، غرقت فيه دارفور وتبعتها جبال النوبة والنيل الأزرق، ونتيجة للضيم السياسي والاقتصادي، خرجت من هذه الأقاليم حركات تمرد لم تكتف بالقتال في مواقعها فقط وإنما شرعت في التحرك نحو العاصمة التي رأتها مركز الحيف والتهميش الواقع على أهالي المناطق البعيدة.

غذت الحركة الشعبية لتحرير السودان الصراع في دارفور بناء على هدفها في تشتيت مقدرات الجيش السوداني وتخفيف الضغط على الجبهة الرئيسية في الجنوب في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، ونشطت علاقاتها مع الحركات المسلحة في دارفور بعد إنشاء حركة العدل والمساواة.

ومن هذه النقطة يتحول الصراع من الحركات المسلحة والحكومة إلى حرب قبلية إثنية بين قبائل الفور ذات الجذور الأفريقية والقبائل ذات الأصول العربية المدعومة من الشمال وحكومة المركز.

ومن تلك التحركات المثيرة للذعر كانت غزوة أم درمان الشهيرة التي نفذتها حركة العدل والمساواة في 10 مايو/أيار 2008، سالكة الفيافي من دارفور غرب السودان إلى العاصمة. دخلت القوات من جهة الغرب فكان مسرح العمليات في العاصمة الوطنية أم درمان، تلك المدينة التي تجاوزت أسطورتها بكثير لتستقر في شرايين الشعب ونبض تاريخه وحكاياته.

“تسير دولة جنوب السودان من درك إلى آخر، وهي لم تعِ بعد حقيقة أنها أصبحت دولة ذات سيادة. ولولا التعاطف الذي طغى على معظم الحقائق التاريخية وشكل أحداث تاريخ الصراع حتى انفصال الدولة، لصدق الزعم الذي قال إن شعب الجنوب لم يكن يدرك في الأساس تبعات مطالبته بدولة مستقلة”

لو لم تختر قوات حركة العدل والمساواة هذه العاصمة الوطنية لتغيرت الوقائع كثيرا. ولكن بغير تقدير لأي حسابات اقتحمت القوات عمق المدينة الثائرة، التي لا يمكن المرور على صراع فوق أرضها دون ذكر ما تمثله من عمق في وجدان الشعب السوداني.

رغم هزيمة قوات حركة العدل والمساواة في تلك الواقعة، فقد رشحت أخبار في الفترة الماضية بأنها تعد العدة لمحاولة أخرى. ورغم اشتعال التمرد في هذه المناطق سواء في دولة الجنوب أو السودان، فإن مناطق أخرى مؤهلة لهذا النوع من الاضطراب ما زالت تلزم الصمت ومن خلفها بركان يحتمل انفجاره في أي لحظة.

تتدافع هذه المشاكل والصراعات الضاربة في عمق التاريخ السوداني منذ ما قبل الاستقلال لتفرز واقعا جديدا. لم يستفد السودان من تنوعه وإنما أصبح وبالا عليه، فالنزاعات القبلية والإثنية كلها كانت لأسباب تتعلق بحيازة الأراضي الزراعية أو الرعوية والتعدي عليها. كما هناك عوامل التهميش الاقتصادي وضعف الهياكل المؤسسية، وسياسات الإقصاء للآخر التي تتبناها النخبة السياسية في كل العهود التي مرت على السودان، والإدارات التي تعاقبت على حكمه.

تسير دولة جنوب السودان من درك إلى آخر، وهي وفي الواقع لم تعِ بعد حقيقة أنها أصبحت دولة ذات سيادة. ولولا التعاطف الذي طغى على معظم الحقائق التاريخية وشكل أحداث تاريخ الصراع حتى انفصال الدولة، لصدق الزعم الذي قال إن شعب الجنوب لم يكن يدرك في الأساس تداعيات مطالبته بدولة مستقلة.

وليت هذا الزعم اقتصر على دولة الجنوب الجديدة لحداثة عهدها بالمعنى المؤسسي، ولكن ذلك يشمل كل السودان بشقيه الشمالي والجنوبي الذي لا يزال يقف في مفترق الطرق بين التفكك والاضطراب.

Exit mobile version