فيلم “محمد رسول الله” ميزانية ضخمة لا تحل معضلة التجسيد

عُرض فيلم “محمد رسول الله” للمخرج الإيراني مجيد مجيدي الخميس (27 آب/ أغسطس 2015 ) في حوالي 143 دار عرض سينمائية في إيران، كما عُرض الفيلم في الافتتاح الرسمي لمهرجان أفلام العالم في مونتريال بكندا. ويروي الفيلم حياة نبي الإسلام من ولادته وحتى بلوغه سن الثالثة عشرة. وهو بذلك يعالج حياة الرسول قبل الرسالة في مرحلة غائبة عن ذاكرة كثير من المسلمين، كما يقول محمد صالح صدقيان، مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية في طهران، والذي كان من بين من شاهد الفيلم في أول يوم عرضه في طهران. صدقيان الذي تحدث إلى DWعربية من طهران قال “كنت متلهفا لمشاهدة الرسول في هذه الفترة، فأغلب المسلمين يجهلون حياة الرسول في فترة طفولته، وتنصب معرفتهم على تاريخ الرسول والأحداث التي تلت البعثة النبوية” حسب قوله.

نقل صدقيان شخصيا عن مخرج الفيلم مجيد مجيدي القول إنه أراد من الفيلم الابتعاد عن الصورة النمطية في معالجة قصة الرسول، وأنه لا يريد أن يدخل في جوانب عسكرية وسياسية أو حتى دينية، خاصة في الجزء الأول منه. فالفيلم في ثلاثة أجزاء، ولم يكن الفيلم الذي انطلق عرضه بالأمس سوى الجزء الأول منه. حول أسلوب المعالجة يقول صدقيان “معالجة الفيلم معالجة إنسانية لشخص الرسول وليست معالجة ترتبط بالبعثة النبوية. لم تأخد بنظر الاعتبار أن هذا الصغير سيصبح نبيا. بل أخذت بنظر الاعتبار الوجه الإنساني له وعلاقته بإقرانه وبمن حوله. من خلال الرحمة والرأفة والتسامح التي تميز بها الصغير، وكيف يتعامل مع أبناء جيله ومع الأكبر منه”. وبين صدقيان أنّ الفيلم قد عرض وقائع لتربية الرسول الإنسانية منذ ولادته وحتى بلوغه الثالثة عشر من العمر.

“سد الذرائع”
فيلم مجيد مجيدي أثار زوبعة إعلامية قبل عرضه. ففي مطلع العام الحالي، جدد الأزهر معارضته لتجسيد النبي محمد. وفي بيان سابق بداية العام الحالي رفض الأزهر تجسيد الأنبياء والذي لا يقتصر على منع إظهار وجوههم بشكل واضح في هذه الأعمال “لكن تجسيد الأنبياء صوتًا أو صورة أو كليهما في الأعمال الدرامية والفنية أمر مرفوض، لأنه ينزل بمكانة الأنبياء من عليائها وكمالها الأخلاقي ومقامها العالي في القلوب والنفوس إلى ما هو أدنى بالضرورة”، حسب البيان.

وهي معضلة تصاحب تجسيد الأنبياء أو شخصيات من الصحابة في أفلام أو مسلسلات تعرض لأحداث ومراحل مهمة في تاريخ الإسلام أو لشخصيات شكلت ملامح بارزة في تاريخ الإسلام، خاصة الخلفاء الراشدون.

من القاهرة تحدث الدكتور أحمد مصطفى الأزهري في كلية الشريعة والقانون قائلا لـDWعربية إن سبب تحريم الأزهر لتجسيد شخصية النبي يقع تحت قاعدة سد الذرائع “التي يؤكدها المذهب المالكي. فحتى لو كانت نية من يصنع الفيلم صحيحة فربما سيدفع الفيلم للمفسدة”. ويتساءل الشيخ الدكتور “فإذا قمنا نحن المسلمون بهذا العمل، فماذا لو فعل ذلك غير المسلمين؟”.

بيد أن المخرج مجيد مجيدي لدى عرض الفيلم على الصحافة في مونتريال قال إن عمله الذي يروي طفولة النبي منذ ولادته وحتى سن الثالثة عشرة، كان ثمرة أبحاث مطولة أجراها “مع مؤرخين شيعة وسنة”. كما أكد حينها أن ملامح النبي محمد لا تظهر في الفيلم، بل إن العمل يتناول العالم المحيط بالنبي. وبفضل تأثيرات خاصة لا تظهر ملامح وجه النبي أبدا “بل يمكن رؤية ظل جسمه”.

هذا الكلام أكده صدقيان الذي شاهد الفيلم بقوله “صورة الرسول لم تظهر في الفيلم، بل ظهره فقط، ووجهه لم يظهر على طول الفيلم. أحيانا يظهر ظله أيضا. ولم نسمع صوته إطلاقا، بل كان هناك دائما من يتحدث باسمه”.

معارضون آخرون

في خضم الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط يهدف المخرج الإيراني إلى تصحيح النظرة التي باتت سائدة عن الإسلام باعتباره دينا عنيفا. جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عقده في مونتريال قبل الافتتاح الرسمي للمهرجان وأضاف “إن صورة الإسلام في الوقت الحاضر هي للأسف صورة إسلام راديكالي، عنيف ومتعصب، وهو ما لا يتفق مع مفهوم” هذه الديانة. وندد المخرج بـ”أعمال الإرهاب الوحشية” التي تنفذها “مجموعات إرهابية تحت غطاء الإسلام” في إشارة إلى التنظيمات المتشددة في العراق وسوريا وأجزاء أخرى من العالم، مؤكدا أن الإسلام “ديانة سلام وصداقة ومحبة”.
بيد أن الأصوات المعارضة للفيلم جاءت من جانب آخر أيضا، وهذه المرة من قبل معارضين للنظام الإيراني. ففي عصر يوم الخميس وعند مشارف سينما امبريال في مونتريال، حيث إنطلق المهرجان تظاهر معارضون للنظام في طهران وهم يهتفون “ليسقط النظام الإسلامي” و”عار على المهرجان، عار على مونتريال وكندا”. المعارضون البالغ عددهم حوالي 50 شخصا، إتهموا مخرج الفيلم مجيد مجيدي بـ”الخيانة” ومنظمي مهرجان مونتريال للسينما “بمساعدة الدعاية” الإيرانية.

في المقابل قال الإعلامي محمد صالح صدقيان إن في إيران “دعاية كبيرة للفيلم وهناك إقبال كبير على مشاهدته. إقبال كبير وارتياح. فالفيلم لا يظهر قضايا دينية بل يُظهر الجانب الإنساني والشخصي لرسول الله”.

الشيخ الدكتور أحمد مصطفى الأزهري جدد التأكيد على أن المسلمين ليسوا بحاجة لتمثيل شخصية النبي أو الصحابة أو الأنبياء. وانتقد تصوير شخصيات دينية في أفلام، معتبرا أنه حتى لو حاول ممثل الشخصية تقديم أفضل ما عنده ، فلن يكون بإمكانه الوصول إلى سمو الشخصية ، مؤكدا بالقول “من يمثل الفيلم يريد أن يقدم أفضل ما عنده خلال تجسيده لشخصية الرسول، لكننا في غنى عن تجسيد شخصيته، فلدينا الكتاب والسنة”.

DW

Exit mobile version