الحوار والسماعة الخارجية

الحكومة هي من طلب من تشاد لعب دور في تقريب المسافة بينها وحركات دارفور الثلاث.. وإلا لماذا طار المهندس “إبراهيم محمود حامد” لانجمينا ومعه “أحمد سعد عمر” والقيادي في المؤتمر الشعبي “كمال عمر” و”بحر إدريس أبو قردة”.. وبعد عودة الوفد طار الرئيس التشادي “إدريس” بنفسه للقاء المتمردين الثلاثة “جبريل” و”مناوي” و”عبد الواحد” في باريس ويصدر الإعلان الصحافي الذي لم يأت بجديد سوى إعادة تأكيد مواقف الحركات الثلاث من عملية الحوار الوطني وربط مواقفها بالمعارضة الداخلية ،قوى الإجماع الوطني.. وأمس الأول استقبلت الخرطوم وفداً من ألمانيا بحث مسار الحوار الوطني وترتيبات بداية الحوار يوم السبت القادم، ورحبت الحكومة بجهود ألمانيا الرامية لتحقيق السلام في السودان، وشكّل الحوار الوطني محور مناقشات ومحاورات وزير الخارجية بروفيسور “إبراهيم غندور” مع وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري”.. فكيف تقول بعض القيادات إن الحوار الوطني شأن داخلي محض ، وترفض الحكومة مجرد عقد لقاء تشاوري في مقر الاتحاد الأفريقي يمثل ذراً للرماد في العيون وإرضاء فقط للمعارضة التي أيقنت في نفسها من جدية الحكومة ولكنها أيضاً (تزايد) في مواقفها.
وحينما أصدر الاتحاد الأفريقي قراره الخاص بعملية الحوار الوطني وأشاد بمبادرة الرئيس بإعلان رغبة الحكومة في (حلحلة) النزاعات سلمياً لم ترفض الحكومة ذلك. بل، من دعا الرئيس “ثامبيو أمبيكي” للمشاركة في الحوار باعتباره البديل الموضوعي لمبادرة دول الإيقاد لإيقاف الحرب في المنطقتين؟؟
غداً ستطلب الحكومة حضور مراقبين أجانب.. وبعد قليل يصبح هؤلاء المراقبون (مسهلين).. ثم مفاوضين ووسطاء وتمجد شهاداتهم الداخلية . وأي مبعوث أو مراقب جاء السودان يصبح لديه لسانين في الداخل يقول (كلاماً ذي الفل) يرضي آذان المضيف ويجعله في نظره محايداً وموضوعياً، وما أن تطأ قدماه أرض أي دولة مجاورة ،إلا وقال كلاماً جعل الحكومة تصفه بالمغرض والمتجني ،الذي يمثل إمبراطورية الشر المطلق ، وينفذ توجيهات (أسياده) في الخارج ، مع أن الحكومة هي التي دعته.. وقوات اليونميد التي أصبحت اليوم (خازوقاً) لم تهبط أرض السودان كقوات فاتحة مثل القوات الأمريكية في العراق.. ولكنها جاءت بموجب اتفاقية وقعتها الخارجية مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وفي بلادنا اليوم أكبر بعثة أممية في كل القارة الأفريقية ،ورغم ذلك نحن أكثر دولة تتحدث عن حرية القرار والسيادة الوطنية، وإنها كفكرة جاءت من أجل تحرير الإرادة الوطنية من الهيمنة الأجنبية والوصاية التي كانت مفروضة على البلاد.
إن قضية الحرب في بلادنا لا يمكن حلها كسودانيين لوحدنا بعد أن تشابكت مصالح دول إقليمية ودولية واحتضنت تلك الدول الطرف الآخر من معادلة الحرب ، استضافته في أرضها ومنحته جوازات السفر و(فيزا) التنقل من عاصمة لأخرى.. لذلك كان الرئيس الكيني “دانيال أروب موي” حكيماً وذا بصيرة ورؤية ثاقبة، حينما قدم إليه وزير الداخلية تقريراً عن نشاط بعض السياسيين المنتمين لحركة (18) نوفمبر المتطرفة اليسارية في بلاده، واقترح عليه نزع الجوازات الكينية عن هؤلاء ومصادرة أي جواز سفر كيني لشخص يعارض الحكومة، فقال “دانيال أروب موي” إذا نزعنا عنهم الجنسية هناك من يمنحهم جنسيات وإذا صادرنا جوازات سفرهم فكثير من الدولة مستعدة لمنحهم جوازات سفر وكل ذلك يتم على حساب كينيا إن لم يكن اليوم ،فغداً.. واتفاقية نيفاشا مثال للتدخل الأجنبي غير الحميد في الشأن الوطني. وإذا رغبت أي دولة في الانكفاء على نفسها والنأي عن التدخل الأجنبي فلتغلق أولاً أبواب النزاعات الداخلية وتجعل داخلها مستقراً لكل صاحب رأي وموقف!!
وأي حديث عن حوار وطني لا يمسه الأجانب ما هو إلا أمنيات وأشواق بعيدة عن الواقع.

Exit mobile version