دولة الأفندية زمان..

هذا الأفندي الذي ترونه بالمكاتب في حالة بشتنة وبهدلة، كان في قديم الزمان صاحب صولة ودولة وقد كان يقف الناس له اجلالاً وتقديراً.. وكان هذا الافندي حينما يأتي للسوق لشراء اللحمة والخضار يسير الخدام من خلفه يحمل المقطف «القفة» وسيدنا اللفندي يمشي الهوينا طرباً وحينما يسلم على الجالسين يقفون قائلين حباب اللفندي فلان.. وكان حينما يكون في المكتب يلبس بدلة كاملة وبنطلون وخناقه في الرقبة «كرافته» بنفس لون الملابس ويلبس جزمة رباط مستورد Aitle .. هكذا سيداتي سادتي هذا اللفندي الذي ترونه يتخبط في سيره وتتعثر خطاه ويلبس قميص قصير الايدي كان صاحب صولة يتحسر على الماضي قائلاً: يا حليل ايام اللفندية زمان وكان الباشكاتب للمديرية هو أعلى درجة ويرأس جميع اللفندية بمختلف درجاتهم ولا يستطيع أي افندي أن يقابل مدير المديرية الانجليزي غير حضرة الباشكاتب يحمل المراسلة الفوائل معلقاً عليها ليدخل بها على سعادة المدير الانجليزي يسلم عليه باللغة الانجليزية التي يجيدها ويتفاهم معه ويخرج الى مكتبه ليس لتناول الفطور في المكتب هذا ممنوع.. ولكنه يخرج الى منزله للفطور في مدة محددة ويعود.. وكان عمنا عبدالرحمن ود الامين صاحب تقاليد واصول وحينما يدخل للمديرية ويرى افندي يلبس أفرنجي ينظر اليه قائلاً: هاع يا اللضينة لابس افرنجي وحينما يرى افندي لابس جلابية او عراقي وصديري يشكره قائلاً جزاك الله خير يا ولدي بهذا اللباس البلدي ومن اللفندية هناك من يرفضون كلمة افندي او يلبسون بنطلوناً: وكان على رأس هؤلاء العم احمد صديق هو رباطابي وهو جد لاحمد طه صديق المحرر العام لجريدة «الإنتباهة» وكان احمد ود صديق يلبس توب وصديري ويحمل عكاز يضعه خلفه بالمكتب وسئل لماذا يحمل عكاز؟ قال هذا اذا كان مديري المديرية او المفتش قلّ الادب اعلوه بهذا العكاز وكما قيل: السيف اصدق انباء من الكتب والعم احمد صديق هو الوحيد الذي يتخرج من الجامع الازهري من العائلة وهو والد حيدر وعبدالعزيز واسحاق وعمر وحسن واخوانهم: ومن الطرائف ان عمنا عبدالرحمن ود الامين صاحب التقاليد كان حينما يأتي للمديرية لا يجلس إلا مع احمد صديق قائلاً سلام يا ود الصديق: وكان بالمديرية ايضاً الباشكاتب احمد ابو النجا من أهل بربر وكان يلبس بلدي: ومن الطرائف انه يأتي للطيب ود ضحوية الهمباتي بالسجن وكان جابوه ليجر الهبابة للمفتش واحمد ابو النجا يأتي الى ود ضحوية بفطوره: وكان هذا لا يعجب المدير او المفتش.. ولكن ابو النجا كان يكتب الشعر من ود ضحوية وظل مرجعاً في ذلك هكذا سيداتي سادتي
هذه دولة الافندية التي سادت ثم بادت وكم كان لهم مكان في حفظ الدوسيهات وغيرها من الوثائق واليوم هذا اللفندي الذي ساءت حالته وتدهورت اموره ظل يندب حظه وآماله ولا مكان له واللفندي اليوم اذا خرج للفطور قد لا يعود واذا عاد يأتي متأخراً يلعن اليوم الذي جعله افندياً والمواطنون يرجوه في مكتبه بعضهم نائم والآخر صاحي.. وبعد ذلك يقول لهم يا جماعة تعالوا باكر ويخرجوا ويأتوا وتتكرر المسرحية ويقول كل واحد منهم المكاتب بقت فوضى وهذا زمانك يا مهازل فامرحي.. سلام على دولة الافندية ايام زمان.. وتمنيات لأفندية اليوم ونوم العافية وأصلها بقت جبانة هايصة والسلام.

العمدة الحاج علي صالح
الانتباهة

Exit mobile version