منى عبد الفتاح : المشترك في التواصل العربي اللاتيني

قد تبدو المسافة بين الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية عائقا في وجه التعاون بين الكتلتين، ولكن ما أثبتته القمة الرابعة للدول العربية ودول أمريكا الجنوبية التي انعقدت في الرياض يومي 10-11 نوفمبر الحالي؛ هو أن المسافة لا تحد من التعاون والاهتمام المشترك بالنظر إلى ما حققته العولمة من محو للمسافات واختصار للزمن.
هذه القمة التي تركز على بحث قضايا إقليمية ودولية مثل القضية الفلسطينية والإرهاب وإنشاء قوة عسكرية عربية، والوضع في سوريا وليبيا واليمن وتطورات المؤتمر التاسع لمراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي والدورة العشرين لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، تثبت أنه قد مضى زمن التحالفات التي تعتمد على القرب الجغرافي وحده.
هناك عوامل أخرى أكثر أهمية مثل: الروابط الاقتصادية، والهموم المشتركة، بالإضافة إلى أن سكان أمريكا اللاتينية أقرب إلى النسيج الاجتماعي العربي مقارنة بالغرب، وهو النسيج الذي اكتسب المزيد من القوة من خلال الفرص والمحن على مر العصور.
كما أن هناك عوامل سياسية وعلاقات تاريخية، وهي أن أغلب هذه الدول وقعت تحت نير الغزو الاستعماري، والذي تحول بعد استقلالها إلى استعمار جديد على شكل هيمنة اقتصادية وسياسية، مما يجعل علاقاتها تقع في إطار تعاون الجنوب مع الجنوب.
فأمريكا اللاتينية لم تحتل مكانة بارزة في أي سياسة خارجية تنتهجها الولايات المتحدة في عهود سابقة، ما عدا إدارة الرئيس الحالي باراك أوباما في فترة ولايته الثانية.
فقد شكلت منطقة الشرق الأوسط، والصين على الدوام أولويات كبرى بالنسبة للإدارة الأمريكية، وهذا لا يعني أنها ليست لديها مصالح مع أمريكا اللاتينية ولكنها ضعيفة بسبب السياسة الإقليمية غير المتماسكة في التعامل معها مقارنة بسياسات أمريكا الخارجية الأخرى.
وهذا هو ما شجع هذه الدول للاتجاه شرقا نحو الدول العربية، خاصة مع طفرتها الاقتصادية في غضون العقد الماضي، فقد شهدت أمريكا اللاتينية ازدهارا اقتصاديا كبيرا، زاد النمو وانخفض التضخم وازداد الاحتياطي من النقد الأجنبي، فشهد اقتصادها نجاحا لم يحدث منذ أوائل ستينات القرن العشرين.
وكان ذلك الازدهار عائدا بدرجة كبيرة إلى بيئة دولية إيجابية، حيث سجلت أسعار تصدير السلع الأساسية مستويات عالية، وانخفضت أسعار الفائدة على المستوى الدولي.
بما أن دول أمريكا الجنوبية هي بلدان مصدرة للموارد الطبيعية التي تستفيد كثيرا من طفرة السلع الأساسية، فبدلا من أن يرتبط نموها الاقتصادي بالولايات المتحدة، فإنها رأت أن تتجه إلى المزيد من النمو الذي يأتي من التنويع: نقل رأس المال والعمالة إلى قطاعات جديدة، حيث الإنتاجية أعلى، وهنا يأتي دور التجارة بينها وبين الدول العربية.
فما فعلته الولايات المتحدة هو أنها أبقت دول أمريكا الجنوبية على هامش القيمة الرئيسية في العالم، فأصبحت شركاتها تواجه التحدي المتصاعد المتمثل في تطوير منتجات جديدة بالكامل وبيعها في أسواق بعيدة جغرافيا واقتصاديا.
تعتمد فلسفة دول أمريكا اللاتينية على النزعة القومية، وهذا أسس لها الشعور بالعداء تجاه الولايات المتحدة، فانتهجت هذه الدول سياسات اقتصادية تعول على الدولة وتتجنب الاستثمار الأجنبي.
كان دافع هذه الدول إلى ذلك هو هشاشة الهيمنة الأمريكية، ولكن الآن تكون المنطقة قد خرجت من كونها «الساحة الخلفية» للولايات المتحدة، وتظهر الآن بشيء من الوحدة والانسجام، الذي يؤهلها للتعاون الخارجي ككتلة واحدة مع الدول العربية.
وفقا لجدول أعمال القمة فبالإمكان أن تشهد العلاقة بين الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية تدفقات التجارة والاستثمار والمعرفة العابرة للمحيط الأطلسي مع تحقيق الفائدة للجميع.
خاصة أن القوة العالمية اليوم هي تلك القادرة على الجمع بين القوة الاقتصادية والثقافة الشعبية والامتداد العالمي على أساس المصالح المشتركة.

Exit mobile version