ابودلالة .. تفاصيل قرية (أُمدرمانية ) منسية .. لا غُسل ولا صلاة جنازة على موتاهم و زواج بلا قسيمة وميلاد ووفاة بلا شهادة

فقر، أمية، مرض، (ثالوث) يتكالب على 240 أسرة اتخذت من خور أبو دلالة مستوطناً لها، هذا الخور و الذي ينحصر بين جزرية اسلانج و قرية النوبة بالريف الشمالي لمدينة امدرمان يحمل الكثير من الدلالات و المعاني و رغم قسوة منحنياته وحفره إلا انه كان رحيما بهؤلاء الناس، حيث إحتضنهم و بات ملاذاً أمناً بالرغم من القساوة التي رأيناها،تقول قصتهم بأن الجفاف جاء بهم، واتخذوا من هذا الريف مقراً لهم، وظلت المعاناه حاضره، لا سكن لا تعليم، لا صحة، هل بقي شيء؟ وحتى موتاهم يدفنون دون غسل و بلا صلاة جنازة، فهم قوم يعيشون بالفطرة كأنهم في عصر الجاهلية الأولى يتزوجون، يتناسلون، يتكاثرون…
بحث عن تفاصيل
عُشش .. رواكيب صغيرة متفرقة منتشرة، تتسق مع مُنحنيات خور صغير و صغار ملامح وجوههم الشقاء و البراءة يتفقان أو يلتقيان، و نساء سحناتهم تحمل جمالاً مدفوناً خلف تجاعيد من رهق السنين، حتى الأشجار هي الأخرى ألوانها رسمت صورة باهته خالية من النضارة و الحيوية.
جوع و فقر
تقدمنا نحو تلك (الرواكيب) وعندما شاهدت تلك السيدة العجوز زادت دقات قلبي و اعتصرني الألم يا الله! كم يبدو جسدها نحيلاً، و تبدو عليها آثار مرض عُضال؛ اقتربت منها جلست على ذلك (العنقريب) كان شبيهاً بجسدها تماماً نحيلاً مثلها، القيت عليها التحية وبادرتها الحديث، أخبرتني أنها تدعى (زينب) و هي في العقد السادس من عمرها و هي ام لبنتين توفي زوجها منذ أعوام مضت بسبب المرض تزوجت أحدي بناتها و الأخرى تعمل خادمة بأم درمان صمتت قليلاً و الدموع تحتل مُقلتيها، قالت بصوت متحشرج، يا بتي انا اعاني من فقر الدم ولي اكتر من شهر راقدة، بنتي تركت لي ابنتها الصغيرة و ذهبت للعمل حتى توفر حق الأكل و العلاج، وعندما التفت للصغيرة لم اجد حالها افضل من حال جدتها، فهي متسخة الملابس و الذباب يحيط بوجهها الصغير، و أعينها تبدو عليها ملامح الخوف وتواصل حاجة زينب : “لم أتذوق الطعام انا و حفيدتي الصغيرة منذ 3 ليال الا قليلا من الحليب الذي يمدنا به الجيران و حاولت النهوض من فراشي لأعانه صغيرتي لكن سرعان ما سقطت على وجهي من شدة الجوع و المرض ولم استطع مواصلة حديثي معها، ساعتها لم أتمالك نفسي و كانت دموعي هي الأقرب و أنا أتساءل بدوري ما ذنب هؤلاء؟ وجدن نفسي اردد حديث رسولنا الكريم: (ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلي جنبه وهو يعلم).
آخر الليل
خرجت منها و تقدمت بخطوات يملؤها الوجل نحو (راكوبة) أخرى و انا أتساءل هل يوجد بداخلها اسوأ من حال تلك العجوز و حفيدتها؟؟! و قبل ان ادلف تلكم الراكوبة شاهدت سيدة عجوز تتكئ على عصا عبارة عن غصن شجرة تتلفح لا يكاد يغطي جسدها، اقتربت منها و ساعدتها في الدخول الي مقرها من الداخل يبدو واسعا لكن لا يوجد به سوى عنقريب بالٍ و آخر عبارة عن حصير يتوسد على حجارة وربما تكون ارحم على النائم من بعض قلوب البشر، الحاجة (فاطمة) ذات السبعين عاما لديها ابن وحيد متزوج يقطن معها في ذات المنزل ولا يملكون شيء من الدنيا الا تلكم الثياب البالية التي يغسلونها ليلاً و يلبسوها عند الفجر، و أضافت:” الحمد لله على كل حال ابني يعمل مزارعاً و يأخذ أجره خضار يسد به جوعنا، شكرتنا على بارتها و السؤال عنهم و قالت: نحنا ماف زول بسأل عننا الا عدد قليل من أهالي اسلانج ما مقصرين مننا، بس دايرين المسؤولين يساعدونا.


فصل اليافعين

و من جانب آخر وجدنا بعض الصغار في طريقهم الي المدرسة و بعضهم عائدين من العمل مسرعين، حتى يلحقوا برفاقهم، حيث تبدأ دراستهم بعد الظهر في (فصل اليافعين) والذي تبنته مدرسة الجزيرة اسلانج لمرحلة الأساس إلا ان ذلك الصبي، الذي ظل واقفاً مكانه يراقب هؤلاء الصبية، و يعتلي وجهه الحزن والاسى اقتربت منه، و بادرته بالحديث و سألته لماذا لا تذهب معهم للدراسة؟ جلس على الأرض وكب وجهه عليها ثم نظر إليّ ودموعه حاضرة، دموعي تتأهب لمشاركته، وقال: أتمنى أن أدرس و أتعلم لكن، (البجيب لي القروش منو؟) اجبته بسرعة، التعليم ولم يتوان في الرد قائلاً بلهجته الخاصة(نان التعليم بأكل عيش”) صمتُ برهة وقلت في نفسي هذه مفاهيم ترسخت عندهم و تحتاج إلي …..
فاصل مداري
و عائلة ثالثة تتكون من 9 ابناء، يسكنون في خيمة من (الشوالات و بعض العصي)، تجمعهم و حيواناتهم الأليفة، يأكلون في نفس الماعون، ضاق بهم الحال يتحكم الطقس و فصول العام في مسكنهم تجدهم صباحاً ينتشرون في الاحياء والقرى بحثاً عن عمل و بعض منهم في مزارع اسلانج و في الخريف تنتقل (خيمتهم) معهم في الجزء المرتفع من الخور تجنباً و تفادياً من الغرق، وفي الشتاء ينصبونها في اعماق الخور، حالهم بائس ووجوههم تكسوها المشقة و الأسى ولكن رغم ذلك يبعثون بأطفالهم اليافعين بمدرسة إسلانج.
سروج مواشٍ
في طريقنا في مسار خور ابودلالة وجدنا رجلا في العقد السابع من عمرة و تبدو عليه علامات التعب والارهاق اقتربنا منه وعرفناهو بمهمتنا هذه فأجاب مرحباً أنا عمكم حاج أحمد، واعمل في صناعة سروج المواشي و أسكن في هذه الراكوبة، ومعي أولادي الخمسة وأولادهم والحمد لله وقبل إكمال الحديث، شاهدت من بعيد (حماراً) يعمل إمرأة في السبعينات من عمرها وهي تحمل باقي الحشائش التي تجئ بها من الجزء و الجروف فاذا بابنتها نتظر لها بنظرة اليأس و الخيبة، فسألناها عن حالها، فقالت: “الحمد لله ما راجيه حاجة من زول” واتجهنا نحو الشمال الجغرافي حتى نهاية الخور الذي وجدناه ممتلئاً بفروع الأشجار وروث الحيوانات والذي يستخدمونه في وقودهم و تجاورهم مقابرهم وجدنا كل سكان هذه المنطقة يتكونون من 240 أسرة، لا يملكون أوراقا ثبوتية ولا شهادات ميلاد ولا يعرفون أهاليهم و أن الزواج يتم بطريقة تقليدية موافقة أهالي الزوجين فقط، فعندما سألناهم أجابوا بقولهم: “عشان شنو؟ ما خلاص كلنا عارفين).

منهاج حامد
صحيفة السوداني

Exit mobile version