أغربُ بلاغ جنائي!!!!

هذه القصة ليست من الخيال، ولا من غرائب الأخبار، في سلسلة (هذه الدنيا)؛ ولكنها تجمع بين الكوميديا السوداء وتراجيديا الواقع.
المستشار بنيابة الملكية الفكرية، عبد المنعم عبد الحافظ، تقدم بمقترح برنامج جديد لقناة النيل الأزرق عن الجرائم الإلكترونية. نعم الفكرة جيدة ومفيدة، ولكن هذا لا يكفي لإنتاج البرامج التلفزيونية.
القصة ليست حول شروط ومتطلبات الإنتاج والتقديم التلفزيوني؛ فقد تُتاح فرص وأماكن أخرى للحديث؛ ولكنها عن التعسف في استخدام القانون لمسؤول عدلي رفيع، أراد الانتقام لنفسه بصورة قد تُلحِقُ به شبهة استغلال النفوذ.
-2-
المهم، المستشار أعد مقترح برنامج مطبوع على الكومبيوتر، وأرفق معه سيرة ذاتية، وقال إنه تقدم بنسخة من الأوراق لمدير قناة النيل الأزرق الأستاذ حسن فضل المولى، للنظر في المقترح، ومن ثم الموافقة عليه ووضعه ضمن برامج الدورة السنوية الجديدة.
مدير القناة بأدبه الجم، لم يُرِدْ إحراج سعادة المستشار، ربما مراعاة لشخصه أو لمنصبه؛ فلم يقل له إن مقترحك غير قابل للتنفيذ، أو إنك لا تصلح للتقديم التلفزيوني. طلب الجنرال حسن فضل المولى من مدير البرامج الأستاذ عمار فتحي شيلا، استضافة المستشار في فقرة بإحدى البرامج المسائية.
-3-
حسن فضل المولى، غادر البلاد في رحلة خارجية، وأصبح الأستاذ عمار شيلا مديراً بالإنابة لقناة النيل الأزرق.
حضر المستشار بوزارة العدل لمباني القناة، وقابل المدير المكلف مُستفسراً عن مقترحه. ربما كان يظن أن إدارة النيل الأزرق ستُعبِّرُ بفرح عن سعادتها بدخول المقترح خارطتها البرامجية.
شيلا أخبر المستشار بأن توجيهات المدير أن يستضاف في فقرة برامجية، لا أن يُقدِّم برنامجاً بالقناة.
غضب المستشار وثار لنفسه وكبريائه الجريح، وطالب بتسليمه المقترح والسيرة الذاتية .
كان رد عمار شيلا بأنه لم يستلم من حسن فضل المولى الأوراق موضوع المطالبة.
إلى هنا فالأمر طبيعي؛ فماذا فعل مستشار الملكية الفكرية؟
-4-
هل تصدق عزيزي القارئ، أن المستشار قام بفتح بلاغ في عمار شيلا بتهمة التملك الجنائي بقسم أم درمان وسط.
المفاجئ والغريب، أن زميل المستشار ربما من منطلق المجاملة، قام بفتح البلاغ وإصدار أمر القبض في حق عمار بتهمة تملكه الجنائي لمقترح برامجي وسيرة ذاتية!!!
كان بإمكان المستشار أن ينتظر عودة الأستاذ حسن فضل المولى من الخارج، حتى يتحصَّل على الأوراق التي توجد العشرات من مثيلاتها في أدراج الجنرال: مقترحات برامج تلفزيونية لم تجد القبول من إدارة القناة أو ربما كان بعضها قابلاً للتعديل والمراجعة.
من الواضح أن المستشار أراد الانتقام لنفسه بأدوات القانون، ووجد في المقابل وكيل نيابة يُعينه في ذلك.
-5-
الأمر الطبيعي والمعتاد في مثال هذه الحالات، أن يتم تحرٍّ أوليٌّ للتأكد من وجود بينة، ومن ثم يصدر قرار بفتح البلاغ واستصدار أمر القبض، أو أن تُشطب الدعوى من الأساس.
كان الوضع سيكون على قدر محدود من الوجاهة، إذا تم فتح البلاغ ضد المدير حسن فضل المولى، باعتباره من قام باستلام الأوراق؛ ولكن الأمر المدهش أن يفتح البلاغ ضد شخص لا يوجد شاهد واحد يؤكد أنه قام باستلام الأوراق!!!
وستكون القضية ذات سيقان وحيثيات موضوعية وقانونية، إذا توفر اشتباه بأن القناة استفادت من المقترح أدنى فائدة من أي نوع.
أما والأمر بهذه التفاصيل المجردة، كان لا يستدعي سوى أن يقوم المستشار بتحريك ماوس جهاز الكومبيوتر لطباعة نسخة أخرى من سيرته الذاتية، ومقترحه البرامجي، ويقوم بتقديمها لأية قناة، لعلَّها تقبل به، ولا يكون مصير الأوراق سلة المهملات!!!

Exit mobile version