التكتيكي والاستراتيجي

* استوقفتني عبارة وردت على لسان الإمام الصادق المهدي، وذكر فيها أن الخلاف بين الحكومة والمعارضة حول خارطة الطريق التي طرحتها الوساطة الإفريقية مؤخراً (محدود وقابل للتفاهم لولا استعجال إمبيكي).
* لا يمكن لأي مراقب منصف أن يصف الوساطة التي يقودها إمبيكي بالتعجل، بعدما أصبحت متهمةً بأنها تمثل جزءاً من المشكلة السودانية، بسبب عجزها عن إحداث أي تقدم في مسارٍ تفاوضي امتد عدة سنوات، من دون أن يشهد أي تطورٍ ينبئ بإمكانية الوصول إلى حل يجمع الفرقاء إلى كلمةٍ سواء.
* خاطبت الوساطة الطرفين، وطلبت من كليهما تصوراً لكيفية حل العُقد التي تعترض مسار التفاوض، واجتهدت لمزاوجة تلك المقترحات، ورسمت بها خارطة طريق سارعت الحكومة إلى قبولها بخطوة ذكية، قلبت بها مسار التفاوض، ووضعت بها المعارضة في مواجهة مع الوساطة ومجلس السلم والأمن الإفريقي، الذي منح المعارضين مهلة تمتد أسبوعاً واحداً للتوقيع.
* مهلة شبيهة بمهلة التسعين يوماً التي قدمها مجلس السلم نفسه للحكومة في شهر أغسطس من العام المنصرم، واعتبرتها المعارضة فتحاً لها.
* هذه المرة مارس الوفد الحكومي تعقلاً ذكياً، بقبوله خارطة الطريق على علاتها، ليتجنب الدخول في مواجهة جديدة مع مجلس السلم الإفريقي، الذي نفد صبره من تغليب الطرفين للمواقف التكتيكية على الاستراتيجية.
* تتحدث الحكومة عن ترتيبات نهائية، توقف الحرب من فورها، فتطلب المعارضة وقفاً مؤقتاً للعدائيات.
* يتحدث وفد الحكومة عن ترتيبات إنسانية تتم بعد وقف دائم للقتال، فتطلب الحركات هدنةً تستخدم في إيصال المساعدات للنازحين، وتصر على أن يتم ذلك عبر جنوب السودان، مع تمام علمها أن المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة للجنوبيين أنفسهم تتم عبر السودان!
* تطلب الحكومة اتفاقاً تسير فيه الترتيبات السياسية جنباً إلى جنب مع الترتيبات الأمنية، فتصر الحركات على ترتيبات سياسية تسبق الأمنية، وتطلب المحافظة على جيشها خلال الفترة التي تلي الاتفاق، وهي تعلم أن ذلك لن يتم، ولو تم فلن يخدم المساعي الرامية إلى إبرام حل نهائي للأزمة.
* أكدت التجارب السابقة أن أي اتفاق تسير فيه الترتيبات السياسية بمعزل عن الأمنية لا يدوم.. حدث ذلك بعد اتفاقية السلام التي أبرمها النميري مع الجنوبيين في أديس، وتكرر في جنوب كردفان والنيل الأزرق بعد نيفاشا، وحدث مع مناوي.
* مطلوب من المعارضة أن تغلب الاستراتيجي على التكتيكي، وأن ترفع رأسها قليلاً لتنظر إلى الهدف الأسمى، المتمثل في وقف الحرب، لأن إقرار السلام سينهي معاناة كل النازحين، ويغني الطرفين على الحديث عن الترتيبات الإنسانية.
* ومطلوب من الحكومة أن تحترم التعهدات التي بذلتها عندما أطلقت مبادرة الحوار الوطني، إذ لا يعقل أن تتحدث عن سعيها للتصالح مع خصومها، وهي مستمرة في مصادرة الصحف وإغلاقها، ومتمادية في حرمان بعض مواطنيها من أبسط حقوقهم الدستورية، مثلما حدث أمس للزميل الصحافي فيصل محمد صالح.
* هذه الحرب الملعونة ينبغي أن تتوقف.. التاريخ لن يسامح من يصرون على استمرارها، ونعتقد أن قادة الحركات باتوا معنيين بهذا الحديث أكثر من الحكومة، التي وقعت وقبلت تصوراً معقولاً قدمته جهة محايدة، عيل اصطبارها من تصلب المواقف، والعناد السلبي لمعارضين سيفقدهم موقفهم الأخير أراضي تفوق التي خسروها على جبهات القتال في الشهور الماضية.

Exit mobile version