أحقاً هل أوساخ «العاصمة» شروع في الانتحار؟!..

عندما لا تدقق النظر وأقصد الكلمة تماماً ــ لا تدقق النظر ــ في “شوارع” الخرطوم عاصمة المشروع الحضاري وكذلك في غالبية المدن السودانية الأخرى تهولك كمية الأوساخ التي تمتلئ وتفيض بها جنباتها والتي تتخمر فيها لدرجة التعفن ــ وما من منقذ في الأفق القريب ــ لتزكم القلوب قبل الأنوف. > والحال هكذا ودون التفكير في عقد مقارنة حتى على الرغم من انها لا تجوز ولو من باب تقريب الصورة لكن تستحضر قيمة النظافة في بلدان اخرى وكمثال دولة قطر، وذلك بحسب مشاهداتي هناك أثناء زيارتي الأخيرة لها وبلا شك ــ أي النظافة ــ فهي في دول أخري مما خفيت علينا هي أكثر اشراقاً وجمالاً. > أما عن دولة قطر فتجر شريط نظافتها في ساحاتها العامة وأحيائها وطرقاتها وقبل كل ذلك في بيوت الله فيها، مساجد نظيفة ومعطرة وباردة التكييف وسمتها الهدوء بلا أية ضوضاء ليتبين لك من واقع الاتساخ المزري هنا للأسف وواقع النظافة المشرف هناك حد الافتخار؛ بل يؤكد لك تماماً معنى العبارة «فالضد يظهر حسنه الضد». > فإذا كانت النظافة ثقافة عامة في بلد ما تجد نفسك مطبقاً لها اختياراً بدون أن تشعر وبدون حتى أن يأمرك أحد ما للقيام بذلك وهي خفيفة على النفس، أما إذا كان العكس صحيحاً فلن تجدي معك كل القوانين لتقوم بها ولو غصباً لأنه وقتها كم ستكون ثقيلة عليك. > فمثلاً في تلكم البلدان النظيفة إذا فرغت من شرب قارورة ماء أو عصير قد تحمل الفارغ لمسافة تقارب (200) متر هذا أن كنت راجلاً بل حتي ولو كنت تمتطي سيارة، ففي كل الأحوال لا ولن تفكر في إلقائها بل ستظل تحملها بحرص كبير إلى أن تصل للمكان المخصص للتخلص فيه من هذه النفايات. > إذن إذا كانت النظافة ليست سلوكا عاما كما حاصل عندنا هنا ــ وبفخر ــ فوقتها لن تجدي كل عربات النفايات وصافراتها المتغيبة الأكثر من حاضرة ولا فرض الرسوم الحاضرة وتحصيلها الإجباري ولا … ولا … لأنه أعتقد أنه علينا أولاً القيام بتنظيف الدواخل ثم نستطيع بعدها بكل يسر وسرعة نظافة كل أشيائنا الخارجية. > فضلاً لا أحد يتذرع بحجة الإمكانيات لأنه كم من مبادرات ناجحة ومؤثرة قامت بها على مستوى الأحياء الصغيرة فئات شباب صغيرة العمر وكبيرة القدر تؤمن بهذه القضية الجمالية ومن قبلها الصحية «إيمان شباب لا إيمان عجائز»، فكانت ثمارها شوارع بيضاء لاشية فيها بإماطة الأذى منها فتسر العابرين عيناً ومسلكاً. > هنا طاف على ذهني سؤال يا ترى كيف يكون حال المشرفين«إدارات وعمالاً» في تلكم البلدان إذا قدموا إلينا وشاهدوا أصناف الطعام والشراب وهي معروضة بالقرب من أو مفروشة على أراض متسخة بأقبح أنواع القاذورات وتعطرها مياه الصرف الصحي بلا شك أعتقد جازماً أنهم سوف يعدونها ــ عياذاً بالله ــ طريقة جديدة وسريعة للشروع في عملية الانتحار. > فلا غرابة أن تنال الخرطوم في الفترة الأخيرة جائزة أكثر العواصم العربية اتساخاً على الرغم من أنه يجري على بابها نهران لأنا لسنا بقادرين على غسلها فيهما ولو مرة واحدة في اليوم ناهيك عن الخمس، وذلك حتى لا يبقى من درنها شيء بل من قبله لسنا بقادرين حتى على ألا يبقى من عطشها شيء. > على كل فهذه العاصمة التي قام بزيارتها في السبعينات الشيخ زايد آل نهيان رحمه الله وطالب المهندسين السودانيين وقتها بأن يجعلوا من أبي ظبي مدينة تحاكي في جمالها الخرطوم مما يدل على أننا نتقدم للخلف وبسرعة الصاروخ في كل الاتجاهات والمجالات. بقي أن نذكر أنها حقاً لجميلة حتى الآن، لكنها فقط تحتاج منا لجهود صادقة وكبيرة لنفض الغبار عن جوهرة ملتقى النيلين لتعود لمصاف المدن الجميلات مظهراً وجوهراً. وما ذلك على الله بعزيز.

د. معتز صديق الحسن

الانتباهة

Exit mobile version