عائشة سلطان : لنتحدث عن الخوف الشائع

عادة ما يصاب بعض الناس بالدوار حين يقفون على ارتفاعات شاهقة، يغمضون أعينهم، ولا ينظرون للأسفل تصطك أرجلهم ويرتعش القلب، إنه الخوف الفائق، والمبالغ في شدته، إنه الشعور وكأنك ستسقط من علٍ، ذلك الشعور الذي يسمونه في الطب النفسي (الفوبيا)، وهو مرض نفسي يعرف من خوف صاحبه المتواصل من مواقف أو أمكنة معينة أو حتى مجرد التفكير فيها، ما يجعل صاحب الفوبيا يشعر بالضيق والتوتر بشكل غير مبرر ولكن بشكل لا يمكن الخلاص منه دون علاجات محددة، أقول عادة ما يحدث ذلك، لكنني كنت البارحة على ارتفاع 60 طابقاً أطل من علٍ دون أن ينتابني سوى شعور بالبهجة لا أكثر، فقد يحدث أن تنفصل عن خوفك إرادياً حين تقرر ذلك بقوتك الخفية.

تهاجمنا البهجة كما يهاجمنا الخوف تماماً، كل تلك الأحاسيس والانفعالات لا تحدث خارجنا، إنها تنمو في الذهن ثم تتمدد إلى الخارج، الخارج ليس سوى أمكنة حاضنة مساعدة، تعمل على بلورة الخوف أو الراحة أو الهدوء أو الصفاء أو الانسجام أو..

الخوف من الأماكن الشاهقة مثلاً يهاجمنا بشكل مفاجئ لا ندري من أين خرج بالضبط، لقد تسلل إليك وخرج ثانية من رأسك، من دهاليز طفولتك نتيجة موقف حياتي عميق وقاس مررت به حتماً، اعتقدت أنت بأنك نسيته، لكنه هو لم يغادر ذاكرتك بل اختبأ فيها بانتظار لحظته المناسبة، كَمَنَ بشكل غريب لينفجر في لحظة غير متوقعة، وليلازمك لاحقاً طوال حياتك كظلك !

الخوف أو الفوبيا أنواع كثيرة، فوبيا الأمكنة الفسيحة والواسعة يشبه فوبيا الأمكنة الضيقة، والأمكنة المغلقة، والمظلمة، والمكتظة، الخوف مثل الغضب، شعور غير عاقل، ومدمر كذلك، وبسبب الفوبيا زودت الطائرات بأنواع لا تحصى من أشكال التسلية ومرات إطعام مستمرة، وأسرة للنوم و…، لينسى الناس أنهم معلقون بين السماء والأرض، لينسى المصابون بالخوف خوفهم، أما أولئك العقلانيون فينامون أو يهربون لوهم القراءة كما يقول ماركيز !

بعض حالات الفوبيا التي تصيب المسافرين بالطائرات تتحول إلى مآسٍ حقيقية، لولا اختراعات دوائية تتلاعب بتفاصيل وخلايا معينة في كيمياء الدماغ !

عن نفسي اكتشفت بطريق الصدفة أن كثيراً من أفراد عائلتي يعانون رهاب المرتفعات أو رهاب صعود الجبال، وكذلك رهاب الأماكن المظلمة، كما اكتشفت أن إحدى صديقاتي مصابة بالفوبيا نفسها وصديقتي الأخرى والثالثة، بت أفكر في أن الفوبيا من شيء ما مرض يسكن كل الناس تقريباً وأنه واحد من أكثر الأمراض النفسية شيوعاً بسبب نوعية الحياة التي نعيشها، والصدمات التي نتعرض لها دون أن ينتبه أحد لينقذنا منها مبكراً قبل أن تتحول إلى مرض ملازم!

البيان

Exit mobile version