‎الأسباب الحقيقية لتصفية شركة الخطوط البحرية

تعتبر صناعة النقل البحرى من أهم مقومات التنمية الاقتصادية لكل بلدان العالم .. أما وسائل النقل البحرى فتتميز من بين كل وسائل النقل الأخرى بقدرتها على ترحيل كميات أكبر من البضائع وبكلفة أقل .. والسودان كان من أوائل الدول العربية التى سارعت الى انشاء اسطول تجارى .. ففى الثالث والعشرين من فبرايرمن عام 1959 وقعت حكومة السودان اتفاقية تعاون اقتصادى مشترك مع جمهورية يوغسلافيا كانت الخطوط البحرية احدى ثمراتها .. وفى أكتوبر1961 بدأت الشركة نشاطها واستمر انضمام البواخر لأسطولها حتى بلغ خمسة عشر قطعة بحرية .. وفى 28 يناير 1967 تم توقيع اتفاقية انهاء الشراكة مع الجانب اليوغسلافى لتصبح الخطوط البحرية شركة سودانية خالصة ساعدت فى فى تسويق صادرات السودان – واستجلاب وارداته – ودعم ميزان المدفوعات – وتقليل الاعتماد على البواخر الاجنبية – واستقرار أسعار النوالين – وخلق كوادر مؤهلة – والمساهمة فى الاحتياجات الاستراتيجية والامنية متى ماكانت الضرورة تستدعى ذلك … ألخ

‎ – فى يوليو 2015 صدر قرارا رئاسيا بتصفية الشركة وفى يونيو 2016 اكتملت اجراءاتها لتنطوى صفحة عامرة من تاريخ هذه المؤسسة العملاقة التى أمضت 57 عاما من التجارب المتميزة والعصيبة على حد سواء حتى وافاها الأجل المحتوم .. وعبر هذه المساحة أحاول ومن خلال تجربتى العملية أن القى بعض الضؤ على عدد من الأسباب التى أعتقد أنها كانت وراء قرار التصفية .. وهى أسباب متعددة منها عوامل خارجية وأخرى داخلية تتلخص فيما أرى فيما يأتى:–

‎1
فى أعقاب الحرب العالمية الثالثة سعت الدول التى نالت استقلالها وهى ماتعرف بدول العالم الثالث من بينها السودان لدعم استقلالها عبر محاور سياسية واقتصادية كان ضمنها انشاء انشاء اساطيل بحرية وطنية .. الا أن امتلاك هذه الدول لأساطيل تجارية لم يحقق لها ممارسات ميسرة لنشاطها التجارى البحرى .. وبرغم انضمام هذه الدول لاتفاقية لائحة سلوك المؤتمرات الملاحية والتى تمنحها أحقية نقل 40% من تجارتها الدولية عبر أساطيلها الوطنية الا أن الدول الكبرى طاردت هذه الاتفاقية بالتحفظات والتعديلات المستمرة حتى أفرغتها من محتواها وبالتالى تركت هذه الاساطيل لقمة سائقة للمنافسة غير المتكافئة.

2
الركود الذى ساد العالم فى ثمانينات القرن الماضى القى بظلاله على هذه الصناعة التى حدثت فيها تغيرات هيكلية قادت الى اندماج الشركات الكبيرة واختفت بالتالى العديد من الشركات الملاحية الصغيرة .. فى حين لم تلجأ الشركات الملاحية العربية والأفريقية لمثل هذه الاجراءات فصاحب اجراءات تشغيل أساطيلها صعوبات ومعاناة وخسائر كبيرة.. تزامن مع هذه التكتلات دخول اجيال حديثة من البواخر وتطلب ذلك انشاء الموانىء المحورية المتطورة ذات الكفاءة العالية والقدرة الكبيرة على مواكبة عمل هذه البواخر الحديثة وقاد هذا الوضع الى ازدهار حركة هذا الجيل من البواخر التى انحصر نشاطها بين الموانىء المحورية والموانىء الصغرى فى اطار اقليمى بالتنسيق مع حركة البواخر الكبيرة لتتكامل عملياتها بجداول ابحار منتظمة فى اطار مايسمى بالنقل متعدد الوسائط .. وبالقياس نجد أن بواخر الخطوط البحرية ماكانت لها القدرة على مواكبة هذه النقلة من التطورات وظلت تعمل بذات الانماط التقليدية وبعجز واضح ومستمر.

‎3
الشركة وفى عهدها الزاهر فى سبعينات القرن الماضى وحتى متنصف الثمانينات لم تتمكن من اقناع الدولة باتباع سياسة حمائية لاسطولها يتيح لها امتياز دخول للموانىء السودانية دون الانتظار فى الغاطس ويمنحها حق نقل صادرات وواردات الدولة مما تسبب فى خسارات متلاحقة .. كما ان التسيب فى الضوابط المنظمة لترخيص الوكالات الملاحية والسماح لملاك البواخر العالمية بمزاولة هذا النشاط قاد الى ممارسات خاطئة اضرت كثيرا بالاقتصاد القومى وأدت الى ارتفاع اسعار العملات الحرة وكذلك بعمل الشركة الوطنية .. وعلى سبيل المثال كان للخطوط البحرية فى عقد السبعينات اكثر من 32 توكيلا ملاحيا لخطوط عالمية شهيرة تقوم بما يزيد عن المائة وخمسون رحلة فى العام فى حين أنها فى منتصف الألفينات ماكانت تمتلك أكثر من وكيل أو أثنين فى أحسن الفروض .. وكان الوكلاء وقتذاك يقومون بتحويل استحقاقات خدمات الموانىء من الخارج عكس مايحدث الآن حيث تشترى هذه الشركات مستحقات الموانىء من العملة الحرة من السوق المحلى فقاد ذلك الى مضاربات أدت الى ارتفاع أسعارها.

4
كارثة الجفاف والتصحر التى ضربت السودان فى مطلع الثمانينات أثرت وبشكل كبيرعلى حركة الصادرات السودانية مصحوبا ذلك مع التحولات والمتغيرات التى اشرنا اليها فأصبحت البواخر تبحر فارغة لأروبا الشىء الذى تسبب فى خسائر كبيرة.

5
الحصار الاقتصادى والعزلة التى فرضتها دول الاستكبار على السودان والتى استمرت وحتى الان وتوقف تمويل مشروعات التنمية أدى الى تناقص حركة الواردات المنقولة على بواخر الشركة وأحدث من جانب آخر تدنيا قياسيا فى أسعار النوالين .

6
تأزم الموقف المالى للشركة بسبب ضعف السيولة المالية والقدرة التشغيلية اضافة الى الظروف العصيبة التى مرت بها الشركة منذ مطلع التسعينات حيث حاصرتها المديونيات الضخمة المستحقة للعاملين والموانىء وعدد من الشركات العالمية الشىء الذى أقعدها عن حركة التطور والاحلال .. كما أنها عجزت عن سداد أقساط البواخر فتأزم موقفها مع أحواض بناء السفن اليوغسلافية التى هددت بمصادرة السفن وفاءا لنصوص عقود الرهن .. وكان الوضع فى منتصف 1989 ينذر بالانهيار الكامل .. وصادف ذلك الايام الأولى من ثورة الانقاذ التى أعطت المشكلة أولوية ونجحت فى تسوية هذه المديونيات .. لكن العوامل الأخرى التى أشرنا اليها كانت مازالت قائمة حتى أنها قادت الى تعثر الشركة فى الايفاء بمصروفات التشغيل والصيانة والمرتبات مما اضطرها للتخلص من قطع الاسطول بالبيع وفاءا لتلك الالتزامات والمديونيات.

‎ 7
الخطط والاستراتيجيات غير الواقعية التى انتهجتها الدولة والشركة للتطوير كانت سببا أساسيا فى انهزام كل برامج التنمية والاحلال وبالتالى عجزت الشركة ومنذ العام 1980 فى اضافة أى باخرة تجارية لاسطولها .. ولتأكيد ان الدولة لم تكن أبدا مهتمة بدعم هذا النشاط ورعايته نجد أن الخطة الاستراتيجية الأولى التى صممتها أقرت فيما يلى الخطوط البحرية زيادة عدد البواخرالى الثلاث أضعاف مع تنويع خدماتها فى وقت كانت الشركة تمتلك نحوعشر قطع بحرية وبدلا من أن يتضاعف الأسطول الى ثلاثون قطعة بحرية تراجع الى ثلاث قطع عند انتهاء أمد الخطة.. كان واضحا أن الخطط وبرامج الاحلال الخاصة بالناقل الوطنى عبر كل مراحلها لم تكن مناسبة والظروف المحيطة بهذه الصناعة داخليا واقليميا وعالميا فقد اعتمدت حركة التجارة العالمية على سفن الخطوط المنتظمة التى تتحكم فبها وتحتكرها تكتلات وتحالفات كبرى تستأثر بنحو 52% من حجم التبادل التجارى وأن نحو 75% من طاقة عمل الحاويات كانت تحت سيطرة هذه التكتلات ومع الحصار الاقتصادى المفروض على السودان كان أى اتجاه لادخال بواخر بضائع يقود الى اعطاء البحرية قيمة عددية من السفن لكنه فى الواقع ماكان سيحقق قيمة مضافة أو ميزة بل كانت سيتحول الى عبء ثقيل خاصة وأن صناعة السفن أمر باهظ الكلفة .. ونعتقد أن الشركة تأخرت كثيرا فى ضم بواخر للركاب والمواشىء كانت ستمكنها من الصمود والنجاح والتدرج فى دخول بواخر متعددة الأغراض لخدماتها نظرا للجدوى الاقتصادية لهذه الانشطة.

8
وزارة المالية التى تحمل 90% من أسهم الشركة ماكانت تعنى بأمرها فلقد وجدت الخطوط البحرية فرصا للحصول على قروض ميسرة للوفاء ببرامج الصيانة والاحلال وكانت تحتاج فقط لضمانات الوزارة لكنها رفضت ذلك فى عدد من المناسبات .. وذات الوزارة وفى العام 2003 وبعد أن سدت المنافذ فى وجه البحرية أستطاع مديرها العام وقتذاك الدكتور مصطفى نوارى أن يقابل السيد رئيس الجمهورية وبعد شرح واف لقضايا ومشكلات الاسطول استطاع أن يظفر منه بقرض مسترد قدره خمس ملايين دولار للوفاء بمتطلبات صيانة البواخر .. لكن رغم كل المحاولات والوساطات التى بذلت من كل النافذين فقد رفضت الوزارة صرف هذا القرض .. ووزارة النقل التى تتبع لها الشركة اداريا لم تقدم للشركة طيلة مسيرتها شيئا يذكر. مما يؤكد ماذهبنا اليه بأن الدولة لم تكن تولى الشركة ماتستحق من المتابعة والدعم.

9
برغم تأزم موقف الشركة فقد استمرت فى نشاطها بصورة متعثرة وبعدد محدود من البواخر وفى خطوط عمل قريبة فى منطقة البحر الأحمر والخليج لتسهل أمر متابعتها والسيطرة على حركتها وحتى هذه البواخر لم تتوفر لها برامج الصيانة اللآزمة .. كما لم تتوفر لها التغطية التأمينية فاحدث ذلك مزيدا من العجز بسبب تردى الحالة الفنية للبواخروتعرضها للتوقفات المستمرة نتيجة الاعطال والحجوزات القضائية التى كانت تتعرض لها من المدينين من الممونين والوكلاء واحواض الصيانة وشركات التامين وخلافها واتسعت هوة الفراغات فيها وصارت نسبة كبيرة من طاقة السفن لاتقل عن 48% غير مستغلة وتراجع وضعها التجارى بسبب انصراف معظم العملاء عن التعامل معها وضعفت نسبة مساهمة الاسطول فى نقل تجارة السودان الخارجية الى فقط 22% من الصادرات و16% من الواردات والى أدنى من ذلك لاحقا.. وماكانت أوضاعها وقتذاك تغرى أحدا بالتعاون معها أو الاستثمار أو المشاركة فيها.

‎10- الدولة وفى العام 1992 وفى اطار سياساتها الداعمة لمناهج الاصلاح ادرجت الخطوط البحرية ضمن الشركات التى تخضع لبرنامج التصرف فى مؤسسات القطاع العام ومنذ ذلك التاريخ لم يجد المشروع طريقه للتنفيذ .. وفى عام 1999 ومع بدء السودان عمليات تصدير البترول شكلت الدولة لجنة فنية لدراسة وضع الشركة والتوصية بشأنها .. ورفعت اللجنة تقريرها مؤكدة على الأهمية الاستراتيحية للخطوط البحرية السودانية موصية بضرورة تطويرها عبر برنامج الشراكات الاستراتيجية وحددت مواصفات الشريك بأن يكون مقتدرا ماليا ويمتلك القدرة والخبرة التى تؤهله من تطوير الشركة وتوسيع وتنويع قاعدة خدماتها المتصلة بالنقل البحرى .. وفى ذلك الوقت ماكانت أوضاع الشركة تغرى أحدا بالمشاركة فيها فقد اعتذرت عدد من الجهات من بينها كمثال مجموعة ( حليم مازن ) الماليزية وأنتظرت الشركة سبع سنوات أخرى تحت اطغاث الاحلام والبحث حتى تم الاتفاق مع الجانب الماليزى على انشاء شركة سودان لاين ميسك كشراكة مع شركة ميسك الماليزية للعمل فى خدمات نقل الحاويات وقد بدات عملها فى ابريل 2006 الا أن ضعف المؤسسية فى هذه الشراكة التى تمت تحت اشراف الوزارة وضبابية الرؤية المستقبلية والاخطاء التى صاحبت التأسيس وانفراد الجانب الماليزى بادارة النشاط التجارى والمالى والانفلات والتسيب فى شروط الخدمة التى اتاحت للعاملين بالشركة من الماليزيين امتيازات خرافية فى المرتبات والسكن وايجارات المنازل وايجارات السيارات وسداد كلفة تعليم وعلاج الاسر وخلافها اضافة لعدم خضوعها للمراجعة من قبل الجانب السودانى والأهم أن الشركة لم تضف أصلا اذ اعتمدت على ايجار بواخرها من ميسك العالمية الشريك الذكى الذى استفاد من هذا المشروع وحقق ارباحا خرافية ولم يترك للجانب السودانى الا المديونيات الضخمة مستحقة السداد .. فكان الوضع الطبيعى ان تذهب الشركة ادراج الرياح قبل ان تكمل عامها الخامس فخسرت الخطوط البحرية محاولة فى سكة الاصلاح والتطوير وخسرت الدولة رهان برنامجها الاصلاحى .. وخسرت السودان مبلغ أثنين مليون دولار سددتها الدولة نقدا لهذه الشراكة العاجزة الفاشلة.

10
القرار 1996/56 الذى صدر من رئاسة الجمهورية والذى بموجبه تم استثناء الخطوط البحرية من قانون العمل أعطى للمدراء المتعاقبين سلطات وصلاحيات واسعة وفتح الباب واسعا للاجتهادات والقرارات الفردية .. واستغل أبشع استغلال فى تشريد العاملين فقد شهدت الشركة تصفية قسرية للكفاءات النادرة التى هاجرت لسوق العمل بالخليج .. وقاد القرارالى الاخلال والالتزام بمنهجيات لوائح شروط الخدمة واللوائح المالية المنظمة للعمل المالى والادارى فقاد ذلك الى تسيب كبير فى الأوضاع الادارية كما أنه أشاع روح من الخوف والاحباط فى أوساط العاملين كان لها تأثيراتها السالبة على الأداء عموما.

11
التعيينات لوظيفة المدير العام التى انتظمت الشركة منذ مطلع التسعينات لم تكن منسجمة وظروف المراحل التى كانت تمر بها الخطوط البحرية والتى كانت تحتاج الى قيادات تجمع أعلى درجات الانضباط والتجربة والكفاءة والعدل والحزم مع توظيف كل الممكن وبعض المستحيل حتى تأخذ الغد لمصلحة البحرية .. فهذه الادارات لم تتوفر لها الخبرات المناسبة لادارة مرفق يتميز بخاصية متفردة .. وكانت كل هذه التعينات خصما على العمل الادارى وأسهمت فى تدهور أوضاع الشركة .. يستثنى من ذلك الفترة التى اضطلع بمهام المدير العام فيها احد أبناء الشركة فى الفترة من 2004 وحتى 2013 فبرغم خطورة تلك الفترة والمديونيات الضخمة الخارجية التى تسببت فى حجز البواخر ومديونيات العاملين الا أن الرجل استطاع بخبرته أن يسدد كل هذه الديون .. وقفزت ايرادات الشركة لمعدلات كبيرة.. وانتظمت عمليات صرف المرتبات والحوافز وكافة استحقاقات العاملين وعندما غادر الرجل ترك مايقارب العشرون مليارا من الجنيهات.

12
حالات الظلم التى تعرض لها العاملين والمقاصل الجماعية التى نصبت للمستخدمين فى العام 1992 و1997 .. وماتلاها من اقالات وتشريد كان آخرها الكارثة الفاضحة التى نفذتها ادارة الشركة فى مطلع العام 2015 حيث تم انتقاء عدد من العاملين الذين يبدو أنهم غير مرغوب فيهم بسبب المزاجات الشخصية لنقلهم لبورتسودان وكان من بينهم خبراء فى النقل والاقتصاد والتخطيط وفرض عليهم تسليم أنفسهم لمدير المحطة خلال يومين دون منحهم مرتباتهم التى لم تصرف ولأشهر أو حتى بعض من استحقاقاتهم المتجمدة .. أو مستحقات النقل ولم يترك لهم حتى خيار اين يسكنون .. وكيف يصطحبون أسرهم .. وفى أسوأ الحالات كيف يوفرون لهم شىء من المال لمقابلة التزاماتهم المتعددة .. عليهم فقط أن يذهبوا خلال يومين للجحيم .. وتمدد الطغيان والظلم والبلاهة أن اصدرت الادارة منشورا فى اليوم التالى لمنشور النقل يخير المنقولين أن ينفذوا النقل أو أن تنهى خدماتهم وتسوى استحقاقاتم بعرض تحفيزى يمنحهم بعض المكاسب المادية .. فقبل البعض وأنهوا خدماتهم .. ونفذ البعض الآخر النقل مكرها ليجدوا أنفسهم فى مواجهة الوهم والمستحيل .. وتأكيدا للغرض من وراء هذا الاجراء فقد وجدت الادارة انها نقلت مستخدما بلا بديل يؤدى مهامه فى الخرطوم فاضطرت الى نقل موظف من بورتسودان الى الخرطوم ليقوم مقامه .. ففى أى مذابل واشكال الظلم والاستبداد الأرعن تقع هذه الحالة .. ولعل المظالم التى مرت بها البحرية كانت أحد أسباب الاطاحة بالمدراء وباذلال شديد .. ومن ثم بكل الخطوط البحرية السودانية.

13
التخلص من العمالة الفنية المقتدرة والنادرة من القباطنة والضباط والمهندسين والفنيين تحت ستار توفيق الاوضاع والغاء الوظائف اضطر هذه الكفاءات للهجرة لسوق الخليج الذى استوعبها وبشروط عمل مغرية فى حين اضطرت الشركة للاستعانة بعمالة لاتملك الخبرات والتأهيل الكافى الأمر الذى كان سببا فى تفاقم اعطال البواخر وتوقفها.

14
اختلال النظام التشريعى الذى كان ينبغى ان تكون له القدرة على رعاية الشركة والعمل على دعمها وحمايتها ومتابعة تقويم وتطوير ادائها من قبل مجلس ادارتها والوزارات المعنية بالاشراف علي نشاطها كان أحد مظاهر الضعف البائن فى العلاقات التنظيمية داخل محيط الشركة.

15
تردى النظام الادارى بالشركة بسبب انفراط الهيكل التنظيمى وترهله وتداخل الاختصاصات الوظيفية واختفاء ادارات هامة ومؤثرة من الهيكل وانتهاج الشركة ولأكثر من ثلاث عقود من الزمان مدرسة تقليدية اتسمت بالضعف والعشوائية والقصور .. أهملت برامج تنمية الكوادر البشرية وانفاذ معايير مهنية تحقق الموائمة وتقريب الفجوات الوظيفية بما يضمن الخلافة السلسة وخلق جيل من الكفاءات وبدلا عن ذلك كانت كل التعيينات تتم تحت سقف الترضيات والمجاملات والمحاسيب فكان النظام الادارى وبضعف مقوماته الهيكلية وازدواجية وظائفها ماكان له القدرة على تمكين الشركة من الصمود فى وجه المنافسة التى اتخذت أساليب حديثة فى ادارة عملياتها وخدماتها وأدواتها.

16
العمل النقابى ساعد هو كذلك فى تدهور الاوضاع الادارية فلقد تعرضت الشركة فى ثمانينات القرن الماضى الى عدد من الاضرابات النقابية التى اسهمت فى ابتعاد عدد من العملاء عن التعامل معها كما أن النقابات فى تلك الفترة 1984 عملت على انفراط عقد الادارة التاريخية المتميزة للخطوط البحرية والتى تم خلالها انضمام كل البواخر التجارية وحققت نجاحات قياسية غير مسبوقة .. أما نقابات التسعينات فهى الأخرى عاست فسادا وتغولت على العمل الادارى وقادت الى تشابك علاقات العمل وأوجدت مراكز قوة داخل الشركة تنهى وتأمر الأمر الذى أضعف الشخصية الاعتبارية للمدراء وأوقعهم فى أخطاء ومفارقات كبيرة وعديدة وكانت أحد أسباب تدهوروفشل العمل الادارى .

17
الخطوط البحرية كانت تقع فى نطاق بيئة تتميز بالحساسية المفرطة تجاه الاحداث الداخلية التى كانت سرعان ماتتحول الى المنابر الاعلامية وتتم مناولتها وفى احيان كثيرة بصورة سالبة ومنفرة ومحبطة الأمر الذى أضر بالوضع التنافسى للشركة فى حين أن الخطاب الاعلامى للشركة كان عاجزا عن مواجهتها الشىء قاد الى تشكيل رأى عام خلق جو من عدم الاستقرار داخل المؤسسة وفى أوساط المجتمع ومؤسسات الدولة ولدى اصحاب القرار .. مما ساعد فى اشعال الكثير من الحرائق وكان أحد الأسباب التى قادت فى نهاية الأمر الى صدور قرار التصفية.

‎‎عبدالروؤف بابكر المهدى
صحيفة ألوان

Exit mobile version