تجديد العقوبات الأمريكية … خيبة أمل

تسعة عشر عاما والولايات المتحدة الأمريكية تجدد العقوبات المفروضة على السودان التي وضعت بامر طواريء في الكونغرس الأمريكي، وبالأمس كان التجديد الأخير، وبرر الرئيس باراك أوباما الإجراء بالقول إن سياسات وتصرفات الحكومة السودانية لا زالت تشكل خطراً على الأمن القومي والسياسة الخارجية لبلاده.. وقال في رسالته الروتينية للكونغرس عند تجديد العقوبات «إن سياسات وتصرفات الحكومة السودانية التي أدت للعقوبات لم يتم تسويتها وتشكل خطراً غير عادي على الأمن القومي وللسياسة الخارجية الأمريكية !!
الخارجية الأمريكية وصفت القرار بأنه «فني وجزء من عملية روتينية سنوية، ولا يؤثر على قدرة الرئيس في تخفيف العقوبات في أي وقت في المستقبل»، مشيرة إلى أن قرار الرئيس أوباما يعتبر جزءًا من عملية سنوية بدأت منذ 3 نوفمبر 1997، عندما أعلن الرئيس قانون الطواريء الوطني فيما يتعلق بالسودان، وأكدت أن أمريكا تظل ملتزمة بمواصلة الانخراط بمستوى عال في السياسات مع السودان، وكانت واضحة مع حكومة السودان بشأن الخطوات التي يتعين اتخاذها لضمان تخفيف العقوبات الاقتصادية»، مضيفة «نتطلع إلى استمرار التبادل الصريح مع نظرائنا السودانيين والذي سيقود البلدين إلى نتائج يسعى إليها الطرفان.
وكانت الإدارة الأمريكية قد خففت العقوبات المفروضة على السودان، وسمحت للشركات الأمريكية بتصدير تكنولوجيا الاتصالات إلى السودان، كما سمحت بمنح السودانيين تأشيرات دخول إلى أراضيها من سفارتها في الخرطوم، فضلا عن استثناءات تتعلق بالمجال الزراعي.

صورة قاتمة
ورسم معظم المحللون السياسيون صورة قاتمة لمستقبل العلاقات السودانية الامريكية في ظل إصرار الأخيرة على تجديد العقوبات على السودان وفرض شروطها المجحفة في حق البلاد بمعاونة معارضين سياسيين يتحركون في الخارج، وكان أكثر هؤلاء تشاؤماً أستاذ العلوم السياسية بجامعة أمدرمان الاسلامية د. صلاح الدين الدومة خلال اجابته على أسئلة (آخر لحظة) حول ما اذا كان تجديد العقوبات روتينياً، أم أن هناك مستجدات دفعت الإدارة الأمريكية للتجديد، فالدومة يرى أن الإجابة على السؤال تكمن في الحالتين، فالتجديد روتينياً وفي نفس الوقت لم تستجب الحكومة للمطالب الأمريكية وفقاً للشروط المعلنة المتمثلة في ايقاف الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والمساهمة في حل مشكلة الجنوب ومكافحة الإرهاب، ولم يشأ الرجل إلا أن يحمل الحكومة نتيجة ما حدث، حيث نعتها بالكسل والبلاهة السياسية وخداع الذات، وقال إن الحكومة ينطبق عليها المثل القائل (من الغباء أن تجري تجربة على شيء مجرب، وفي نفس الوقت تتوقع نتيجة مختلفة)، وينبه الدومة إلى التصريحات الأخيرة للإدارة الأمريكية حول مخرجات الحوار الوطني، والتي اعتبرتها الجزء الأول من الحوار الوطني الشامل، وحثت أطراف النزاع على تكملة ما تبقى من حوار حسب ما تنص عليه خارطة الطريق الإفريقية، ثم مارست ضغوطاً كبيرة على النظام في دولة جنوب السودان لطرد الحركات المسلحة السودانية من أراضيها لإرغامها على الجلوس للتفاوض مع الحكومة، بيد أن النظام في الخرطوم أوصد باب الحوار نهائياً بعد يوم 10/10، وربما هذا الإجراء أثار حفيظة الامريكان .
خيبة أمل
ربما استقبلت الخرطوم قرارات واشنطن بتجديد العقوبات بخيبة أمل كبيرة، لاسيما وأن حديث مجالسها الهامس والجاهر كان كله حديث تفاؤل بمستقبل أفضل في العلاقات السودانية الامريكية ورفع العقوبات الأحادية المفروضة على البلاد، خاصة وأن الولايات المتحدة بدأت فعلياً في رفع العقوبات تدريجياً، لكن جاء آخر تصريح لوزير الخارجية إبراهيم غندور الاسبوع قبل الماضي للصحفيين في البرلمان بأن لاجديد في شأن التطبيع مع الأمريكان، لكن التفاوض لازال مستمراً .. الخيبة نفسها ظهرت في حديث أستاذ العلاقات الدولية بالجامعات السودانية رأشد التجاني، ومع اقراره أن الاجراء روتينياً مالم يحدث جديد، إلا أنه قال كان من المتوقع حدوث تغيير جذري في مواقف الامريكان بناء على مؤشرات تحسين العلاقات الامريكية السودانية، عندما بدأ رفع العقوبات بشكل تدريجي، وفي ذات الوقت إن فترة الرئيس الإمريكي باراك أوباما في نهاياتها، ما يجعل الرجل بمنأى عن ممارسة ضغوط عليه من اللوبيهات المعادية للسودان، لكن التجاني بدأ متفائلاً وهو يتوقع حدوث انفراج في الأزمة قبل مغادرة أوباما للبيت الأبيض، بيد أنه رهن حدوث ذلك بتحركات من جانب الحكومة تتعلق بتحسين العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة، وتنفيذ شروط واشنطن لرفع العقوبات بالسعي لايقاف الحرب . وحول عما إذا كان للتجديد علاقة بانهيار المفاوضات وتعليق الحركة الشعبية للتفاوض والحوار مع الحكومة، استبعد راشد أن يكون للأمر علاقة بما حدث للمفاوضات، خاصة وأن أمريكا نفسها بدأت تمارس ضغوطاً على الحركات المسلحة والحركة الشعبية للجلوس والتفاوض مع الحكومة، بيد أنه لم يستبعد عرقلة بعض عناصر المعارضة خارج البلاد مساعي رفع العقوبات المفروضة على السودان لممارسة مزيد من الضغوط على الخرطوم
تصحيح مسار
ولم يكن حديث المحلل السياسي د. آدم محمد أحمد بعيداً عن سابقيه اذ رهن أمر رفع العقوبات بتنفيذ الشروط الأمريكية المتمثلة في ترسيخ الحكم الديمقراطي ووقف الحرب والسعي في حل مشكلة جنوب السودان، ورغم اقرار آدم بان التجديد روتين عادي باعتبار أن أمر العقوبات في الأصل قانون واجب الإلغاء أو التجديد، إلا أنه استبعد أن يتم رفع العقوبات عن السودان قبل مغادرة أوباما للبيت الابيض، وقال إن الامر يتطلب تصحيح مسار من قبل الحكومة بوقف الحرب الفوري والتفاوض.
*تفاؤل
رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس الوطني د. محمد المصطفى بدا متفائلاً بتطور العلاقات بين الخرطوم وواشنطن فأكد أن القرار أمر طوارئ يتجدد تلقائياً كل عام، وقال بالرغم من تقدير الإدارة الإمريكية للحوار مع الخرطوم، إلا أنها ترى أنه لم يتم بالصورة المطلوبة التي على ضوئها ترفع العقوبات، ويرى المصطفى أن تجديد القرار لايعني حق أوباما في الغاء القرار قبل انهاء ولايته، واعتبر الضو أن عملية العقوبات معقدة وليست بالساهلة، لافتاً إلى أنها مرتبطة بقوانين من الكونغرس الأمريكي، وتوقع الضو إلغاء القرار قبل نهاية ولاية أوباما إلا أن الضو وصف العقوبات الأمريكية على السودان بالجائرة المؤسفة وغير العادلة، وقال إنها لاتستند على حيثيات حقيقية ومجافية للواقع وللخطوات التي تتخطوها الحكومة السودانية ومشاركتها في القضايا الدولية، ونبه إلى أن التحركات والجهود لإنصاف السودان ورفع تلك العقوبات ستتواصل ولن تنقطع.
التطبيع مع إسرائيل
واختلفت رؤية الخبير القانوني والقيادي بالمؤتمر الشعبي د. أبو بكر عبد الرازق عن رئيس لجنة العلاقات الخارجية، وأكد على ضرورة تجاهل العقوبات والعمل على تحسين الاقتصاد السوداني، وقال في إفادته للصحيفة : إذا اعتزت الدولة السودانية باستقلالها واجتهدت أن تبني اقتصادها الذاتي وتصبح دولة كبرى، ستضطر أمريكا للتعامل معها واحترامها، كما تتعامل مع كثير من الدول المحترمة وستصل لقناعة أن عقوباتها ليست ذات جدوى، وستضطر لرفعها، وأضاف إذا لم تكن الدولة مستقلة في قرارها السياسي ووضعها الاقتصادي لن ترفع العقوبات، وستظل تلوح بها من أجل الاحتفاظ ببعض أهدافها، والظفر بأكبر عدد من المكاسب، ونوه عبد الرازق إلى أن واحداً من المطالب الامريكية والأهداف على السودان التطبيع مع اسرائيل، وقال إذا لم يعمل السودان على تحسين اقتصاده ونظامه السياسي وقدم بعض التنازلات لانتوقع ان تتغير السياسة الامريكية تجاه السودان، وستظل سياسة الجذرة والعصا مستمرة، مشيراً إلى أن السياسة الأمريكية الخارجية قائمة على المنافع، وأكد عبد الرازق رفضهم للعقوبات من أى جهة كانت .
تشاؤم
أما السفير السابق الطريفي كرمنو، فنظر للجزء الفارغ من الكوب، وبدا متشائماً من أن يكون هناك تحسن في العلاقات الامريكية ورفع للعقوبات حتى في الدورة الرئاسية القادمة، وقال لاتوجد جزرة بل كل الموجود عصا أمريكية فقط، وقال إن تجدد العقوبات واستمرار بقاء اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب متوقع، وأرجع الخطوة لاستعمال القوة في مواضع الحمة، مشيراً إلى أن تلك القرارات تحتاج للحكمة، مستشهداً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (مداراة المؤمن على نفسه حسنة) وقال أمريكا أقوى دولة في العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ليس بمقدور السودان مجاراتها، داعياً إلى أهمية الجلوس وترتيب الأمر الداخلي، والبحث عن كيفية التعامل معها، لافتاً إلى أن الاعفاءات الجزئية التي قدمتها لاتساوي شيئاً .
التأثير على المواطن
قلل القيادي بحزب الأمة القومي مبارك الفاضل المهدي من أهمية قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما بتجديد العقوبات المفروضة على السودان، ونصح المعارضة بعدم الرهان على هذه العقوبات «لأنها لن تسقط الحكومة»، ونصح مبارك الفاضل فى بيان صحفي أمس المعارضة بعدم الرهان على العقوبات الأميركية «لأنها لن تسقط النظام وتأثيرها سيكون على المواطن ونمو الاقتصاد ومستقبل الأجيال»، وتابع «أنصح المعارضين بعدم الرهان عليها لأنها لن تحقق لهم أمانيهم في إسقاط النظام»، وأشار إلى أن الخارجية الأميركية أكدت في بيانها أنها تمضي في مباحثاتها واتصالاتها على أعلى مستوى مع الحكومة السودانية وأن الإدارة الاميركية على عهدها في رفع العقوبات وفق الخطوات التي تفاهمت عليها مع الخرطوم، كما نصح الحكومة بالإسراع في تنفيذ الخطوات الإصلاحية المتفاهم عليها مع المجتمع الدولي والإسراع بتنفيذ مخرجات الحوار «حتى لا نفوت هذه الفرصة التاريخية على بلادنا»..

ثناء عابدين : علي الدالي
صحيفة آخر لحظة

Exit mobile version