أصدر بنك السودان المركزي، قراراً قضى ــ بحسب الزميلة أخبار اليوم ــ بمنع الصرافات والمؤسسات الرسمية من التعامل مع أي عملة ورقية تعرضت للتلف المتعمد بالكتابة عليها بأي شكل من الأشكال. وقال مدير إدارة الخزينة بالبنك المركزي إن إدارته لاحظت تعرض عدد من العملة الورقية للتلف بكتابة بعض الشعارات السياسية عليها، وحذّرت إدارة البنك المواطنين من التعامل مع العملة المكتوب عليها لأنها تعتبر غير صالحة للتداول وأنها لن تُقبل في المعاملات الرسمية.
وجاءت رسالة المركزي بعدما كتب مواطنون وناشطون سياسيون على بعض العملات الورقية عبارات ورسائل تدعو الشعب للمشاركة في العصيان المدني المحدّد له يوم 19 ديسمبر الجاري.
تكنولوجيا
حسناً، فمن المعلوم بداهة، أن الاهتمامات تبدّلت مع تطورات العصر المتلاحقة، لا سيما دخول التكنولوجيا على الخط، وخلق ذلك تبايناً في طرق ووسائل الجيل الحالي متى قورن بالأجيال السابقة.
وفي الواقع السوداني، يُتّهم الجيل الحالي بالتسطيح، وبتولية وجهه قبلة لا ترضي كثيرين من المحسوبين على الأجيال السابقة، في ظل اهتمامات توصف بأنها غاية في الغرابة. فيما يؤطر ذات الجيل الحقب الزمانية المنصرمة بالتكلّس والتقليدية والعجز عن مواكبة تغييرات العصر.
وعليه برز عدد من وسائل التعبير التي تعتبر حكراً على الجيل الجديد، منها ما هو إيجابي، ومنها ما هو غير ذلك، وبرع أولئك الشباب في استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي، والتراسل الفوري، وتفننوا في بث الوسوم (هاشتاق).
ظاهرة جديدة
نشطت في الأيام الفائتة حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو لتنفيذ عصيان مدني في التاسع عشر من ديسمبر الجاري، وهذه الوسيلة تم تجريبها قبيل فترة بسيطة، غير أن المستجد هو دعوات للترويج للعصيان في العملات الورقية، من خلال نشر دعوات ورسائل سياسية.
وبعد نشر صور لعملات ورقية بفئات مختلفة تدعو إلى العصيان، خرج بنك السودان المركزي بتوجيه منع بموجبه التعامل مع أي عملة ورقية عليها كتابات أو شعارات، وذلك التعميم خصّ به الصرافات والمؤسسات الرسمية مما يعني أنه سيتنزل على العامة والسوق ليحد من هذه الظاهرة التي أصبحت تهدد العملة الورقية.
ومن هنا تبدأ جدلية الثقافات الجديدة بين إيجابياتها وسلبياتها، وجدلية توقيت إصدار المركزي قراره، إذ أنه من المعلوم في الأضابير الرسمية أن الكشط والكتابة في العملات الورقية يجعلها غير مبرئة للذمة، ولكن اللوائح حلّت العادة السودانية، وبات من غير المُستهجن رؤية أرقام أو اسماء مخطوطة على العملات النقدية.
وبموجب ذلك تترى أسئلة حول تماشي إقدام الشباب على هذا السلوك السياسي ومدى تماشيه مع القانون.
ممنوع بالقانون
جزم الأستاذ المشارك بجامعة المغتربين د. محمد الناير لـ(الصيحة) بأن الكتابة على العملة ممنوعة بالقانون، لأنها تغيّر الشكل الذي طُبعت به، لافتاً إلى أن طباعة النقود مكلّفة جداً خاصة في الأمور التأمينية للعملة التي تتطلب مواصفات معينة، وأشار الناير إلى أنه من حق بنك السودان أن يتمسك بالرفض من استلام أي عملة مكتوب عليها حتى وإن لم تكن شعارات سياسية، وزاد الناير بأن هنالك قانوناً يلزم بنك السودان باستلام أي عملة تالفة واستبدالها بأخرى، مضيفاً أن القوانين موجودة ومن الممكن أن يفعلها بنك السودان بإصدار قرار يمنع بموجبه استلام أي عملة في التعامل العادي في الأسواق والتداول، لافتاً إلى أن ذلك سيجعل القرار يتنزل على التداول العادي، وتصبح العملة المكتوب عليها غير مبرئة للذمة، ويصبح كل من يستلم نقوداً عليها كتابة تحت طائلة القانون، وعن المعالجات الممكنة التي يجب اتخاذها من بنك السودان يرى “محمد الناير” أنه من الممكن أن يعمم بنك السودان المركزي منشوراً يحدده بزمن معين يطلب من خلاله كل من يملك عملة عليها كتابة أن يأتي لبنك السودان ويستبدلها، مشيرًا إلى أنه بذلك سيكون الأمر مرفوضاً، وبذلك تُحارب الظاهرة، ويضيف الناير بأن قرار المنع يجب أن يكون بروح القانون لمنع ظاهرة مرفوضة قائلاً: “يجب أن لا يكون رفض الكتابة مقصوداً به رفض الدعوة للعصيان فقط حتى لا يكون الأمر سياسياً، مضيفاً أن الأمر مرفوض لأنه ممنوع بالقانون لإهانته العملة الوطنية.
هذر ثوري
وذهب أستاذ العلوم السياسية البروفيسور” عبد اللطيف البوني” إلى منحى آخر يحمل شيئاً من الطرافة بأن ما حدث من كتابة على العملة هو نوع من السخرية على العملة الوطنية بسب التدني الذي حدث فيها، وأردف البوني في حديثه مع “الصيحة” إن الداعين للاحتجاج بالكتابة على العملات الورقية كأنما أرادوا القول إن العملة لا تصلح لغير الكتابة عليها بسبب ما وصلت إليه من تدنٍّ مقابل العملات الأجنبية.
وأضاف البوني أن ما يحدث هذه الأيام من كتابة على العملة الوطنية عبارة عن ظاهرة جديدة كغيرها من مستجدات هذه الأيام، لافتاً إلى أنها لم تكن معروفة من قبل وهي جزء من الابتكارات الشبابية الجديدة، والشباب مغرم بالابتكارات. ناعتاً ما حدث “بالهذر الثوري” من الشباب مع احتمالية تحوله إلى حقيقة بسبب المطالب السياسية التي يُعبر الشباب عنها بأسلوب جديد (حد تعبيره).
وعن الإجراءات التي أصدرها بنك السودان لإيقاف الظاهرة أشار البوني إلى أن من حق بنك السودان أن يرفض استلام الأموال المحتوية على شعارات أو أرقام، وعن الحل الذي اقترحه الخبير الاقتصادي دكتور الناير بتحديد فترة زمنية لاستلام الأموال التي كُتب عليها على أن تكون بعدها أي عملة مكتوب عليها في السوق غير مبرئة للذمة، يرى البوني أن هذا الحل غير مناسب لأنه من الممكن أن تشهد الفترة ما قبل تحديد المركزي إغراقاً للسوق بالعملة المكتوب عليها مما يتسبب في خسائر كبيرة جداً بسبب غلاء طباعة العملة، وقال البوني “إذا حدّد بنك السودان أجلاً محدداً لتغيير العُملة المكتوب عليها فستتعرّض كل العملة الموجودة في السوق للكتابة عليها”، مشيراً إلى أن هذا الحل لن يحل الأزمة بل سيعقِّدها.
