د. غازي صلاح الدين (3): إذا قلنا للسودانيين احكموا بأعرافكم وأخلاقكم فلن يعصوا أمراً دينياً و لسنا في حاجة إلى تسمية الدولة علمانية أو إسلامية

أُفضِّل العمل ضمن تيار سياسي عام ووطني وليس حزباً
لسنا في حاجة إلى تسمية الدولة علمانية أو إسلامية وهذا ما نحتاجه (…)

أتمنى خلع عباءة السياسي عند أقرب منعطف طبيعي
بالطبع.. أعارض بشدة توظيف الدين لأجل مصالح دنيوية

الدستور شيء إيجابي ومهم للدولة الحديثة ولكنه ليس شرطاً لحياة الأمم
إذا قلنا للسودانيين احكموا بأعرافكم وأخلاقكم فلن يعصوا أمراً دينياً

تُرى ما الذي ستقوله، النرويجية هيلدا جونسون أحد مهندسي اتفاقية “نيفاشا”، في حق رئيس حركة “الإصلاح الآن”، د. غازي صلاح الدين العتباني، لو علمت أنه قد بارح صف حزب المؤتمر الوطني الحاكم، بينما هي القائلة عنه: (إسلامي حتى النخاع، وشديد الولاء للقيم والمبادئ التي قامت عليها الجبهة الإسلامية القومية السابقة أو حزب المؤتمر الوطني الحالي).

ولكنه، قبيل وضع ذلك التساؤل في طرف هيلدا، حقيق بنا أن نجلس إلى د. غازي، نستفسره عن موقفه من وحدة الإسلاميين ومن إمكانيات عودته إلى الوطني – وكذلك – لنعرف رأيه في جملة قضايا أخرى تشغل الساحة، وتمر بديار العم سام، وبدولة الكيان الإسرائيلي، ثم لا تنتهي بمواقفه من ترشيح الرئيس عمر البشير لدورة رئاسية جديدة، أتراها ذات المواقف أم استجدّ جديد، لا سيما وأنه قال في حواره معنا، إن بعضاً ممن مواقفه السابقات غلبت عليها المثالية، فكيف يا تراها حال إجابات الطبيب بعدما اكتست بلبوس الواقعية، هل تقع بين المزدوجين اللذين خطتهما هيلدا، أما بارحتها كما بارح هو ديار الوطني قبل سنوات.

عموماً لِمَ العجلة الآن، ولنقرأ الطروحات الجديدة والمتجددة التي قدمها زعيم الإصلاح الآن في حواره مع (الصيحة) على مدى حلقات ثلاث.

يذهب د. راشد الغنوشي إلى ضرورة الفصل بين الدعوي والسياسي في العمل الإسلامي؟

ما قاله الغنوشي سليم وهو موقف فقهي لا اعتراض عليه، ولكنه ليس بجديد، الجديد فيه أنه قيل بهذه الطريقة وفِي مناسبة جامعة. دعني أشرح لك بمثال مبسط للغاية، ما يقوله الغنوشي هو أن إمام المسجد إذا وعظ المصلين بلسان مبين وذكّر الناس بالتقوى واستمال قلوبهم، عليه أن يفعل ذلك وبين عينيه واجب الهداية وثواب الآخرة، ومن الخطأ الكبير أن يستثمر حسن ظن الناس في رأيه ليطلب منهم مقابلاً دنيوياً لنفسه أو للجماعة التي يميل إليها أو له مصلحة فيها، فلا يدرك أو يحمل ما يقوله على أنه دعاية لمرشح أو مناصرة لحزب. الناس يفهمون جيدًا أساليب التحايل، وإذا فهم الناس أن خطاب الدعوة هو موظف لعرض دنيوي قليل فسينفرون من الدين كله. هذا لا يمنع أن يقوم حزب يستلهم القيم والتعاليم المستمدة من الدين، ولكن عليه أن يبرز إلى الملأ كحزب سياسي يدافع عن مواقفه باعتبارها مواقف سياسية قابلة للدحض والتخطئة وليس كحقائق دينية منزلة لا يجوز مقارعتها بالحجة.

(مقاطعة) السؤال يمتد هنا إلى الحركة الإسلامية هنا في السودان، أين هي الآن من كل هذا؟
ابحث عنها بنفسك. ولكن بالعودة إلى حديث الغنوشي، أقول بأنني أفهم ألا يوظف الدين لمصلحة دنيوية، أقصد مصلحة على حساب آخر، لأنه في النشاط الإنساني يمكن أن تجتمع المنفعة مع الشعائر كما في الحج. وهذا النوع من التوظيف إذا حدث خطأ كبير. الصحابي عبد الله بن مسعود عندما نزلت الآية بعد غزوة أحد {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} تعجب عجباً شديداً أن يكون مع من حارب مع النبي صلى الله عليه وسلم من يريد الدنيا. يعني هذا ممكن جداً أن بعض الناس يريدون الدنيا وإن تدثروا بدثار الدين. الجديد في هذه المسألة أنها قيلت بهذه الصورة، وأنها أصبحت برنامجاً عملياً، يفترض أن يكون برنامجاً لحركة سياسية مشهورة وذات ثقل نوعي في العالم الإسلامي، خاصة بعد أحداث الربيع العربي. والسياق المهم الذى برزت فيه حركة النهضة كفصيل إسلامي مستنير متقدم في الساحة السياسية، وهو الذي أعطى هذا الحضور هذه الدفعة القوية.

بعض القوى السياسية ظلت تنادي بالدولة المدنية العلمانية فهل هذا الأمر مقبول عند د. غازي؟
(كان طابت النية البلد بتشيل مية)، أقصد مية رأي وليس مية شخص. أعتقد دور الشجار حول المصطلح هو أكبر من ما يرمي إليه المصطلح نفسه. وهذا معروف في سلوكيات الناس، يعني لو أنت عندك مشكلة معقدة مع شخص، استجابتك الغريزية هي التوتر والضيق عند مجرد سماع اسمه.. يعني استجابة غير موضوعية لمجرد ذكر الاسم أو المصطلح. ما في أي واحد من المصطلحات دي ملزم: لا علماني، لا مدني، لا ديني، ولا إسلامي، خلينا نطلّع الوليد من بطن أمه سليماً بعدين نفكر في السماية.

نريد مزيداً من الإيضاحات؟
بالنسبة إليّ الدلالات هي المهمة، الكلمة المستخدمة في وصف الدلالات نفسها ليست بذات الأهمية. هنالك سلوكيات واستجابات غريزية تنمو مع الإنسان، ويدفعه إليها المحيط والسياق. صفة علماني مثلاً أخذت معاني سالبة فى التجربة السودانية، ولكن نفس الشخص الذي يرفض مبدأ العلمانية في السودان يطالب به عندما يهاجر إلى كندا أو أمريكا أو فرنسا، وبالطبع هو المبدأ المفضل لدى الفلسطيني الذي يعيش في أكناف الدولة اليهودية، لذلك أشدد على أن الأهم هو النظر إلى المضمون.

هناك مخاوف من الدولة الدينية؟
لا أعلم بأحد من السلف الصالح استخدم تعبير الدولة الدينية دعك من أن يكون دعا إليها، لذلك أدرك خوف من يتخوف من تجربة الدولة الدينية، بمعنى أنها دولة فيها معلبات من الأحكام لا نقاش فيها، ولا تعمل فيها عقلك، وأن التقديرات الأرضية فيها مختلطة بالتقديرات السماوية، وهذا خطأ. وأكبر خطأ هو أن هذا كله قياس مبني على التجربة المسيحية الأوربية. في الإسلام أفعال الحاكم وتقديراته ليست منزهة عن الخطأ، وهي خاضعة للتصويب والمراجعة، والمقصد النهائي للدولة، بأي وصف وصفتها به، هو تحقيق العدل. وهنا قيد آخر يجب أن نراعيه في استنباط مقتضيات الدين، فالمجتمع هو الذي يفسر وليس الأفراد، وإن تركنا الأشخاص ليفسروا الدين ويفرضوا تفسيرهم على الآخرين فهذا سيقودنا إلى العنف السياسي وإلى محاولة فرض الرأي بالقوة، لأن بعض الأفراد سيعتبرون أنفسهم مكلفين بتكليف إلهي ليغيروا ما أمامهم. إذن، المجتمع من خلال تحاكم شوري، هو الذي يحدد الموقف الشرعي الصحيح من النازلة الفقهية المعينة.

في ظل هذه المخاوف.. ما الذي يمنع من إعلان الدولة دولة علمانية؟
أوضحت لك. أنت لا تحتاج أن تقول الدولة علمانية، ولا تحتاج أن تقول إنها إسلامية. في نظري، الأهم هو أن تصف وإجابات الدولة وصفاً دقيقاً، ووفر الضمانات الدستورية التي تُعرّف الدولة وواجباتها، واصنع الحماية الكافية لها، وضمانات عملها إزاء الفرد والجماعات. واجبات الدولة ومفاهيم الحكم الراشد تظل متطورة كفكرة الديمقراطية نفسها. مثلاً، ونحن نتحدث عن الديمقراطية يغلب على أذهاننا النموذج القديم بأنها أغلبية تحكم أقلية، الآن أنت تعلم أن مفهوم التعايش في نظام حكم شعبي اختلف، ولم تعد القضية بهذه البساطة (أغلبية وأقلية) فهناك حقوق لا يمكن المساس بها، وإن كان يمكن تقييد حق التعبير في حالة الطوارئ العسكرية أو الأمنية وعند سريان أحكام قضائية معينة، ولكنك لا يجوز لك أن تقتل إنسان جراء حالة الطوارئ. حق الحياة لا يمكن المساس به تحت أي ظرف.

وكيف نضمن ذلك؟
كما قلت، بأن نضع الضمانات بحيث لا يتغول حق على حق، ونصيب على نصيب، ولا بد للدولة أن تكون دولة مواطنة ودولة مشاركة بين الجميع. والحقيقة حتى لو نحينا الدساتير جانباً -الدستور هذا لم ينزل به قرأن- وقلنا للسودانيين احكموا بأعرافكم وأخلاقكم، متأكد بأنهم لن يعصوا أمراً دينياً، ولذلك الدستور وتنميقه وكتابته شيء إيجابي، ولكن لا ينبغي أن نقرنه بالحياة، كأنما نحن عاجزون عن أن نفعل شيئاً كأمة ودولة ومجتمع إِذا لم نتفق على دستور منمق ومصوغ ومرقم بلغة عالية، وذلك ليس في حد ذاته ضماناً لأن يكون الدستور مستوفياً لشروط الأخلاق والدين والمفاهيم الوضعية نفسها.

بعد كل تلك المسيرة، هل تراك نادماً على اتخاذك المسار السياسي بحسبانه كان خصماً على مسارك الفكري؟
لم أكن في يوم من الأيام متحمساً للحزبية بصورة عامة، منذ قديم الزمان وحتى من قبل الإنقاذ، بل أجد أن منهج القرآن ذّم التشيع والتحزب بصورة واضحة في مواضيع عديدة، ولكن على أي حال هي – أي الحزبية – اصطلاح بشري اصطلح عليه الناس، ونحن نمضي في ذلك الطريق. والعمل الحزبي لم يكن يوماً خياري المفضل أو الوحيد، كل ما يسعني هو حرية ومنصة أخاطب منها الناس. تحزنني جداً كلمة النبي، صلى الله عليه وسلم الحزينة والمؤثرة وهو على أبواب الحديبية يتحسر على الرحم المقطوعة بسبب عناد قريش: ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين الناس. أعمالي الفكرية ليست مصممة لفصيل سياسي بعينه. آخر أعمالي الفكرية ومنها التي ذكرتها (في السودان حقنا كلنا) المقصود منها ليس برنامجاً حزبياً بل وطنياً، ويمكن أن تسحب اسمي وتضع اسم أي سياسي آخر ويكون الكتاب مقبولاً بمعنى أن مادة الكتاب ليست حزبية وإنما هي مادة سياسية فكرية. وأرجو أن تتاح لي الفرصة فيما تبقى من هذه الحياة للإسهام بصورة أكثر فاعلية وأكثر مصداقية من ذي قبل في المجال الفكري.

ولكنك قبلت المنصب السياسي؟
إذا كنت تقصد عندما كنت في المؤتمر الوطني فهو صحيح، لكن صدقني لم أستشعر متعة في ذلك، فالتكليف لمن يرضى أن يأخذه ويكابده كله شقاء. برغم ذلك لو عدت إلى الوراء لربما قبلت التكليف بنفس الصورة ولكن بمفهوم مختلف.

ألست تعاني من تناقضات بين الفكري والسياسي؟
لا تناقض بين السياسة والفكر. الفكر الذي يتداعى إليك في غرفة مغلقة هو فكر بارد في الغالب، وليس منفعلاً بالأحداث اليومية، والانفعال بالأحداث اليومية مهم جداً لإيقاظ وإشراق بعض الأفكار لديك، وما كان لك أن تعثر عليها وأنت في خلوتك. وتعجبني مقولة لجوته الشاعر والفيلسوف الألماني المشهور أرددها وأستشهد بها كثيراً، يقول: (الموهبة تنمو في الخلوة، ولكن الشخصية تتكون في تيار الحياة العريض)، فأنت تحتاج للخلوة وللجلوة، ومن كليهما تستفيد.

بعد سنوات من تخلّق (الإصلاح الآن) كيف تقيّم تجربتك ربحاً وخسارة؟
من الصعب أن تقول إنها خسارة وربح. وعلى كل حال هي كانت الخيار الوحيد المتاح أمامنا، كنا نفضل العمل من خلال تيار سياسي عام ووطني وليس حزباً، ولكن القانون لا يسمح، وحتى الآن بالرغم من كوننا مسجلين، لا نستطيع أن نستخرج إِذناً لإقامة ليلة سياسية، فدع عنك إن قلنا تياراً سياسياً غير مسجل وليست له شخصية اعتبارية. وعلى كلٍ إِذا توصلنا إلى اتفاق سياسي فيما يتعلق بالحوار الوطني سيكون هذا فاصلاً طبيعياً بين مرحلة ومرحلة، ولكل مرحلة – إن شاء الله- أحوالها بالطبع.

ما الذي يمكن أن يحدث وقتها؟
يمكن أن أتحوّل كاملاً للدور الفكري، الإنسان الحكيم يوقّت قراراته المهمة عند (الفواصل الطبيعية)، كالتخرج أو الزواج أو الدخول في مشروع جديد أو تغيير مهنة، أو الدخول إلى مرحلة عمرية أخرى، أو الإعفاء من مهمة، أو اختتام الحوار الوطني ونشوء نظام جديد .. الخ. وبالنسبة لي -كما ذكرت ولاحظت- فإن من أهم أولوياتي هي تدوين التجارب التي مررت بها واستنباط العظات والدلالات المستفادة لفائدة المجتمع السوداني عامة والأجيال القادمة بصورة أخص.

دون كثير خوض في مسألة ما جرى من انسلاخات للحركة في جنوب كردفان، دعنا نقول بأن كثيرين تساقطوا عنكم أثناء المسيرة؟
ليسوا كثيرين كما تظن، والراغبون في الانضمام أكثر من المغادرين، أخبرني في السياسة السائدة من من الأحزاب لم يعاني من تلك الأدواء؟ هذا فساد عام في طبائع السياسة علينا أن نحاربه كما نحارب الجذام في مستعمرة مجذومين، مع علمنا بأننا في سبيل ذلك الهدف قد نصبح نحن أنفسنا ضحايا للجذام. الشيء الذي أدهشني حقاً في هذه الحادثة التي حشدت لها أدوات الدولة وإمكاناتها لنصرة حزب سوداني على حزب سوداني آخر لأنه استرجع بعضاً من عضويته الهاربة، كأنه استرجع تلك المجموعة من كتلة ليكود الإسرائيلية، أدهشني أن الطبقة السياسية، ومن بينها وسائل الإعلام لم تَر في ذلك ما يستحق الاستنكار، بل تعاملت معه كشيء طبيعي بل لعله كشيء مطلوب.

لكن أنتم تيار إصلاحي؟
وتيار سياسي كذلك. ولا تخطئ في الاعتقاد بأن كل من يطرق باب الحركة هو مستوعب لكل أفكارها ومستعد للتضحية الكبرى في سبيلها. هؤلاء أندر من الكبريت الأحمر كما يقولون، حتى الأنبياء يوم القيامة يأتي بعضهم ومعه الرجل الواحد ويأتي الآخر وليس معه أحد. نحن عندما نتحدث عن الإصلاح في صفوف الحركة نتحدث عن سيرورة لن تنتهي بحدث واحد، مثل خروج فرد أو جماعة، لكننا نتحدث عن عملية وعي جديدة تتخلّق في رحم الحركة السياسية، ونحن ندفعها نحو ذلك التخلّق. وسائلنا في هذا المسعى ليست الوسائل التقليدية، ولا شكلنا التنظيمي، ولا فلسفة العضوية عندنا هي نفس المفهوم لدى الآخرين. هل سنكون قادرين على تحقيق تلك الأهداف؟ قد نستطيع بنسبة ٢٠٪ أو ربما ٩٠٪، لكن الأهم هو أن تظل عملية التخلّق تلك واستيلادها لمفاهيم تطلق وعياً جديداً ألا تتوقف.

أكرر يا دكتور بأنكم إصلاحيون؟
وأكرر بأن قضية الانسلاخات والانتقالات هذه جزء من ظواهر المشكلة وليس جوهرها، وهي في كل الأحزاب السياسية بما فيها المؤتمر الوطني نفسه، الذي لا نجد حزباً سواه خرج منه أمينان عامان مرة واحدة (الترابى وشخصى الضعيف) اللذان لعبا دوراً أساسياً في تاسيسه. هذا عن الإصلاح الداخلي لكن الأهم هو إصلاح الدولة وإصلاح الحركة السياسية، وهذا بالطبع ليس مسؤولية الحركة بل مسؤولية من يملكون إعادة تشكيل البنية السياسية بما لديهم من سلطة، نحن فقط لدينا صافرة إنذار نطلقها في الوقت الصحيح ومنصة نطلق منها الصافرة.

وهل وجدت المنصة؟
نعم. فالحركة أتاحت لنا إطلالة أفضل على الساحة السياسية ونحن أكثر تفاعلاً مع مكوّنات تلك الساحة، وأقدر على إطلاق مبادرات أعلى من شبكة الأمان الخاصة بمنظومة الحكم. وبينما كنت أقول مقولاتي على استحياء في غرف مغلقة، أقولها في الساحة العامة ويستمع إليها الجميع.

وصفتك هيلدا جونسون بأنك (إسلامي حتى النخاع، وشديد الولاء للقيم والمبادئ التي قامت عليها الجبهة الإسلامية القومية) وبناء على ذلك هل يمكن أن نراك في وحدة مع إخوان الأمس؟

ممكن، ولكن دلّني على خارطة بيتهم أولاً. قلت مراراً وأكرر ما قلت إن الوحدة بطبيعتها عمل ممدوح في الأخلاق العامة وفِي تعاليم الدين، ولا يمكن لعاقل أن يرفضها. أما من حيث هي ممكنة وأن ساعتها مؤاتية فهذا من تقديرات البشر المعلقة. هذا الهدف السامي معلق بالإرادة السياسية لأصحاب النفوذ، هم وحدهم من يستطيعون إصلاح ما خرب. ولا أحسب أن هناك من يعترض على وحدة الإسلاميين إذا كانت موظفة لمصلحة السودان، ولوحدة السودانيين جميعاً وليس لاجتناء مكاسب خاصة بهم كمجموعة سياسية متشابهة. ولكن الآن لا أرى دفعاً في الساحة السياسية في هذا الاتجاه، وعلى العكس أرى أن الصفوف والمواقف تتمايز بدرجة، وبصورة -لا يستحيل معها- ولكن يصعب جداً توحيد أطرافها المختلفة في سياق الاختلافات الجوهرية حول مضامين الإصلاح السياسي المطلوب.

ما سر التزامك بالزي القومي إذ نادراً ما نراك بالبنطال؟
الزي القومي السوداني هو الأنسب لعمل السياسى السوداني، ولكن ألبس (الافرنجي) أحياناً لما أسافر للخارج، أو مرات في المقابلات التلفزيونية. العرف الاجتماعي حاكم بصورة قوية هنا. مثلاً لو مشيت لي فاتحة وانت لابس سفاري، قطع شك بحقروا بيك.

أتراك نسيت تخصصك الأكاديمي؟
لم أنقطع عن الطب قراءة وليس ممارسة

في ماذا تخصصت تحديداً؟
تخصصي في الكيمياء الإكلينكية، وهي من العلوم الأساسية في الطب. ولكني مارست الطب الإكلينيكي في السودان وبريطانيا. طالب الطب بيتعرض لجرعة تدريب عالية وتكرار حتى الملل، تتشابه المناهج في هذا الصدد في بريطانيا وفِي السودان، لدرجة إنّو الطب بقى زي المشي، مهما رقدت لفترة طويلة فلن تعجز عن المشي إذا قمت على حيلك. فضلاً لمتابعتي للاختراقات الأساسية في الطب، أتابع القفزات العلمية الكبرى، ليس في الطب وحده، ولكن في العلوم الأساسية الأخرى التي تؤثر على حياة الإنسان، خاصة الفيزياء، لأنها تطورات تغير مستقبل الإنسان والإنسانية، وهذا مهم لأي أنسان يفكر في الحياة والخلق وفي دوره ومسؤوليته في الحياة، ينبغي أن نؤمن أن الإسلام دين معارف وليست مصادفة أن أول جملة قالها الملاك جبريل هي (اقرا) وكأن الإسلام يقول بأنه انفتاح نحو عصر جديد غير مسبوق في تاريخ الإنسانية، والعلم يشكل ركيزة أساسية في هذا العالم الجديد. لذلك أنا مؤمن بأن الحقيقة العلمية الموثقة يجب أن تكون أصلاً في استنباط الأحكام الفقهية وهذا بالضرورة سيؤثر في تشريعاتنا وفي اختياراتنا السياسية والشخصية. وأرجو بذلك أن أخرج من عباءة الأسئلة المتعلقة بالواقع السوداني والسياسة والحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني إلى ذلك الفضاء الرحيب نلتمس فيه الحقائق الأزلية.

متى كانت آخر مرة حررت فيها روشتة طبية؟
أحرر روشتات لنفسي أحياناً ولكن لا أكتب اسمي.

هل يوجد في الأسرة من له ميول سياسية وتأثر بك؟
للغرابة، لا. واحد منهم على الأقل أقرب إلى الفكر السياسي.

آثروا الابتعاد بإيعاز منك؟
ما تدخلت أبداً لا في ميولهم السياسية ولا الأكاديمية، دعهم يتحملوا مسؤولية خياراتهم.

كم تملك من الأبناء؟
أربعة ذكور وثلاث إناث.

هل فكرت في إنشاء صحيفة؟
فكرت في ذلك كثيراً، ونحن كما تعلم أسرة رائدة في مجال الصحافة (رحم الله عمنا إسماعيل العتباني)، ولكن هذا مشروع كبير، وأفضل أن أستفيد من الفضاء المتاح الآن، وهو كثير جدًا. وللأسف صفحتي في فيسبوك ليست منشطة، رغم أن المسجلين فيها أكثر من (50) ألفاً، وهذا جمهور كبير.

ولماذا لا تنشطها؟
المشكلة أنه توجب عليك الالتزام، و(50) ألف مشترك يعني أن تنهار فوقنا جبال من الأسئلة والاعتراضات، وهذا أمر يتطلب وجوداً يومياً.

هل تستخدم تطبيق التراسل الفوري (واتساب)؟
ثبّته في وقت متأخر جداً، وتحديداً قبل فترة وجيزة، ثم ما لبثت أن قررت إلغاءه تماماً، وهذا إعلان مني للجمهور أن خط (واتساب) سيغلق منذ اليوم.

ما هو سبب ذلك؟
السبب أنه يأخذ من وقتي زمناً طويلاً، وأنا أحسب زمني بالساعات.

لم يكن السبب كثرة المناكفات التي تحدث فيه؟
أنا ضد هذا النوع من الممارسات ولا أراها تحقق فائدة. الفلاسفة المعاصرون بدأوا يتحدثون عن عالم “ما بعد الحقيقة” الاستخدامات الضارة للإنترنت شوهت الحقائق حتى جعلت منها أكاذيب وزينت الأكاذيب حتى جعلت منها حقائق، أخشى أنه عندما تضيع الحقيقة فسينقرض الإنسان كما انقرض الديناصور. لا أستطيع أن أتصور أن أعيش في عالم لا ندرك فيه الحقيقة. عندما خلق الله آدم، علمه الأسماء كلها… تلك كانت الحقيقة…الآن آدم غاب عنه الأثر واشتبهت عليه المساعي إلى الحقيقة.

هناك مجموعات خاصة بالسياسيين وتتضمن نقاشات موضوعية؟
سأقاوم أن أكون جزءاً منها فهي لا تستهويني، وأشعر بالاطمئنان أكثر في عالم الحقيقة، لا عالم الافتراض وإن كان لدي حديث مع سياسي سأتصل به مباشرة.

كنت من أوائل السياسيين الذين نظموا مؤتمراً صحفياً عبر (فيسبوك) فهل يمكن تكرار الفكرة؟
الأولوية هي تنشيط (فيسبوك)، وربما إنشاء مدونة، ولكن هذا كله مرهون بالفراغ.

حوار: مقداد خالد
صحيفة الصيحة

Exit mobile version