(الموساد) وعملاؤه في السودان.. بعد فصل “الجنوب”.. فصلنا عن “مصر” (3 – 3)

مرت العلاقات السودانية الإسرائيلية بثلاث مراحل، المرحلة الأولى قبيل الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي، وكانت علاقات تجارية في الغالب، ونشطت في السودان أثناء تلك الفترة جالية (يهودية) عمل معظم أفرادها في مجال التجارة، وكان لهم (معبد) معروف في وسط الخرطوم، وقد تواصلت الطبقة السياسية في بلادنا اجتماعياً مع رموز الجالية الذين تملكوا الكثير من العقارات في “الخرطوم” و”أم درمان” و”بحري”، وما يزال بعضها مملوكاً حتى الآن لأسر يهودية هاجرت إلى أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل نفسها. وقد عرف الحي المتاخم لسوق أم درمان الكبير والمقابل لبلدية أم درمان بـ(حي اليهود)، وهناك عائلات يهودية وصلت السودان في القرن التاسع عشر خلال حقبة الحكم “التركي”، واستوطنت في مدن الولاية الشمالية و”الخرطوم” و”الأبيض” و”بورتسودان”، وأشهرت إسلامها على فترات متعاقبة مع بداية عهد الدولة المهدية وما تلاها.
{ في المرحلة الثانية من مسار العلاقة مع السودان، سعت إسرائيل إلى دعم (تيار الاستقلال) الذي يمثله حزب (الأمة) على حساب تيار (الاتحاد مع مصر)، باعتبار أن الإستراتيجية الأمنية للدولة العبرية تقوم على تفكيك القوى المحيطة بها، سياسياً وعسكرياً، خاصة في العمق العربي.
{ أما المرحلة الثالثة فقامت على دعم وإسناد الحركات (الانفصالية) في جنوب السودان، وهذا العمل بدأ في نهاية الخمسينيات تحت مظلة العون الإنساني للاجئين الجنوبيين في “إثيوبيا”.
{ وحسب كتاب (مهمة الموساد في جنوب السودان)، دخلت إسرائيل في خط التفاعل مع الانفصاليين السودانيين بعقد مقارنات، تفيد بأن الجماعات (الإثنية) في جنوب السودان تتعرض لاضطهاد كما حدث مع اليهود عبر التاريخ. (استخدمت “إسرائيل” ذات النغمة.. نغمة الاضطهاد العرقي في إشعال الحرب في دارفور عام 2003م، وتُستخدم الآن للمرة الثالثة في جبال النوبة).
{ بدأت إسرائيل نشاطها التخريبي في السودان بتقديم الدعم لمتمردي حركة (أنانيا)، بحجة تقديم “المساعدات الإنسانيّة” للاجئين الفارّين من الجنوب السوداني في “إثيوبيا” وذلك بعد عام 1958، إذ كان الكثير من الجنوبيين يفرّون بأرواحهم نحو الحبشة.
{ وحاول كتاب (مهمة الموساد في جنوب السودان) عكس صورة “إنسانية” مختلفة عن الضابط الذي تولى مسؤولية اتصال دولة الكيان الصهيوني مع الجنوبيين وهو الجنرال “جون” أو (طرزان) الذي كرمه لاحقاً الرئيس “سلفاكير” في “جوبا” بعيد الانفصال، وعدّه ممثله الشخصي في “تل أبيب”!!
{ ويرسم الكتاب صورة زاهية للجنرال “جون” في حين أنه كان يدفع نحو الانفصال وتقسيم السودان إلى دولتين، وقد عمل لسنوات طويلة في تسليح (الجيش الشعبي)، وعزز داخله من شعور التعرض للاضطهاد، وربطه بما حدث مع اليهود في تاريخهم، ونسب في النهاية جهود (الموساد) في الانفصال إلى الدور العظيم الذي أداه (طرزان) ومساعدوه مستغلين كل إمكانيات الدولة العبرية وعلاقاتها، ومن خلال أدوار أخرى لعبتها دوائر في الخارجية الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية (سي. آي. أيه)، لتحقيق (الحلم) وقيام دولة جنوب السودان.. وقد كان!!
{ ولم تكن الإستراتيجية الإسرائيلية متركزة على فصل جنوب السودان عن شماله، وإضعاف عرى الوحدة مع “مصر” على الدوام، وإثارة الشكوك والتوترات بين البلدين من حين لآخر، ولكنها أيضاً اخترقت دول (حوض النيل)، وكانت هي صاحبة مبادرة إعادة تقسيم مياه النيل بين دول المنبع والمصب، وإلغاء اتفاقية عام 1929م التي وقعها المستعمر البريطاني إنابة عن دولة المنبع مع “مصر”، وذلك بالطرق على وتر (العدالة) في توزيع المياه.
{ وما (وثيقة حوض النيل) واتفاقية “عنتبي”، والسعار “الإثيوبي” نحو بناء السدود على مجرى النيل خلال السنوات الأخيرة، سوى فكرة صهيونية حملتها دراسة في كتاب أعده أستاذ التاريخ في جامعة “تل أبيب” المتخصص في دراسات إثيوبيا والسودان ومصر الدكتور “حجاي إرليخ”، عنوان الكتاب (الصليب والنيل .. إثيوبيا ومصر والنيل)، وقد مولته المؤسسة الإسرائيلية للعلوم ومعهد السلام الأمريكي، وبدأ الكاتب دراسته عام 1995م واستمرت لمدة (10) سنوات. وسعى الكتاب إلى تضخيم فكرة أن يصبح نهر النيل (مسألة حياة أو موت) لدول المنبع والمصب، وأن نهر النيل هو الكنز والطريق إلى التنمية وهو (النفط الأبيض)!! وانتهت دراسة الخبير الإسرائيلي إلى ضرورة بناء “إثيوبيا” لـ(26) سداً من بينها “سد النهضة”.
{ والهدف (خنق) الدول العربية المحيطة بدولة الكيان الصهيوني والسيطرة على منابع المياه، وإثارة الكراهية والحرب بين الدول المطلة على البحر الأحمر وألا تكون السيطرة عليه لجيوش عربية، ومن هنا تأتي أهمية استمرار فتنة (حلايب) لإبقاء الجيشين السوداني والمصري في حالة (مواجهة) وتوتر دائم، لتتسيد البوارج والغواصات ووحدات الاستطلاع الإسرائيلية مياه البحر الأحمر.
{ انظروا إلى خريطة توازن القوى في الشرق الأوسط.. انتهى الجيش “العراقي”.. أعظم جيش عربي، وتفكك إلى مليشيات (سنّية) و(شيعية) بعد الغزو الأمريكي في العام 2003م، وقد كان جهاز (الموساد) أحد المصادر المهمة في تمرير أكذوبة امتلاك “صدام” لأسلحة دمار شامل. وتحولت بعده “سوريا” الدولة القوية المجاورة لإسرائيل، إلى دويلات مبعثرة، أقاليم محروقة بالبارود الروسي والصواريخ الأمريكية، وشعب مشرد.. وجيش منهك ومحاصر.
{ وانشغلت “مصر” بدوامة مشكلات داخلية معقدة بعد ثورة (25) يناير، وانصرف جيشها إلى محاربة جماعات إرهابية في “سيناء” مدعومة من “إسرائيل”، وإن بدا غير ذلك، فهل سمعتم بعملية واحدة نفذتها (داعش) داخل الدولة الإسرائيلية في وقت استطاعت فيه الوصول إلى مدن فرنسية وألمانية وبريطانية؟!
{ نخلص إلى أن ما يحدث على الصعيد الإعلامي والشعبي بين السودان ومصر، هو (حلقة) من سلسلة إسرائيلية قديمة ومعروفة، لتمزيق دولتي وادي النيل بعد أن اكتمل مخطط تمزيق (المشرق) بضرب العلاقة بين دول الخليج وإيران وإشعال الحرب في اليمن، واحتلال وتفكيك الدولة العراقية وتقطيع الدولة السورية.
{ فهل ننتبه في مصر والسودان.. هل نتعظ؟؟
(انتهت الحلقات)

الهندي عز الدين
المجهر

Exit mobile version