فرق كبير بين خطاب الرئيس أمس أمام مجلس شورى المؤتمر الوطني، وخطابه السابق الذي وجهه من قاعة الصداقة لكل الشعب السوداني بحضور قيادات الأحزاب السياسية لتمهيد طرح وثيقة الإصلاح داخل الدولة وإصحاح الحياة السياسية.
خطاب الأمس في اجتماع الشورى كان عفوياً تلقيائياً مباشراً وواضحاً، اعتمد فيه الرئيس الارتجال من دون أوراق مكتوبة أو تعقيدات لفظية، ولذا كان خطابه محدد الملامح والأفكار وصوبه نحو الهدف مباشرةً، كأنه يشرح فيه ما جاء في الخطاب الذي سبقه وأثار التساؤلات يومها التي لم تنته بعد.
كلا الخطابين ركزا على ذات المعاني والأفكار، وشرح الأخير متن الأول بشكل وافٍ وكافٍ، ودخل بهذه الكيفية آذان وعقول وقلوب من استمع إليه، ولو اختار الرئيس منذ البداية في خطابه السابق طريقته التي تحدث بها أمس في قاعة الشهيد الزبير في فاتحة اجتماعات شورى المؤتمر الوطني لنام ملء جفونه عن شواردها، ولما وجد كثير من الناس مدخلاً لنقد الخطاب أو أسلوبه ولغته.
وهذه فرصة مواتية لإجراء مقارنات ومقاربات بين الطرق المختلفة التي يجب أن تكون عليها حالة رأس الدولة في تواصله واتصاله مع شعبه ومخاطبته له، فالأجدى والأنفع أن يكون خطاب الرئيس لعامة الناس أو نخبهم على قدر كبير من الوضوح والمباشرة والرصانة مع بيان الأفكار والقضايا بشكل لا يحتاج إلى تأويل وتفسير وتحوير.
خطاب الأمس تناول نفس قضايا الخطاب السابق وهي السلام والحوار والحريات والهوية والاقتصاد، وهي ما شملته المحاور الأربعة التي سميت استخلاصاتها وما ترمي إليه الوثبة، نفس المعاني السابقة كانت في عبوة جديدة، الأولى فخيمة وفاخرة إلى درجة تنقبض منها النفس، لكن تعبئة ذات المعاني في عبوة ومواصفة شعبية سهلة التناول والتداول قريبة لمزاج العامة، وضعت كل ما أراده الرئيس أمام شعبه دون أية موانع لفظية أو مصدات سواتر لغوية!!
إن كان المقصد في الخطابين هو محاولة جمع كلمة الأمة وتوحيد إرادتها الوطنية والسياسية، والاتفاق على الحد الأدنى من المشتركات، وتحقيق السلام ووقف الاحتراب ومشاركة الجميع في ذلك، والاستعداد للانتخابات القادمة التي أكد الرئيس في خطابه أمس أنه لا توجد أدنى رغبة من المؤتمر الوطني في تأجيلها، ودعا لإجرائها في موعدها بداية العام المقبل على أن تكون شفافة ونزيهة ويشارك فيها الجميع، وضرورة اشتراك كل الفاعلين في الساحة السياسية في بناء وصناعة السلام وتحقيقه على أرض الواقع توطئة لانطلاق قطار التنمية الشاملة، وإصلاح حال الاقتصاد الوطني ومعالجة اعتلاله، والتفرغ الكامل لمعالجة مسألة الهوية السودانية التي تشوهت بفعل العصبيات الجهوية والقبلية.
وكل هذا بالطبع يتطلب تعاوناً وتفاهماً وحواراً جاداً من كل القوى السياسية ومن يحمل السلاح من أجل بلوغ المقصد والمرام.
إذا كان خطاب الأمس قد شرح خطاب الرئيس في «28» من يناير الماضي، وأجلى كثيراً من غوامضه، فينبغي على الساحة السياسية أن تترك الشكليات وتغوص في لباب وجوهر المعاني التي حواها الخطابين، فهما مكملان لبعضهما، موضحان لهدف واحد، وحتى القوى السياسية المعارضة التي لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب، وينكر فمها طعم الماء من سقم، عليها أن تتجه للتفاصيل المهمة التي أشار إليها الرئيس أمس الواردة في الوثيقة الإصلاحية، إن كان فيها ما يستحق، فهي أولى الناس به من أجل تهيئة المناخ العام في البلاد لتقبل الإصلاح الشامل ودرء المخاطر التي تحيق بنا من كل جانب.
فهناك ما يمكن مناقشته والتحاور حوله، وهو مطروح على الساحة، وأهمها قضيتا الدستور والانتخابات، وواضح أن موضوع الانتخابات سيأخذ حيزاً كبيراً لدى جميع الفرقاء السياسيين، خاصة مع دعوة المؤتمر الوطني لإجراء الانتخابات في موعدها بعد انتهاء الدورة الحالية في أبريل من عام 2015م.
[/JUSTIFY][/SIZE]
أما قبل – الصادق الرزيقي
صحيفة الإنتباهة
