سودانيون .. إلا كثيراً !
خالد حسن عثمان شابٌ سوداني وُلِد ونشأ بمدينة القضارف بشرق السودان . عندما شبَّ وجد أن الخدمة العسكرية تناسبه فالتحق بإحدى الكليات العسكرية الفنية ، لم تكتمل سعادته لأنه في مرة تحدث مع أحد زملائه عن خالته التي تقيم في اريتريا فدارت شبهاتٌ حول سودانيته ، تعرَّض بعدها لمضايقات وتهميش أسفر عن حرمانه من عدد من الدورات المتخصصة التي تمتع بها زملاؤه ( السودانيون ) ، إضافةٍ لأحاديث هامزة تعايره بجذوره الأريترية . ترك الخدمة والسودان ، وهو لا يزال يبحث عن اجاباتٍ لاسئلة ظلت تؤرقه ، كيف لا يكون سوداني وأمه وأبيه قد ولدا وعاشا كل حياتهما بالسودان ، ما هي مواصفات السوداني وقد كان جده لأُمه المرحوم صالح إبراهيم من أوائل الذين التحقوا بقوة دفاع السودان ، ولا زالت صوره تزين متحف الفرقة الثانية مشاة بالقضارف . ما هي الشروط التي يجب أن يستوفيها حتى تصبح سودانيته خارج دائرة الشبهات ، فهو لا يتحدث لغةً غير العربية ، لغة جمهورية السودان الرسمية ، ويحفظ نشيد العلم عن ظهر قلب ، يستمع لأمه ، منذ ان كان طفلٌ صغير ، وهي تردد اغنيات وردي وإبراهيم عوض وعثمان حسين ، أحب أغاني محمود عبد العزيز حتى صار حوَّاتي ، غنى مع العطبراوي ( انا سوداني ) ، أحب الفاضل سعيد وتابع الحاج مذكر بشغف وغنى يا طالع الشجرة . ببساطة عاش الحياة التي تشكل وجدان كل أو أغلب السودانيين .
تابعت خالد على صفحته على الفيسبوك وهو يحاول ان يستزرع هوية أخرى لا يعرفها عله يجد اجابات تقنعه ، قرأت له وهو يبحث عن أدباء وشعراء ومناضلي ارتريا ، حاورته ، وفِي كل مرة اشعر انه كمن يحاول زراعة شجرة الهشاب على سفوح جبال مصوَّع .
استدعيت حالة خالد عندما أعاد اتهام الزميلة سهير عبدالرحيم للمهندس ابراهيم محمود مساعد رئيس الجمهورية بالتسبب في إيقافها عن الكتابة ، أعاد الحديث عن مسألة المواطنة على الطريقة السودانية ، وبدلاً من مناقشة القضية موضع الخلاف اتجه البعض للتشكيك في سودانية محمود ، برغم انه وُلد وتربى بالسودان ، حيث شهدت قرية ود موسى ريفي كسلا مولده ونشأته الأولى .
ظل هذا الجدل حاضراً كلما ظهرت قضية عامة طرفها أحد المسئولين ( المشكوك في سودانيته ) ، فقد ظلت تشادية الاستاذ بحر ادريس ابوقردة وزير الصحة تظهر في حوارات الناس كلما غضبوا على أدائه في الوزارة . وواجه الأستاذ مني أركو مناوي مساعد رئيس الجمهورية السابق ذات المصير ، ففي لقاء على الجزيرة مباشر في العام ٢٠٠٦ سألته متصلة على الهاتف : هل انت سوداني ؟ في إشارة لانتمائه لقبيلة الزغاوة التي تعيش مناصفةً بين السودان و شاد ، فكان أن اجابها بأن جده الخامس مدفون على ارض السودان . كذلك الاستاذ مبروك مبارك سليم بدرجةٍ اقلَّ حدة ، وعددٌ آخر من المسئولين الحكوميين ، ظلوا عرضةً لتفتيش وفحص الجنسية كلما ورد اسم احدهم في قضيَّةٍ تتعلق بالاداء او المواقف . وجودهم في السلطة ودائرة الضوء ربما جعل منهم مختبراً لفهم معنى المواطنة لدى السودانيين لكن المسألة أعمق من غضبٍ على سياسة مسئول . كذلك نستشعر هذه الأزمة في حياتنا الإجتماعية عندما يتعلق الأمر بالمصاهرة على وجه الخصوص . ما يدعونا للتساؤل عمن هو المواطن السوداني وكيف يمكن ان تصبح مواطناً سودانياً لا شق ولا طق في مواطنتك .
ولعله حريٌ بِنَا هنا الحديث عن مفهوم المواطنة ( Citizenship ) ، فهو ، في ابسط معانيه ، كما بذلته ويكبيديا ، بتصرف ، يدل على الانتماء لأرضٍ ما يستقر فيها الانسان او يحمل جنسيتها ويشارك في الحياة السياسية بها بمستوياتها المختلفة ، يلتزم بقوانينها ويتمتع بحقوق ويؤدي واجبات وفقاً لقانون الدولة المعنية . سواء اكانت هذه الارض مكان إقامته او استقراره او ولادته او تربيته . وورد في دائرة المعارف البريطانية ان المواطنة هي ( علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق متبادلة ، متضمنة مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسئوليات وتسبغ عليه حقوقاً سياسية مثل حقوق الانتخاب وتولي المناصب العامة ) . وقد عرَّف دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005 م المواطنة في فصله الاول ، تحت عنوان ( المواطنة والجنسية ) ، جاء في البند ( 7 ) (2 ) ما نصه ( لكل مولود من أمٍ او ابٍ سوداني حق لا يُنتقص في التمتع بالجنسية والمواطنة السودانية ) ، وهنا حدَّد دستور السودان بجلاء من هو المواطن السوداني .
هذه هي المواطنة كما يعرفها المختصون ويفصلها دستور السودان الانتقالي . في الممارسة الفعلية فان لكل سوداني تعريفٌ يختلف عن شريكه في الوطن ، القاسم المشترك هو الأصالة ، وان اختلف معناها من مجموعةٍ لأخرى ، برغم ان السودان أرض هجرات ، البعض أتى إليه مع دخول الاسلام وبعضٌ آخر هاجر خلال فترات مختلفة ، وهناك قبائل لا تعرف لها موطناً سوى السودان .
وعندما يأتي الحديث عمن هو السوداني تتجلَّى الإثنية في أوضح صورها ، يتشارك في ذلك الغالب الأعم من السودانيين من مختلف الجهات .
فالسوداني الأصيل في مخيلة اهل الوسط والشمال هو من يشبههم وينتمي لأعراقهم ، وما عداه دخيل . وعند أهل غرب السودان فإن العربي هو الأصل وان جاء للسودان قبل أعوام ، أما القبائل المشتركة مع دول الجوار فتُصنَّف في أسفل سلم الاصالةً ، برغم ان هذه القبائل نفسها تتبع طرقها الخاصة في توزيع صكوك الأصالة اعتماداً على تراتبيات إجتماعية محددة ومعروفة . ولا يختلف الأمر كثيراً بشرق السودان .
يقول المختصون ان المواطنة لا تتحقق شروطها إلا في ظل حكمٍ ديموقراطي يشارك فيه كل الشعب ، وتصبح فيه درجة المواطنة واحدة ، فالديموقراطية والمواطنة صنوان . لذلك وفِي القرن الحادي والعشرين ، بينما يتطور مفهوم المواطنة نحو العالمية وتصبح من اهم مواصفات المواطن العالمي الإعتراف بوجود ثقافات مختلفة واحترام حق وحرية الغير ، تعيد سياسات وخطاب الحكومة القبيلة لواجهة الحياة السياسية والإجتماعية وتحيي في مجموعات تمدنت أو كادت ، روح القبيلة والعرق ، وتستثمر في تلك المجتمعات القائمة أصلاً على القبيلة كنهج اجتماعي ، لينبني حق المشاركة في الحكم الذي كفله الدستور ، على المحاصصات القبلية ، في غالبه .
في هذا الوضع ، مع الغياب الكامل للديموقراطية ، ووجود نظام حكمٍ يُعلي من شأن الأصالة على الطريقة السودانية ، يصعب ان نسأل من هو المواطن السوداني ، وهل خالد حسن وإبراهيم محمود وأبو قردة ومبروك سليم وغيرهم ، وما يمثلونه من مجموعات عرقية ، هل هم سودانيون .
بقلم
سلمى التجاني
*الصورة اعلاه رمزية وهي للسودانية أمينة التي تعيش في أميركا
