الخارجية ترسم المشهد الكامل للعقوبات وقرار التجميد غندور .. مؤتمر في أكثر من مسار

القرار ألغى أعمال الطرف الأمريكي في لجنة الحوار وأوكل الأمر لترامب
سحب قواتنا من اليمن (شتل شديد)

التذرع بحقوق الإنسان محاولة لإرضاء جهات تلفق التهم للسودان بمعاونة سودانيين خانوا بلادهم
التزامنا بالمسارات الخمسة (خطة وطنية)

(لا متضايقين، ولا نفسنا قايم، ولا متهورين، ولن نشتم أحداً، وسنمارس حقنا كدولة ذات سيادة لها حق، ورفع العقوبات حق أصيل بنص مواثيق الأمم المتحدة، وسنتواصل مع الإيجابيين والسلبيين في الولايات المتحدة لنقنعهم بمواقفنا، لأن السياسية لن تتوقف)، بهذه العبارات بدد وزير الخارجية بروفيسور إبراهيم غندور كل التكهنات والأحاديث الذاهبة إلى أن الخرطوم قد أوصدت الباب بالكلية في وجه مفاوضي الولايات المتحدة الأمريكية، في أعقاب إصدار الرئيس عمر البشير قراراً جمهورياً يقضي بتجميد لجنة التفاوض السودانية مع الإدارة الأمريكية.

وأرجأت الولايات المتحدة النظر في رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان بصورة كاملة لمدة ثلاثة أشهر تنتهي في الثاني عشر من أكتوبر العام الجاري.

وفرضت الولايات المتحدة الأمريكية، طوقاً اقتصادياً على السودان بداية من عهد بيل كلينتون في العام 1997 جراء تهم تتصل بدعم الجماعات الإرهابية واستمر الحال على ذلك المنوال حتى أصدرت إدارة الرئيس باراك أوباما في شهر يناير المنصرم أمراً تنفيذياً خفض العقوبات بصورة جزئية.

(شتل شديد)
قال غندور في المؤتمر الصحافي بمباني وزارة الخارجية، يوم أمس (الخميس) إنهم يأملون في رفع نهائي للعقوبات في أكتوبر، واصفًا الشائعات التي انطلقت بعد قرار الرئيس بتجميد أعمال لجنة التفاوض بين البلدين، بأن الخرطوم قد أوقفت خطى التطبيع مع واشنطن، وفي طريقها لاتخاذ قرارات بسحب قواتها المشتركة في الحلف الذي تقوده المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين في اليمن، ووصف ما يشاع بأنه (شتل شديد).

ونحت كثير من التحليلات إلى أن الخرطوم في طريقها لنقض غزلها مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة العربية، والتوجه شرقاً تلقاء روسيا التي ينتوي الرئيس البشير زيارتها في شهر أغسطس المقبل.

لا تراجع
قطع غندور في المؤتمر الذي حضرته وسائل إعلام عالمية وسودانية، بأن السودان لن يتراجع في تعاونه مع الحكومة الأمريكية لما هو كائن قبل 12 يناير، موعد صدور القرار التنفيذي الأمريكي.

مبيناً أن قرار الرئيس جمد عمل لجنة التفاوض لمدة تسعين يوماً ولكنه لم يجمد عمل المؤسسات الأخرى، التي قال إن جهودها ستتواصل، وأعمالها ستبرم، من دون توقف أو انقطاع، اللهم إلا بقطع العلاقات.

مفسراً ما حدث بأنه محض اختلاف حول موعد الرفع الكامل للعقوبات. ومن غير أن يحوج الصحافيين للمطالبة بتفاسير عن هذه النقطة. و نوه البروفيسور بأن قرار تجميد لجنة الحوار له شقان أولهما تعبير عن احتجاج السودان على القرار، وثانيهما بأن اللجنة قد انتهت أعمالها و ليس لديها ما تضيفه على المسارات الخمسة.

ووضعت واشنطن حزمة مطلوبات من الخرطوم اصطلح على تسميتها بالمسارات الخمسة، وذلك للوصول إلى رفع العقوبات الاقتصادية بحق الخرطوم، ومن ثم إزالة اسمها من قوائم الدول الراعية للإرهاب.

وتشمل المسارات الخمسة، مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر، دعم الاستقرار في دولة جنوب السودان، مناهضة جيش الرب اليوغندي، بجانب إنهاء حالة الاحتراب في دارفور والمنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) فضلاً عن توصيل المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب.

التجميد أمريكي
تنبيه مهم وضعه غندور في أجندات الحاضرين، بقوله إن قرار ترامب ألغى المادة (11) التي بموجبها تتواصل اللجنة الأمريكية عبر المؤسسات مع نظيرتها السودانية وأوكل الأمر بكلياته للرئيس الأمريكي ترامب للتعامل المباشر مع السودان، وتابع: هذا يعني أنه وبعد ثلاثة أشهر ليس هناك تقارير مطلوبة من هذه الجهات التي كنا نتفاوض معها عبر اللجنة المشتركة.

النصف المملوء
أبان غندور أن أهم ما احتواه القرار الأمريكي بشأن إرجاء العقوبات، هو تعديل تاريخ رفع العقوبات من الثاني عشر من يوليو إلى الثاني عشر من أكتوبر، مع الإبقاء على كل الفقرات السابقة التي ترد في القرار التنفيذي بالرقم 13671 الصادر من إدارة أوباما.

مطالباً بقراءة القرار الأمريكي من أكثر من زاوية حيث قال إنه وبالنظر للجزء المملوء من الكوب نجد أن القرار هو بمثابة تمديد لقرار الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، لكن من دون الالتزام برفعها في الوقت المحدد بالثاني عشر من يوليو، وذلك على الرغم من التزام السودان بإنفاذ المطلوبات في المسارات الخمس، موضحاً أن الإدارة الأمريكية اتخذت ذريعة مهزوزة للتمديد تتصل بإعطاء مزيد من الوقت للإدارة الجديدة.

خيبة أمل
أكد غندور أن الحكومة السودانية لم تكن تتوقع أي قرار بخلاف قرار رفع العقوبات بصورة نهائية وكاملة، مذكراً بأن هذا التوقع لم يأت عن تخمين وعدم معرفة والمام بالشواهد المحيطة وإنما استناداً على آخر اجتماعين عقداً مع الجانب الأمريكي في الخرطوم و أوسلو حيث اتفق الطرفان على أن خطة المسارات الخمس قد تم تنفيذها كاملة وبصورة مرضية لكلا الجانبين، مستدلاً بأن ما ورد من الخارجية الأمريكية في بيانها الذي صدر بعد القرار جاء معززاً لهذا باعترافها أن السودان التزم بكل ما جاء في خطة المسارات الخمس.

وكان غندور استبق القرار الأمريكي الأخير بتصريحات صحافية قوية مفادها أن الخرطوم لن تقبل باي قرار أمريكي بخلاف قرار يرفع العقوبات الاقتصادية بصورة كاملة.

عداوة
كثير من التساؤلات حامت في أذهان الناس، وفي ثنايا المداخلات الصحفية عن سر بروز ملف حقوق الإنسان كدافع أمريكي لتأجيل رفع العقوبات في موعدها.

يشدد غندور على أن ملف حقوق الإنسان لم يكن ضمن المسارات الخمسة المتفق على مناقشتها بين الطرفين، ولم يرد البتة في الحوار ضمن خطة المسارات الخمسة، وإن قال بأنه كانت ترد الإشارة إليه في بعض الأحيان. منبهاً إلى أن قضية حقوق الإنسان كانت ترد لإرضاء بعض الجهات التي تريد أن تلفق التهم للسودان وأردف: للأسف منهم سودانيون خانوا وطنهم، واعتذر للجوئه مرغماً لهذه التوصيفات بالرغم من ابتعاده الدائم عن مثل هكذا مفردات.

أجندة وطنية
طالب غندور الحكومة الأمريكية بأن تراجع قرارها الأخير والالتزام بما تم التوافق عليه، مؤكداً التزام السودان بتعهداته الدولية، وقال نحن ملتزمون بالمسارات الخمسة إلى ما شاء الله، باعتبار أن ذلك مسؤولية وطنية، مضيفاً بأن التعاون فيها مرتبط بالتعاون الثنائي مع الطرف الأمريكي وأردف: نحن من جانبنا ملتزمون بالتعاون مع الطرف الأمريكي والعمل ضمن المؤسسات هنا وهناك حتى شهر أكتوبر المقبل.

وعاد غندور لتأكيد مضي السودان في إنفاذ المسارات الخمس باعتبارها أصبحت أجندة وطنية خالصة. وخلافاً لما جاء في بعض المواقع الإلكترونية من شائعات بأن السودان أوقف الحوار مع الولايات المتحدة، قال إن الالتزام بهذه المسارات واجب وطني، مضيفاً بأن مسار مكافحة الإرهاب هو مسؤولية وطنية إقليمية دولية، وأجهزتنا المعنية لن تتوقف في التعاون حولها وفق العلاقات الثنائية، وتابع: في عدم وجود هذه العلاقات الثنائية لايوجد تعاون.

عن المسارات
أشار غندور إلى أن جهاز الأمن السوداني له ملف تعاون كبير في هذا المسار، ما جعله ركيزه أساسية في مكافحة الإرهاب في منطقة شمال إفريقيا.

أما جيش الرب فقطع بأنه غير موجود بالمرة في السودان. مشدداً على أن السودان أصبح يمثل رأس الرمح في تحقيق السلام في دولة جنوب السودان بشهادة الاتحاد الإفريقي.

أما فيما يلي مسار السلام، فأوضح وزير الخارجية أن الاستقرار والسلام في دولة جنوب السودان هو من صميم المسؤولية الأخلاقية للسودان وأساس لاستقراره ، منبهاً إلى أن الرئيس سلفاكير ميارديت مقرر له أن يزور السودان خلال الأسابيع المقبلة بدعوة من نظيره السوداني الرئيس البشير.

وحول مسار السلام في السودان، جدد غندور الإشارة إلى أنه مسؤولية وطنية خالصة لحكومة الوفاق الوطني، وقال إن السعي لتحقيقه داخل السودان لا يحتاج للالتزام لاي طرف دولي..

وفيما يخص السلام بإقليم دارفور، قال إنه تحقق بشهادة البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي (يوناميد)، وأضاف أنه باعتراف المبعوثين الدوليين لم تنطلق رصاصة في المنطقتين لأكثر من عامين، متعهداً بوقف إطلاق النار الذي أعلنته الحكومة حتى أكتوبر المقبل، قائلاً إن السودان ملتزم بالذهاب للتفاوض في أي وقت تدعو له اللجنة الإفريقية رفيعة المستوى عن الاتحاد الإفريقي برئاسة ثابو أمبيكي.

مضيفاً بأن ما يؤخر التفاوض بين الفرقاء السودانيين هو تعقيدات تتصل بانقسام الحركة الشعبية شمال بين عبد العزيز الحلو ومالك عقار، مبدياً خشيته من أن يشجع قرار التأجيل حاملي السلاح على خرق اتفاق وقف إطلاق النار المعلن، لا سيما وأن الحلو أعلن قبل ايام إنهم سيستمرون في العمل المسلح لحين إسقاط النظام.

المتضرر المواطن
جدد غندور اعترافه بأن تأثير العقوبات لم يكن على الحكومة السودانية وإنما وقع على عاتق المواطن السوداني بصورة أكبر، بحرمانه من حقه في التمتع بالخدمات والتنمية بالقطاعات الإنتاجية، وقال: لم تؤثر العقوبات على كبار المسؤولين، مستنداً في ذلك على تقرير المقرر الخاص بشأن التأثيرات السالبة للعقوبات الأحادية القسرية المفروضة على السودان، ادريس الجزائري، والذي قدمه في الدورة (33) للمجلس الدولي لحقوق الإنسان في العام 2016، وأكد فيه أن العقوبات أثرت في بنية المجتع السوداني الأساسية والشرائح الفقيرة على وجه الخصوص.

حوار قديم
قال غندور إن الحوار مع أمريكا ليس جديداً وإنما كان منذ بداية العقوبات في نوفمبر 1997 ولم يتوقف منذ ذلك التاريخ، مبيناً أن الاختلاف بين الحوار الذي تم في العامين الماضيين عن سابقه متمثل بأن الحوار السابق أتى عبر روشتة تحوي مطالب لأداء بعض المهام وترك بعض الأفعال، قبل أن يعود التواصل مجدداً إبان المفاوضات التي انتهت بتوقيع اتفافية السلام الشامل – نيفاشا 2005 مع الحركة الشعبية، وأنهت أطول حرب أهلية في القارة، وقال إنهم تلقوا وعوداً برفع العقوبات يومذاك، مروراً باستفتاء جنوب الجنوب السودان في 2011 لكن من دون رفع العقوبات.

أما المتغير في الحوار الأخير الذي ابتدر في فبراير 2015 فقد حوى خطة بخمسة مسارات تضمنت ماهو مطلوب من حكومة السودان والولايات المتحدة على حدٍّ سواء، وتحدد تاريخ التوقيع الذي حدد في 31 ديسمبر نتيجة التأخر في المسار الإنساني مذكراً بأن المهم كون الطرفين أقرّا كل الالتزام بما هو وارد.

قائلاً بأن اللجنة المكلفة بالحوار بين الطرفين استمرت عبر الأجهزة ذات الصلة (سياسية، عسكرية اقتصادية، إنسانية) مع تلقي تقارير بصورة دورية راتبه كل شهر.

زيارة روسيا
في معرض تعليقه على زيارة الرئيس البشير لروسيا المحدد لها منتصف الشهر المقبل، قال وزير الخارجية إبراهيم غندور أن الزيارة مجدولة ومتفق عليها منذ عام، وتجيء في إطار ارتباطات تخص الطرفين وليس لها ارتباط بعلاقة السودان ببقية الدول، مذكراً بأنهم يبحثون عن شركاء في كل العالم.

الخرطوم : الطيب محمد خير
صحيفة الصيحة

Exit mobile version