أبيي .. قضيـة أحلام بين نارين

هل كُتب على منطقة أبيي أن تعيش الحروب وتداعياتها دون أن تهنأ بالتقاط الأنفاس؟ هل أصبح أزيز الرصاص وثقافة الحرب عاملاً أساسياً في تاريخ المنطقة؟ هل باتت مفردات السلام والتنمية مثل النجوم البعيدة تلمح وميضها الخافت دون أن ينعم إنسان المنطقة بنورها الباهر

فـ(أبيي) منطقة سودانية حصلت على وضع خاص ضمن اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية. كانت تتبع لولاية جنوب كردفان ثم أضيفت إلى ولاية غرب كردفان. لم تنعم بالأمن والاستقرار قبل وبعد اتفاقية السلام وظلت القبيلتان تعيشيان حياة الشد والجذب بين الاستقرار وعدمه مع ازدياد التفلتات الامنية حتى أضحت بؤرة توتر استرتيجى واجتماعي، حتى اصبح تحقيق احلام الامن والاستقرار معلقة على عاتق الحكومتين، وبهذا تبقى قضية منطقة ابيي بين نارين تحمل في اسفارها احلام وتطلعات شعب يتلفح البلاء والشقاء.
حماية المدنيين
أعلنت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة بأبيي يونسفا يوم الأربعاء الماضي تعزيز تدابيرها الأمنية في منطقة ابيي في محاولة للحد من تزايد الجرائم اتساقاً مع تفويضها بتأمين أبيي وحماية المدنيين. وقد وشهدت المنطقة عدة توترات من المنفلتين ارعبت المدنيين، ومازالت المنطقة تعاني من تفلتات أمنية هنا وهناك خصوصاً في الناحية الشمالية التي يقع فيها سوق (أميت)المشترك الذي نظمته الادارات الاهلية بين القبيلتين تحت رقابة لجنة السلام، وأدانت قوة يونسفا في بيان تلقت (الإنتباهة) نسخة منه مقتل (8) أشخاص في سوق قرية(توداج) الجريمة التي ارتكبتها جماعات مسلحة مجهولة في المنطقة، مما أسفر عن خوف المدنيين من تكرار التفلتات. وكانت القوة الأممية قد أعلنت فتحها تحقيقات حول هجمات شبيهة سابقة وقعت في منطقة أبيي أودت بأرواح مواطنين في قرية (تاج الي) الا انها عادت واكدت التزامها بتنفيذ تفويضها المتمثل في تأمين أبيي وحماية المدنيين المعرضين لخطر العنف البدني الوشيك بدون الإخلال بمسؤوليات السلطات ذات الصلة، بعد ان فشل طرفا الحكومتين في ايجاد حكومة مشتركة بأبيي فضلاً عن تشكيل هيكلة إدارية من طرف الحركة الشعبية مما فاقم القضايا خاصة في ظل القادمين من دولة جنوب السودان للمنطقة، وزيادة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية وازدياد البطالة بين الشباب التي وصلت الى اعلى المعدلات مما ساعد في ارتفاع نسبة الجريمة.
قوة أمنية للمجرمين
وكانت القوة الأمنية المؤقتة قد عززت تدابيرها الأمنية لا سيما في السوق المشتركة في منطقة (أمييت) التي تقع (15) كيلومتراً شمال مدينة ابيي وما حولها، وهي مركز اقتصادي حيوي ومهم لكل من دينكا نقوك والمسيرية، إذ وقعت معظم الحوادث الإجرامية أخيراً حولها. وشهد الشهران الأخيران ارتفاعاً مطرداً في حالات سرقة الماشية ومحاولات الخطف والسطو واطلاق النار، وفي مايو انفجرت قنبلة يدوية في سوق أمييت أسفرت عن إصابة بعض المدنيين. وأكدت يونسفا مجدداً أن الإجرام بجميع أشكاله يشكل تهديداً خطيراً للحالة الأمنية في منطقة أبيي. وحثت جميع الأطراف على دعم البعثة في جهودها الرامية إلى الحفاظ على درجة السلام والاستقرار التي عانت منها أبيي على مدى العامين الماضيين. وتابعت قائلة إنه ينبغي ألا تعرقل الأنشطة الإجرامية التقدم الكبير المحرز في تحسين العلاقات بين المسيرية ودينكا نقوك. وأعربت عن عميق تعازيها وتعاطفها مع أسر الضحايا، وتعهدت بالتحقيق على نحو عاجل في الهجمات مع لجنة السلام المشتركة بين الادارتين الاهلية وتقديم مرتكبيها إلى العدالة.
ضرورة الأوراق الثبوتية
طالبت القيادية في حزب المؤتمر الوطني الحاكم وعضو المجلس الوطني عن دائرة ابيي اوين زكريا اتيم، الإدارة الاهلية لدينكا نقوك في منطقة أبيي بالتعاون مع الجانب السوداني في اللجنة الإشرافية المشتركة، لتسهيل استخراج الوثائق الثبوتية على رأسها الرقم الوطني. ورحبت البرلمانية بتأكيدات الرئيس البشير بسودانية أبيي وتوجيهاته بتسهيل حصول مواطني المنطقة على الوثائق الثبوتية. ونادت ايوين بالإسراع في نقل مكاتب السجل المدني الى حاضرة ولاية غرب كردفان لتيسير إجراءات وتحرك المواطنين القادمين من منطقة أبيي للحصول على الرقم الوطني.
تمثيل أبناء المنطقة في الإشرافية
الاستاذ تينق دينق طورجوك قال لـ(الإنتباهة): قضية منطقة أبيي تعد من القضايا العالقة بين البلدين، وكافة الملفات المتعلقة بها مجمدة بسبب تعثر تنفيذ اتفاقيات السلام المبرمة بين البلدين، بعد ان رفضت لجنة (أجوك) في جنوب السودان تنفيذ اتفاقية ( 20 يونيو 2011) لإنشاء إدارة مؤقتة في أبيي، حيث يطالبون الخرطوم بقبول إجراء الاستفتاء دون مشاركة قبيلة المسيرية، ورفضت الخرطوم الاستفتاء الذي اُقيم من جانب واحد الذي نظمته قيادات دينكا نقوك بالحركة الشعبية في مسرحية سيئة الاخراج، حيث قررت النتيجة الانضمام إلى جنوب السودان دون مشاورة ابناء دينكا نقوك الذين في المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في السودان. بعد ان شكلت كل من جوبا والخرطوم لجنتين منفصلتين لمواطني منطقة ابيي لمتابعة كافة القضايا في كل من السودان وجنوب السودان وحل النزاعات المحلية، إلا أن لجنة (اجوك) في السودان لا يوجد بها عضو واحد من ابناء دينكا نقوك ابيي لمتابعة كل ما يتعلق بهم وعكسه للمواطنين بكامل تفاصيلها، مما جعل ابناء دينكا نقوك غير مطمئنين، نتيجة اهمال قضيتهم تماماً كما اهملتها حكومة جنوب السودان ولذلك يطالبون السلطات السودانية بأن يكون هنالك لقاء تفاكري بين مواطني دينكا نقوك وإداراتهم الاهلية، ليختاروا من يمثلهم في إشرافية منطقة ابيي، كما طالبوا بحل ما يسمى المجلس الأعلى لشؤون دينكا نقوك، واعطائهم الفرصة ليختاروا من يرون فيه المسؤولية وروح الوطنية من ابناء دينكا نقوك، ولو كان عضواً في المؤتمر الوطني من المستقلين الذين ينادون بسودانية منطقة ابيي وهم كُثر في السودان، لكنهم لم يجدوا الفرصة المناسبة لخدمة منطقتهم.
الدائرة الجغرافية
يقول الاستاذ حمدين احمد التوم ان منطقة أبيى سودانية وتبعيتها محسومة بقرارات محكمة العدل الدولية والاتحاد الإفريقي، وإن اتفاقية مشاكوس نصت على أن تكون الحدود بين الدولتين هي حدود الأول من يناير 1956م. وحسب هذه الحدود فأبيى داخل السودان، فضلاً عن أن الاستفتاء المنصوص عليه حسب بروتوكول مشاكوس لتحديد تبعية المنطقة، فلماذا لا تريد الحكومة ان تفرض سيطرتها في المنطقة حتى تتمكن من وقف التفلتات التي يتضرر منها المواطن؟ لأن اليونسفا وحدها غير قادرة على حفظ الامن بالمنطقة لاتساع الدائرة الجغرافية.
الإدارات الأهلية تدين
ادان بلبك دينق كوال ناظر عموم دينكا نقوك ابيي، وقال: نحن في ابيي ندين مقتل هؤلاء الابرياء العزل.. وطالب قوات اليونسفا بتقصي الحقائق والقبض على المجرمين وتقديمهم للعدالة فوراً ليكون ذلك درساً للآخرين، مؤكداً صلابة وتماسك عملية التعايش السلمي بين قبيلة دينكا نقوك والمسيرية، واضاف ان المتفلتين لن يتمكنوا من زرع الفتن، ومهما حاولوا سيقف الدينكا والمسيرية سداً منيعاً امامهم. ومن جانبه طالب الناظر مختار بابو نمر بالقبض على الجناة وتقديمهم للعدالة، مشيراً الى انهم كإدارات اهلية يطالبون السلطات في الخرطوم بالاسراع في تشكيل حكومة في شمال المنطقة للحد من العمليات الاجرامية، متهماً في الوقت نفسه مليشيات الحركة الشعبية.
احتجاجات وشكاوى
حذر رئيس اللجنة الإشرافية لأبيي من الجانب السوداني المهندس حسن علي نمر قوات (اليونسفا) من وضع حواجز بين مجتمعي المسيرية ودينكا نقوك، داعياً إلى تركهم يمارسون حياتهم الطبيعية في الرعي والتسوق وفق ما نصت عليه الاتفاقية، وقال إنه نقل إلى قائد قوات اليونسفا شكاوى واحتجاجات المواطنين من تحديد تحركاتهم بواسطة القوات الأممية، ومنعهم من دخول منطقة أبيي المدينة، وطالب بالقبض على المتفلتين وتقديمهم الى العدالة حتى يكون ذلك عبرة للغير.
حكومة شمال أبيي
العمدة حمدين التوم قال ان الاحداث التي تقع دائماً في المنطقة هي من بعض المتفلتين الذين اتخذوا عملية النهب مهنة لهم، ويرجع كل ذلك لغياب إدارة في سوق منطقة (اميت)الحدودية، وان قوات اليونسفا غير قادرة على تغطية المنطقة امنياً، وكان على الحكومة السودانية ان تقوم بتشكيل إدارة من طرف واحد شمال منطقة ابيي، لضبط الأمن وفرض شرعية الدولة بالقانون، حتى لا تضيع جهود الإدارات الاهلية بين القبيلتين التي ادت لإنشاء هذا السوق الذي يعتبر مصدراً لأرزاق آلاف من المواطنين بالمنطقة، وأن تشكل حكومة في شمال المنطقة لتكون مشابهة للحكومة التي شكلتها الحركة الشعبية في جنوب المنطقة، وايضاً أن تقوم الحكومة في شمال المنطقة بجمع الايرادات الضريبية من والي المنطقة. وبهذا يرجع العائد الكبير لولاية غرب كردفان او الى رئاسة الجمهورية مباشرة. واقترح التوم أن يكون تمثيل أبناء دينكا نقوك موجوداً في الحكومة في شمال المنطقة، حتى يتمكنوا من استقطاب مواطنيهم الذين تستخدمهم الحركة الشعبية دروعاً بشرية، وأوضح أن العلاقة بين دينكا نقوك والمسيرية في أحسن احوالها ولا تشوبها شائبة، منوهاً بضرورة تشكيل حكومة في شمال المنطقة لضبط تفلتات النهابين الذين لا يجيدون أكل العيش والاصطياد إلا في المياه العكرة.

الخرطوم: ملوك ميوت
الانتباهة

Exit mobile version