بدايات جديدة

ستظلُ زيارة السيد رئيس الجمهورية إلى ولايتي غرب وجنوب دارفور، فاصل بين زمنين، وتحتاج إلى قراءة دقيقة بدلالاتها السياسية وآثارها على الأوضاع الراهنة في دارفور، وثمراتها المتوقعة،

ولا تخطئ العين التفاعلات الكبيرة الناتجة عنها على كل صعيد، ومن الطبيعي أن تُثير جدالات واسعة لأنها وضعت دارفور على مسار جديد، ولن تكون صورة هذه الولايات الخمس بعد هذه الزيارة كما كانت .
> أول ما يلفت الانتباه خلال زيارة السيد الرئيس، حجم ونوع التدافع الجماهيري الهائل في كل اللقاءات التي تمت، وقد اختيرت المحليات والمناطق التي زارها بعناية فائقة لإعطاء رسائل واضحة في أكثر من اتجاه.
> ففي السابق كان الرئيس يزور حواضر الولايات وبالكاد يعبر إلى محلية او منطقة محددة غير معقدة التركيب والوضع، لكن هذه المرة زار الرئيس مناطق طرفية في الولايتين، وركز على أكثرها حساسية وعلى ظهرها محمولات سياسية وأمنية واجتماعية ثقيلة الوزن، شديدة الوطأة.
> ففي غرب دارفور، وقف الرئيس على أحوال المواطنين في محلية( فوروبرانغا) وهي من أهم الحواضر في غرب دارفور ومنطقة حدودية مع تشاد تمثل بعداً حيوياً في علاقة البلدين الجارين، ومجمع تجاري وخليط سكاني فريد ونادر، ومزيج اجتماعي عميق الغور وواسع الطيف، ولم يزر الرئيس من قبل هذه المنطقة وبها أكبر سوق في السودان للماشية، وملتقى طرق وقوافل تجارية وممرات هجرة مُذ قديم العهد والزمن، فصلتهم الموارد الطبيعية من مياه وإنتاج زراعي وغابي ومعادن .
> أما منطقة شكري، فهي من أبرز بِطاح العرب الرُّحل بغرب دارفور، ومنطقة استقرار وتجمع ستكون عن قريب أنموذجاً لتوطينهم واحتوائهم وتعويضهم حياة الترحال والتنقُّل المستمر من بادية إلى بادية، ومن صُقُع إلى نجع، وآن الأوان أن يستقر الرُّحل لِيَجد أبناؤهم التعليم والماء النظيف والخدمات الصحية ، وتتم رعاية صحة الأمهات والأطفال، وتتوسع مظلة التنمية الاجتماعية، حتى تتطور قطاعات الإنتاج الرعوي، ويتم تحديث حياة الرعاة بوجود مناطق استقرار دائمة للأسر، ومراحيل معلومة ومراعٍ دائمة، ومصادر مياه تُسهم في ضمان ظروف أفضل للقطاع الرعوي دون أية حساسيات واحتكاكات بين المزارعين والرعاة. وكون منطقة مثل سكري تحظى بمرافق ومؤسسات تعليمية وصحية ومياه وخلاوى ومصادر طاقة فذلك يعني أن الريف في دارفور يتقدم خطوات للأمام، وينعم أهله بحقوق كانت في السابق أبعد من مناط الثريا .
> في جنوب دارفور، كان واضحاً أن الزيارة لها أكلاف وأثقالاً سياسية تجعل منها ذات أبعاد متعددة. فالرئيس زار ثلاث من المناطق هي الأكثر التهاباً إبان صعود قضية دارفور، ولامس مواطن شديدة الحساسية، وبعضها لايزال البطن الرخو بين كل مناطق دارفور الأخرى، وأهم ما يميز منطقة ( قريضة) جنوب نيالا والتي كانت محتلة من حركة مني أركو مناوي فبل سنوات، ومنطقة ( شطاية ) غربي نيالا التي نزح جُل سكانها، ثم معسكر( كلما ) شرقي نيالا، إنها في ثلاثتها تمثل مظهراً إنسانياً لقضية دارفور، وكان التمرد يعتمد على هذه المناطق الثلاث لاستدرار عطف المجتمع الدولي، وتوجيه النبال والسهام إلى صدر الحكومة واتهامها بارتكاب جرائم حرب والتطهير العرقي وعدد من الترهات التي كانت تزدحم في المسمع والمشهد العالمي، وفوق كل هذا خرجت السكرى التي تسربت إلى المحكمة الجنائية الدولية، وكثير من المعلومات والحيثيات المفبركة من هذه المناطق الثلاث لتكون كعب أخيل لملف السودان في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية .
> زار الرئيس هذه المناطق والتقى سكانها الذين عادوا، والنازحين القابعين في معسكر كلما في انتظار قدرهم، إما بالعودة الطوعية إلى مواطنهم التي نزحوا منها او البقاء في المعسكر على أمل تخطيطه ضمن خطة الحكومة في تحويله إلى مدينة او حي في ضاحية قصية لمدينة نيالا .
> في قريضة وشطاية تسلم الرئيس وثيقتين للتعافي والتصافي والتصالح والتسامح، وطويت صفحة الماضي، لا نزاع ولا مرارات ولا غبائن او ضغائن، غسلت الزيارة ما في النفوس، ومهدت لمستقبل جديدة ومشرق تسوده التنمية وتوفر الخدمات والعفو الجميل .
> في كلما التي صاحبها لغط وتضخيم لما جرى فيها من أحداث معزولة لم تؤثر أبداً على الزيارة، لم يكن الجمع الغفير من النازحين يحتاج لغير الكلمات الواثقة والوعد الصادق من السيد الرئيس بفتح صفحات التنمية بعد المظالم، والعفو بعد الجرائر، والاستقرار عقب سنوات من ذُل النزوح، ومد اليد السفلى، وانتظار الإغاثات، والخوف من رائحة الموت، وأفواه البنادق وألوية دخان الحروب .
> لقد أعادت زيارة الرئيس إلى دارفور ثقتها في نفسها، وجددت صورتها من جديد، ورسمت معالم المستقبل، حيث تبدأ التنمية مع توفر الأمن، وتعود البسمة بعد مسح الدمعة، فكيف و مع الفجر الشاحب يأتي « قشاش دموع ؟» ..

الصادق الرزيقي
صحيفة الإنتباهة

Exit mobile version