عندما يحكم الطغاة

سجنوها لكي تلين قناة والدها العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي … حبسوا ابنة الشيخ القرضاوي ..كي يكسروا شوكته .. أسروها كي ينالوا من عزيمته، وهل يتخيل أحد أن ينكسر الشيخ الرباني بعد أن تجاوز التسعين عاماً قضاها منافحاً عن دين نذر له حياته؟!

زجوا بها في غياهب سجنهم الكئيب وحسبوا أنهم يحسنون صنعاً…. بيد أنهم دروا أم لم يدروا، يعيدون سيرة وقصص سجلها التاريخ بمداد من نور لإخوة لها تركوا لنا إرثاً ونماذج تحتذى …. أعادوا إلينا عبق الشهيد سيد قطب .. صاحب ظلال القرآن ذلك الذي استظل بظلاله الوارفة داخل محبسه رافضاً لعاعة الدنيا وسفسافها ومترفعاً عن النجاة من الموت مقابل أسطر وكلمات يستجدي بها ويسترحم كبيرهم وفرعون زمانهم .. ذلك أن أمثاله لا يطلبون الرحمة إلا من الرحمن الرحيم… وظل مستعلياً بإيمانه مقدماً المثال الذي سطره بأحرف خالدات مفضلاً الموت في سبيل قضية قال عنها :-

*إنها تظل ميتة… حتى تُروى بالشهادة في سبيلها لتحيا.. وتسير بين الأحياء لتزلزل عروش الطغاة .. واختار الموت ليلاقي محمداً وصحبه – هكذا نحسبه.

سجنوها…. بجريرة أن والدها كان عصياً … صلداً … صلباً …. منافحاً … صبوراً جسوراً لا تلين له قناة… ولا يخاف في الحق لومة لائم … مفكراً ومؤسساً ومنظّرًا لمشروع يهدد بقاءهم ويقض مضاجعهم .. ويرعب سادتهم وكبراءهم.

الكلمات التاليات سطرها الشيخ القرضاوي بقلب صديع مسلياً ابنته الحبيبة في سجنها الكئيب فهلا شاركتمونا التمعّن في معانيها وأبعادها؟

رسالة إلى ابنتي عُلا

ابنتي وحبيبتي عُلا ..

فلذة كبدي، ومهجة قلبي، وثمرة فؤادي، ابنتي التي لها مني كل القلب، ومن قلبي كل الحب، ومن حبي كل الصدق، ومن صدقي كل الإخلاص.

حبيبتي .. صار لك أكثر من مائة يوم في سجون الطغاة، وما أطول أيام الظلم على المظلوم! حتى لكأن اليوم بسنة. ستنقضي إن شاء الله أيام الظلم هذه، وتعودين وزوجك لأهلك وبيتك، سالمة غانمة.

كنتِ تظنين أنك بعيدة عن مظنة القوم، وأنتِ بعيدة عنهم، ولدتِ في غير أرضهم، وتعلمتِ في غير مدارسهم وجامعاتهم، وتوظفتِ في غير دواوينهم، فما لهم ولكِ؟

أنتِ زوجة وأم وجدة، وامرأة مسالمة، وموظفة في سفارة بلدك، التي تحملين جنسيتها، لا علاقة لهم بعملك، ثم أنت لا تشتغلين بالسياسة، يشتغل بالسياسة زوجك، من خلال حزب الوسط، المرخص والمعترف به قانوناً، ورغم ذلك اعتقلوه سنتين أو أكثر، وحُوكم فلم يوجد عليه شيء، فبرَّأوه وأفرجوا عنه، ثم أعادوه مرة أخرى؛ لأنه زوجك.

الأصل في الإنسان أنه بريء، هكذا يراه القانون، كل قانون. والأصل في كل متهم أنه بريء، ما لم تَدِنْه محكمة عادلة، ومن حقِّه أن يستأنف الحكم، ومن حقِّه أن يلجأ للنقض، والأصل في محاكم النقض: أنها مع المتهم حتى تبرئه أو تدينه، والله وكيل عليها.

لماذا يعاملونك هذه المعاملة القاسية، ولماذا هذا الحبس الانفرادي في زنزانة ضيقة، لا يعرف فيها ليل من نهار؛ بل لماذا الحبس أصلاً؟ ولماذا التشهير في الصحف والأخبار أثناء المحاكمة؟ ولماذا المنع من الحقوق الأساسية، من زيارة ورعاية صحية ودواء؟! فلا ارتكتبتِ كبيرة ولا صغيرة، لا دينية ولا دنيوية، ولا شاركت في مظاهرة ولا مغامرة، وقد مرَّ عليك سنوات، وأنت تخرجين وتدخلين، وتسافرين وتعودين، ولم يقل لك أحد أي كلمة، فما الذي جرى اليوم؟.

وكأنهم تذكروا فجأة أنك بنت القرضاوي!!

وأبوك يا ابنتي، قد سار بين الناس طول عمره بالدين، وتعليم الدين، فقيهاً ومفتياً، وداعياً ومعلماً، وشاعراً وكاتباً، ما خان أمته، ولا أضاع رسالتها، ولا كذب عليها في حياته منذ عرفه الناس إلى أن جاوز التسعين. زار القارات كلها، وزار البلاد المهمة، ولم يتخلف عن قضية للأمة، ولم يتكاسل عن واجب للمسلمين، وإذا كان هذا لم يعجبهم، لأنهم لا يهمهم أمر الإسلام، ولا أمته، ولا حضارتها، ولا دينها وثقافتها، فما ذنبك أنتِ؟ لماذا يعاقبونك أنتِ؟ أو لماذا يعاقبون أباك في صورتك؟!

لقد حاكموا أباك، وهم لا يرونه إلا مشاركاً في تجمعات الأزهر الكبرى، وهو رئيس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ولعدد من المؤسسات العلمية والدعوية، وعضو وخبير بالمجامع الفقهية الكبرى.

لقد كان حين وجهوا له هذه التهم عضواً في هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية بمصر، ثم استقال منهما حين رأى أنهما لا يجتمعان من تلقاء أنفسهما لمناقشة الملمات العظمى التي تمر بها مصر، فودعهم راجعاً إلى موطنه الاختياري. فلماذا يحاكمونه بتهمة غريبة: أنه شارك وهو فوق الخامسة والثمانين – آنذاك – في اقتحام السجون، وإخراج المسجونين من سجن لم يسمع به إلا حين سمع هذه التهمة، والتي لم يعلموه بها، لا في مصر ولا في قطر.

لقد وضعوا غلهم وحقدهم في امرأة حرة، أرادوا أن يقهروها، وأراد الله أن يقهرهم هم، وهو سبحانه يحفظها بعينه التي لا تنام، ويكلؤها في كنفه الذي لا يضام.

عُلا ابنتي، شاء الله أن يجعل لك من اسمك نصيباً، فيُعلي من قدرك في الدنيا والآخرة، ويُثقل ميزان حسناتك، وإنك وأنتِ في زنزانتك الضيقة لأعلى قدراً من ظالمك في قصره المنيف، وأحب إلى الله وإلى قلوب عباده منه، وكم من مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة في أقاصي الأرض، يستغفر لكِ، ويسأل الله لكِ، ويدعو لكِ ولإخوانك وأخواتك المظلومين بفرج قريب، وانتقام عاجل من ظالميك، ولن تضيع هذه الدعوات في الدنيا ولا في الآخرة.

فقرّي عينا، وانشرحي صدراً، وابتسمي ثغراً، أنتِ وزوجك، وثقي أن دعوة صالحة تصدر من المظلومين المضيَّق عليهم في سجونهم جديرة أن تفسد على الظالمين دنياهم، وتجعلهم خائبين، وما ربك بغافل عما يعملون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

والدك

يوسف القرضاوي

الطيب مصطفى
صحيفة الصيحة

Exit mobile version